العراق: دولة خفية مكشوفة

العراق: دولة خفية مكشوفة

1015551290

يبدو العراق دولة مكشوفة لا أسرار فيها، يتضح ذلك لمتابع جلسات البرلمان أو الحكومة أو لقاءات الرئاسات الثلاث، وما يرد في النشرات الإخبارية وعلى وسائط التواصل، لكن حقيقة الأمر أن هذا المكشوف جزء يسير مما يجري بين الكتل السياسية، أو بينها وبين الدول المجاورة للعراق وتلك المؤثرة في داخله من وراء البحار، وبالتالي فهذا المخفي هو الذي يُشكل ويوجه السياسة العراقية.

فمن تابع الجدل عن دخول الجيش التركي في عمق العراق سيخرج بهذه النتيجة، إذ هناك اتفاق خفي بين كتل سياسية والدولة التركية، وربما بقية الأطراف أخذت علماً به، وغضت النظر، لكنها ظلت تتحدث عن وجود الجيش الأجنبي على أنه تعدي على السيادة العراقية، فالكتلة التي لم تر في ذلك تعدياً أبرمت الاتفاق، وذلك مناصفة في تدريب الحشود، وهذا يأتي ضمن المحاصصة الطائفية. فالحشد الشّعبي المعروف على أنه حشد شيعي، أُعلن أنه يتدرب على يد الجارة الشرقية وحاصل على تأييدها. فمن المؤكد أن الحشد الوطني المعروف بأنه حشد سني، سيتدرب على يد الجارة الشمالية. والحسبة أن العراق يقع بين دولتين: شيعية وسنية، ناهيك عن الاصطفاف الحزبي، فالإسلام السياسي هو الحاكم في الدولتين، وقيادات الحشدين من الأحزاب الدينية.

معلوم أن تقاسم النفوذ بين الجارتين على العراق كان معمولا به منذ قرون، في زمن الصفويين والعثمانيين، وكانت الحرب بينهما كراً وفراً، حتى قيل في كناية عن ذلك «بين العجم والرُّوم بلوة ابتلينا» (العزاوي، العراق بين احتلالين)، ولفترة قصيرة تُسمى إيران بلاد العجم وتركيا بلاد الروم، مع أن العجم تُطلق على غير العربي مهما اختلفت قوميته، وأن الرُّوم انتهى أمرها على يد الفاتح العثماني (1453 ميلادية) مع سقوط القسطنطينية، ونراها تظهر في تدريب الحشود ثانية.

صرح علي المكشوف رئيس الوزراء حيدر العبادي: إن على تركيا سحب قواتها فوراً، وكأن صواريخه قد وُجهت إلى جيشها، ثم ظهر تصريح تركي عن التنسيق مع الحكومة العراقية، وعادت الحكومة العراقية تهون من وجود قطعان من الجيش على أنها لمواجهة «داعش»، إلا أن العديد من العراقيين، من جمعيات وشخصيات، قد أصدروا بيانات الاحتجاج على دخول الجيش التركي، باعتباره هتكاً للسيادة العراقية، ولا نرى جيشاً أو نظاماً عراقياً، في الوقت الحالي بالذات، قادراً على صون تلك السيادة حتى لو حصل الانتهاك من أصغر الدول، فكيف الحال مع جيش تركيا العضو في حلف «الناتو».

عندما يصوت البرلمان على قضية ما، تظهر في المكشوف على أنها قرار برلماني، لكن الخفي أن رؤساء الكتل قد صوتوا قبل أعضاء البرلمان، ليظهر تصويتهم مكشوفاً على ألسنة أعضائهم في البرلمان. يجري هذا في القضايا الصغيرة والكبيرة، إلا ما يخص الجوانب الثانوية جداً، ونقصد هنا الكتل الكبرى ذات التأثير في القرار، أما الصغرى فيظهر تصويتها كشغب لا أكثر، لأنه غير مؤثر في القرار.

قد تتداول وسائل الإعلام أمراً ما، ويصبح حقيقة، فيظهر غير ما هو عليه تماماً، كالاتفاق مثلاً على الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والذي ظهر على أنه صاحب الأغلبية في البرلمان، إلا أن المحكمة العليا حسمت الأمر للكُتلة الكبرى التي تشكلت داخل البرلمان وليست صاحبة الأصوات الأكثر. لكن ما حصل في مؤتمر أربيل (2010) كان هو الفاصل وليس قرار المحكمة، وهو ما ضمنه المالكي من رئيس الإقليم وما ضمنه الأخير منه باتفاق على الورق.

لم يكن التناقض في تصريحات المسؤولين الكبار إلا تعبيراً عن المخفي والمكشوف في السياسة، من توزيع للمناصب في وزارات الدولة إلى العلاقات بالدول، مثلما حصل في قضية دخول أو استقدام الجيش التركي. بمعنى أنه ليست هناك دولة واحدة وإنما عدة دول، موزعة على الكُتل السياسية، وما الخلافات بينها إلا خلافات بين دول لا بين جماعات داخل دولة، وهذا هو نظام المحاصصة الطائفية، كلُّ زعامة طائفة تتصرف كدولة داخل الدولة، وتتحدث عن شعوب لا شعب واحد. مع العلم أن الاتفاق داخل الطائفة الواحدة معدوم أيضاً، فالزعامات تعبِّر عن نهجها ومصالحها لا عن الطائفة ككل، والدليل على ذلك ما يجري بين الكتل الشيعية والكردية والسنية بل والمسيحية، والأيزيدية أيضاً.

وختاماً، لا يغتر مَن لديه معلومة عمَّا يجري في الدولة العراقية، فلحظات وتظهر معلومة أخرى تنقضها، فمن الصعب التوفيق بين المخفي والمكشوف، فإذا قلت: أنا أدري، سيرد عليك آخر قائلاً: كيف تدري؟!

رشيد الخيون

نقلا عن جريدة الاتحاد