تبادل السجناء: حدث معزول أم مؤشر لتفاهمات أشمل بين واشنطن وطهران

تبادل السجناء: حدث معزول أم مؤشر لتفاهمات أشمل بين واشنطن وطهران

واشنطن – بعد عامين ونصف عام على تولي جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة ودبلوماسية حثيثة مع النظام الإيراني، توصلت واشنطن إلى أول اتفاق مع طهران للإفراج عن خمسة سجناء أميركيين. ويؤذن الاتفاق الحساس بتخفيف حدة التوتر بين الخصمين، ويعتقد خبراء ودبلوماسيون أنه قد يفضي إلى مزيد من الجهود الهادئة للرد على مخاوف منها ما يتعلق بالنشاط النووي لإيران.

غير أن عددا قليلا من الأشخاص يتوقعون اتفاقات كبرى وشيكة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2024. وقال علي فايز مدير مشروع إيران لدى مجموعة الأزمات الدولية التي تسعى لإيجاد حلول للنزاعات “أعتقد أن كلا الجانبين لهما مصلحة في استخدام هذه الاتفاقية الأولية بوابة للعودة إلى الحوار ولكن ليس بالضرورة إلى اتفاق”.

وانهارت محادثات برعاية الاتحاد الأوروبي العام الماضي لإحياء الاتفاق النووي المبرم في 2015 والذي فرض قيودا على برنامج إيران المثير للجدل مقابل وعود بتخفيف العقوبات لكن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب انسحب منه.

وبايدن نفسه شوهد في تسجيلات مصورة خلال حملة انتخابية أواخر العام الماضي يقول إن الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني “في حكم الميت”، في وقت كانت طهران تسعى لإخماد احتجاجات عارمة تتقدمها نساء.

وقال مصدر قريب من المفاوضات إن الاتفاق بشأن السجناء منفصل عن الملف النووي. لكنه قال أيضا إن الدبلوماسية أظهرت فعالية في خفض التوتر مع إيران، مشيرا إلى هدنة لا تزال صامدة منذ أكثر من عام في اليمن الذي يشهد نزاعا وحيث تدعم إيران المتمردين الحوثيين.

ويبدو أيضا أن هجمات فصائل شيعية مرتبطة بإيران على القوات الأميركية تراجعت في العراق، كما يشير دبلوماسي من دولة حليفة للولايات المتحدة. وقال الدبلوماسي إن “التوتر لا يزال قائما لكن الحكومتين تتواصلان وهذا يحدث فارقا”.

واستأنف مسؤولون أميركيون وإيرانيون الجهود الدبلوماسية في مايو على شكل اجتماعات غير مباشرة قامت بالترتيب لها سلطنة عُمان، مع محادثات تستطلع إجراءات للحد من البرنامج النووي لإيران بدون العودة كليا إلى الاتفاق النووي، وفق دبلوماسيين.

وقال فايز الذي ساهم في جهود من الخارج لتقريب وجهات النظر لإبرام اتفاق 2015 “أعتقد أن سياق خفض التصعيد موجود بالفعل”. غير أنه شكك في أن يكون لدى إدارة بايدن الرغبة في التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع اقتراب موعد الانتخابات. ورأى أن “أي اتفاق جوهري مع إيران يتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وهو ما سيكون مثيرا للجدل السياسي بشكل كبير في الولايات المتحدة”.

وتابع “في الجانب الإيراني، ومع قرب موعد الانتخابات الأميركية ليس من المنطقي بالنسبة إليهم إستراتيجيا التخلي عن معظم نقاط قوّتهم بدون معرفة من هو الرئيس الأميركي المقبل”، إذ من المحتمل أن يقوم ترامب أو أي جمهوري آخر بإلغاء أي اتفاق جديد. وانتقد جمهوريون اتفاق تبادل السجناء واتهموا بايدن بتقوية نظام معاد.

وبموجب اتفاق يؤكد مسؤولو إدارة بايدن أنه ليس نهائيا، ستقوم كوريا الجنوبية بتحويل ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة إلى حساب خاص في قطر يمكن لطهران استخدامه لشراء سلع إنسانية مثل الغذاء والدواء.

وفي خطوة أولى، نقلت إيران خمسة أميركيين، أحدهم اعتقل قبل نحو ثمانية سنوات بتهم تجسس ينفيها بشدة، من سجن إلى فندق يحظى بحراسة. وتقول هولي داغريس الزميلة غير المقيمة في معهد أتلانتيك كاونسل إن الاتفاق المتعلق بالسجناء هو بمثابة “إجراء لبناء الثقة ويمكن أن يحيي المحادثات بشأن برنامج إيران النووي”.

وتضيف “لكنه أيضا مؤشر لطهران إلى أن بإمكانها الاستفادة من نموذج احتجاز رهائن، ما قد يدفعها إلى مواصلة الوضع الراهن بالنظر إلى أنها تستطيع أيضا بيع النفط بسبب ضعف تطبيق العقوبات المفروضة”.

وأشعلت وفاتها تظاهرات حاشدة مثّلت أحد أكبر التحديات للجمهورية الإسلامية التي قامت بعد إطاحة شاه إيران الموالي للغرب في 1979. وقالت داغريس إن “إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة في فترة حساسة كهذه، هو في جوهره، بمثابة القول للمتظاهرين إن واشنطن غير مهتمة بمحنتهم”.

◙ أي اتفاق جوهري مع إيران يتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وهو ما سيكون مثيرا للجدل السياسي بشكل كبير في الولايات المتحدة

وقوبل تحويل الأموال المحتمل بانتقادات فورية من الجمهوريين بأن الرئيس الديمقراطي بايدن قد دفع فدية في واقع الحال للإفراج عن مواطنين أميركيين وأن استخدام إيران لهذه الأموال للأغراض الإنسانية سيمكنها من توفير أموال لدعم برنامجها النووي أو دعم الفصائل المسلحة في دول مثل العراق ولبنان واليمن.

وقال هنري روم المحلل لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إن الاتفاق من شأنه أن يساهم في خفض التوتر الذي تفاقم منذ انسحب الرئيس الأميركي الجمهوري ترامب من اتفاق 2015 النووي الذي كان يهدف إلى الحد من برنامج طهران النووي.

وغالبا ما يتحمل الإيرانيون الأميركيون، الذين لا تعترف طهران بجنسيتهم الأميركية، عواقب التوتر بين البلدين. ووصف روم الإفراج المحتمل عن الأميركيين الخمسة بأنه خطوة أولى “في جهود الولايات المتحدة الأوسع نطاقا لخفض التوتر في غياب اتفاق نووي”، وأضاف أن البيت الأبيض “لم يكن ليدخل الصفقة ما لم يكن واثقا من قدرته على تحمل رد الفعل السياسي”.

وتحتجز إيران سياماك نمازي منذ أكثر من سبع سنوات، وأُدين في 2016 بتهم تتعلق بالتجسس تنفيها الولايات المتحدة وتصفها بأنها لا أساس لها. وسُمح لوالده باقر نمازي بمغادرة إيران في أكتوبر لتلقي الرعاية الطبية بعدما اعتُقل بتهم مماثلة نفتها واشنطن أيضا.

واعتُقل مراد طهباز في 2018 وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة “الحشد والتآمر ضد الأمن القومي الإيراني” والعمل جاسوسا لصالح الولايات المتحدة. كما أُدين عماد شرقي بالتجسس في 2020 وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات هو الآخر.

العرب