صيف حار وسياسي غيّر كل شيء في إسرائيل

صيف حار وسياسي غيّر كل شيء في إسرائيل

تشهد إسرائيل صيفا طويلا وحارا بسبب موجات الحرارة المرتفعة والتطورات السياسية المحلية التي اشتعلت طوال سنة 2023 وبلغت الآن نقطة الغليان.

القدس – تبدو الأحداث التي تشهدها إسرائيل حلما يتحقق بالنسبة إلى البعض في اليمين الإسرائيلي، لكن غالبية الإسرائيليين يعتبرون ما يجري كابوسا.

ويحكم إسرائيل منذ 29 ديسمبر 2022 التحالف الأكثر يمينية في تاريخها. ولا يزال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو قيد المحاكمة منذ مارس 2020 بتهم فساد متعددة.

ويعدّ الأمران مترابطين، حيث تملي رغبة نتنياهو في تجنب الحكم وسعيه لإلغاء محاكمته بالكامل تكوين ائتلافه الحالي وسلوكه.

وقد بذل نتنياهو في التحالفات السابقة التي قادها جهودا لضمّ أحزاب الوسط وكان ناجحا في ذلك إلى حد ما. لكن هذه الأحزاب لم تعد مستعدة للانضمام إلى حكومته، بسبب تهم الفساد التي يواجهها والطريقة التي تعامل بها مع شريكه السابق في الائتلاف الوسطي بيني غانتس في 2020 – 2021.

وبحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط “يفضل نتنياهو الآن الشراكة مع الأحزاب التي على يمينه، وهي تدعم هدفه في إصلاح القضاء”.

ويحمل البعض في ائتلافه تطلعات بعيدة المدى أكثر من نتنياهو الذي يهتم أكثر بثلاثة تغييرات قانونية ملموسة يمكن أن توجه عملية المحاكمة لصالحه وهي:

التأكد من عدم إمكانية إعلان المدعي العام أنه غير مناسب للمنصب (بما يبقيه في السلطة طوال المحاكمة).

الإسرائيليون المؤيدون للديمقراطية يسعون، بالتوازي مع عملهم المحلي، لحشد الدعم الدولي ويتعلمون من تجارب غيرهم

إلغاء قدرة المحكمة العليا على نقض التعيينات والإجراءات الحكومية على أساس “عدم معقوليتها” (حتى يتمكن من إقالة النائب العام أو إعادة تحديد سلطته).

تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة لضمان سيطرة الحكومة على التعيينات القادمة (حتى يكون في وضع أفضل للاستئناف المحتمل في المستقبل).

ومن بين هذه التغييرات الثلاثة التي يهتم بها نتنياهو، وافق الكنيست على اثنين كمشروع قانون، ومرّ كل واحد في الأيام الأخيرة من جلسة الكنيست: نجح تمرير مشروع القانون المتعلق بكون الشخص غير مؤهل للمنصب في مارس 2023، بينما أمكن تمرير مشروع “معيار المعقولية” في يوليو 2023.

وليس من قبيل المصادفة أن مشروعي القانون الوحيدين اللذين مُرّرا من حزمة الإصلاح القضائي التي قدمها في البداية وزير العدل ياريف ليفين في أوائل يناير 2023 كانا أساسيين لمحاكمة نتنياهو. وهذا ما يؤكد حقيقة سيطرة نتنياهو على العملية التشريعية وشركائه في الائتلاف، حتى لو كان من الملائم له في كثير من الأحيان خلق تصور بأنه أسيرهم السياسي.

ويبقى الكنيست حاليا في عطلة إلى ما بعد الأعياد اليهودية في منتصف أكتوبر. ولن يكون هناك حتى ذلك الحين تشريع جديد.

ولكن من المقرر أن تكون الأولوية الثالثة لصالح نتنياهو بمجرد إعادة عقد جلسات الكنيست، بما يدفع إلى المقدمة تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة ومشروع قانون يستثني رسميا رجال الحريديم من الخدمة العسكرية، وهو هدف الحزبين الأرثوذكسيين المتشددين في الائتلاف.

في الأثناء، من المنتظر أن تقرر المحكمة العليا ما إذا كانت (وكيف) ستتدخل في ما يتعلق بالقانونين اللذين نجح تمريرهما بالفعل. وقد تكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يتقرر فيها إلغاء قانون أساسي، وستشمل جلسة الاستماع الحاسمة في منتصف سبتمبر بشأن مشروع قانون “معيار المعقولية” جميع قضاة المحكمة العليا الخمسة عشر، وهي سابقة أخرى للبلاد.

بينما يسعى نتنياهو للتقليل من أهمية التشريع الذي تمت الموافقة عليه بالفعل، يسلط المعسكر المؤيد للديمقراطية الضوء على مدى دراماتيكية التغييرات

وستناقش المحكمة العليا في أواخر سبتمبر ما إذا كانت ستؤجل تنفيذ مشروع قانون “عدم الصلاحية للمنصب” إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، لمنعه من أن يكون مشروع قانون شخصيا مصمما لتلبية احتياجات نتنياهو.

ورفض نتنياهو أكثر من مرة القول إنه سيقبل حكم المحكمة العليا بإلغاء التشريع الجديد. ويحاول وزراؤه بدلا من ذلك نزع الشرعية عن المحكمة، قائلين إنها تفتقر إلى التفويض اللازم لتغيير قرارات الكنيست بشأن القوانين الأساسية، بينما يؤكد القضاة عكس ذلك ويواصلون مهاجمة القضاة ودوافعهم علنا.

وفي مطلع أغسطس، قال وزير التراث اليميني المتطرف أميشاي إلياهو إنه إذا ألغت المحكمة العليا قانونا أساسيا، فلا ينبغي احترام ذلك وسيشير الأمر إلى أن القضاة مخالفون للقانون.

ويخلق كل هذا خطر حدوث أزمة دستورية غير مسبوقة، حيث تتخذ المحكمة العليا قرارا ترفض الحكومة قبوله. وخلق ذلك موجة قلق كبيرة في إسرائيل وتكهنات حول سيناريوهات مقلقة. وورد أن رئيس الموساد ديفيد بارنيا سُئل عن هذا الأمر في اجتماع مغلق، وقال إنه سيكون على “الجانب الصحيح من التاريخ” إذا اندلعت أزمة دستورية.

وبالتوازي مع الإصلاح القضائي، تعمل الحكومة بثبات على دفع أجندتها الأيديولوجية في مجالات أخرى أيضا. وتتخذ إجراءات دراماتيكية لزيادة سيطرتها على وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمدارس والجامعات، وتقييد الحريات هناك، وزيادة التوترات مع الفلسطينيين.

ومن أمثلة ذلك القرار الأخير الذي اتخذه وزير التربية والتعليم يوآف كيش بمنع مندوبي منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي – الفلسطيني من أجل المصالحة والسلام من الدخول إلى المدارس.

واتخذ الإسرائيليون إجراءات لحماية ديمقراطيتهم منذ اليوم الأول الذي تولت فيه الحكومة الحالية السلطة. وبعد عدة أسابيع من الإجراءات المتفرقة، التي قادها في الغالب مواطنون من فئات مختلفة (وليس الأحزاب السياسية أو المنظمات غير الحكومية الرئيسية)، انطلقت حركة واسعة النطاق مؤيدة للديمقراطية تتوسع وتتوطد وتتطور باستمرار منذ ذلك الحين.

وخرجت الاحتجاجات كل ليلة سبت في جميع أنحاء إسرائيل لأكثر من 30 أسبوعا متتاليا حتى الآن. ويشارك فيها ما لا يقل عن ربع مليون شخص بانتظام، ويكون العدد أكبر في بعض الحالات. ونظّم الإسرائيليون واليهود احتجاجات مماثلة في مدن في جميع أنحاء العالم. وكان حجم الاحتجاجات ونطاقها غير مسبوقين في تاريخ البلاد، ومثّلا مصدر إلهام في إسرائيل وخارجها.

كما نُظمت مظاهرات وأنشطة مقاومة إضافية حول أحداث رئيسية إلى جانب الاحتجاجات الأسبوعية، مثل المعارضة الليلية العفوية لنية نتنياهو إقالة وزير الدفاع يوآف غالانت في مارس والمسيرة الضخمة المؤيدة للديمقراطية من تل أبيب إلى القدس في يوليو. وتحشد هذه الأحداث الإسرائيليين من خلفيات مختلفة (يسارية ويمينية، علمانية ودينية) وتشمل أشخاصا لم يكونوا نشطين سياسيا من قبل، ويخشون الآن على مستقبل بلادهم.

وتخلق هذه العملية تحالفات جديدة تتجاوز خطوط التقسيم السابقة في المجتمع الإسرائيلي. وربما يبرز هذا أكثر في الاحتجاجات الأسبوعية المتنوعة التي تجري في القدس أمام منزل الرئيس، حيث يتجمع مزيج فريد من الإسرائيليين. لكن هذه التطورات نفسها تخلق أيضا استقطابا كبيرا بين أولئك الذين يدعمون إجراءات الحكومة والذين يعارضونها. وقد أدى هذا بالفعل إلى أعمال عنف ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية.

وبينما يسعى نتنياهو للتقليل من أهمية التشريع الذي تمت الموافقة عليه بالفعل، يسلط المعسكر المؤيد للديمقراطية الضوء على مدى دراماتيكية التغييرات. وتوقف على سبيل المثال عدد كبير من جنود الاحتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي عن التطوع للخدمة. وتعمل شركات التكنولوجيا الفائقة على تحويل أعمالها إلى مكان آخر تدريجيا، بينما يبحث الأطباء بشكل جماعي وفردي في خيارات الانتقال، وتكتسب المقاطعات الاستهلاكية زخما، وتتراجع الاستثمارات الأجنبية.

وأدت حركة الاحتجاج، اللامركزية بطبيعتها، إلى ظهور قادة جدد من خلفيات غير عادية. وأصبحت عالمة فيزياء من معهد وايزمان البروفيسورة شيكما بريسلر، على سبيل المثال، شخصية بارزة، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا تقديما لها. وعمل آخرون، بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى قطاع التكنولوجيا الفائقة، على تغيير مسار حياتهم وخططهم المهنية للمساعدة في حماية الديمقراطية. وسيؤدي هذا في النهاية إلى تجديد سياسي في المعسكر الليبرالي الإسرائيلي، وستبرز بوادره الأولى في الانتخابات البلدية المقبلة المقرر إجراؤها في أكتوبر.

ويسعى الإسرائيليون المؤيدون للديمقراطية، بالتوازي مع عملهم المحلي، لحشد الدعم الدولي ويتعلمون من تجارب أقرانهم في المجر وبولندا وتركيا الذين عانوا من تدهور ديمقراطي تدريجي ولكن دراماتيكي. ويحذرون من جعل إسرائيل كلبنان، ويسعون لزيادة الوعي في الخارج بالتطورات المحلية، والعمل على إنشاء شبكات ليبرالية مشتركة مع شركاء متشابهين في التفكير في دول أخرى، وتعبئة السياسيين والقادة الدوليين للتعبير عن القلق واتخاذ الإجراءات. وحقّق النضال على الساحة الدولية بالفعل نتائج ملموسة. فبعد حملة طويلة نظمها الإسرائيليون في الولايات المتحدة، قرر المانح الرئيسي لمنتدى كوهيليت اليميني آرثر دانتشيك التوقف عن تمويل مركز الفكر الذي حفز الإصلاح القضائي.

العرب