البرلمان الليبي يدفع نحو أزمة جديدة بالمصادقة على قوانين لجنة 6+6

البرلمان الليبي يدفع نحو أزمة جديدة بالمصادقة على قوانين لجنة 6+6

بنغازي (ليبيا) – يستعد مجلس النواب الليبي لخوض مشاورات سياسية بهدف تشكيل حكومة جديدة، في ظل ظهور مؤشرات على أن مصادقته على القوانين الانتخابية الصادرة عن لجنة 6+6 تدفع بالبلاد نحو أزمة سياسية جديدة، بسبب الخلافات الحادة بين القوى الأساسية في البلاد حول مسار الانتخابات وسياقات المنافسة على حكم ليبيا خلال المرحلة القادمة، مع استمرار ظاهرة الانقسام العسكري والحكومي وتشكّل مراكز نفوذ محلية في غرب وشرق البلاد غير مستعدة لاحترام إرادة الناخبين والتداول السلمي على السلطة.

وقد وجه رئيسه عقيلة صالح كتابا للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أكد خلاله على وفاء مجلس النواب بالتزاماته لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، من خلال الموافقة بالإجماع على إصدار قانون انتخاب رئيس الدولة وقانون انتخاب مجلس الأمة المنجزين من قبل لجنة 6+6، استنادا إلى التعديل الدستوري الثالث عشر والتوافق بين مجلس النواب ومجلس الدولة.

وقال متحدث باسم البرلمان الليبي، الأربعاء، إن “رئيس البرلمان عقيلة صالح أصدر قانونين جديدين للإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية”.

وذكر المتحدث في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن “صالح وقّع القانونين وأمر بتسليمهما إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات”.

كما طلب صالح من الأمين العام للأمم المتحدة حشد الدعم الدولي لتشكيل حكومة موحدة مهمتها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفقا لنص المادة 86 من قانون انتخاب رئيس الدولة ونص المادة 90 من قانون انتخاب مجلس الأمة ولضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل حكومة موحدة في كافة أنحاء البلاد.

وأعلن المجلس الأعلى للدولة، مساء الأربعاء، رفضه إجراء أي تعديل لاحق على مخرجات أعمال اللجنة المشتركة لإعداد القوانين الانتخابية 6+6 في نسختها الموقعة بين طرفي اللجنة بمدينة بوزنيقة المغربية في يونيو الماضي.

واستأنف المجلس الأعلى للدولة الأربعاء جلسته العامة رقم 91 بمقره في مدينة طرابلس، التي تمحور النقاش خلالها حول القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة 6+6، وشهدت الجلسة تصويت أعضاء المجلس على مخرجات هذه اللجنة الموقعة في بوزنيقة.

وقال المكتب الإعلامي للمجلس الأعلى للدولة عبر صفحته على فيسبوك إن “الجلسة انتهت بعد أن قرر المجلس الأعلى للدولة التمسك بنتائج أعمال اللجنة في نسختها الموقعة في بوزنيقة بالمملكة المغربية بتاريخ 3 يونيو الماضي، ورفض إجراء أي تعديل لاحق عليها، كما تقرر حلّ الفريق الممثل للمجلس بلجنة 6+6 بعد إنجاز مهمته”.

وأشار المستشار الإعلامي لرئاسة مجلس النواب فتحي المريمي إلى أنه “سيتم خلال الفترة القادمة النقاش حول تشكيل حكومة واحدة على مستوى ليبيا، ما بين مجلسي النواب والدولة، حسب الآلية المتفق عليها بين المجلسين، وذلك قبل وضع هذا القانون في الجريدة الرسمية”.

وأضاف في تصريحات صحفية أنه “عندما يتم تشكيل الحكومة الجديدة سيتم التعامل معها من قبل بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي”.

ويرى مراقبون أن رسالة صالح إلى غوتيريش تهدف إلى كسب دعم المنتظم الأممي والمجتمع الدولي في مواجهة القوى الداخلية التي بدأت تكشف عن مواقف رافضة لتشكيل حكومة جديدة أو السعي نحو تنظيم الاستحقاقات الانتخابية وفق القوانين الصادرة عن لجنة 6+6 التي صدق عليها مجلس النواب الاثنين الماضي.

وأوضح المرشح الرئاسي الأسعد زهيو أن البرلمان شدد على ارتباط إصدار القوانين بتشكيل حكومة جديدة بديلة لحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها للإشراف على الانتخابات، مشيرا إلى أن البرلمان وضع المجتمع الدولي ممثلا في رئيس البعثة الأممية عبدالله باتيلي في مأزق صعب، وهو التوافق على إزاحة الدبيبة وإقناع الأخير بالتخلي عن السلطة وهو أمر ليس متوقعا.

وكان مجلس النواب الليبي وافق على إصدار القوانين المتعلقة بالانتخابات والتي شملت مسألة ترشح مزدوجي الجنسية لرئاسة البلاد، والسماح لكل مواطن ليبي بالترشح سواء كان مدنيا أو عسكريا، وزيادة عدد مقاعد مجلس النواب من 200 إلى 300 مقعد.

مراقبون يشيرون إلى أن الأطراف السياسية الموالية لحكومة الوحدة الوطنية ستعلن رفضها للقوانين ولما سينجر عنها من تشكيل حكومة جديدة

واعتبر صالح أن هناك عملية بدأت لتشكيل حكومة موحدة تجهز للانتخابات، داعيا إلى عدم التوسع في عدد الحقائب الوزارية، تجنبا لإطالة عمر المرحلة الانتقالية، لكن أغلب الفاعلين السياسيين لم يسارعوا إلى الترحيب بالقرار البرلماني، ما عدا سيف الإسلام القذافي، ممثل النظام السابق الذي أعرب عن شكره لعقيلة صالح وأعضاء لجنة صياغة قوانين الانتخابات على صياغة قوانين انتخابية لا تقصي أحدا، رغم الضغوط التي تعرضوا لها، معتبرا أنها بداية مرحلة جديدة في تاريخ ليبيا.

وقال سيف الإسلام في بيان له “أتقدم بالشكر للأستاذ عقيلة صالح، رئيس البرلمان، وكل الإخوة أعضاء لجنة الـ12، على ما قاموا به من صياغة قوانين انتخابية لا تقصي أحدا، تحصلت على موافقة أعضاء مجلس النواب بالإجماع، لإصدارها بشكل رسمي، رغم كل الضغوط والتهديدات والإغراءات، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ليبيا”.

ومن المنتظر أن تتوالى المواقف الرافضة للقوانين الانتخابية خلال الأيام القادمة، بما سيدفع باتيلي إلى الخروج من جديد بهدف الدعوة إلى عقد اجتماعات جديدة بين ممثلين عن مجلسي النواب والدولة للبحث عن مخرج من النفق الجديد، لاسيما أن أغلب الفرقاء الداخليين يرفضون الاتجاه نحو الانتخابات وفق الشروط المعلن عنها للترشح للسباق الرئاسي.

ويشير المراقبون إلى أن الأطراف السياسية الموالية لحكومة الوحدة الوطنية ستعلن رفضها للقوانين ولما سينجر عنها من تشكيل حكومة جديدة، مبرزين أن أطرافا إقليمية ودولية مهمة لا تزال متمسكة باستمرار المهندس عبدالحميد الدبيبة على رأس السلطة التنفيذية بالعاصمة طرابلس.

وكان صالح أكد الأسبوع الماضي أن “بعد اعتماد مخرجات 6+6 نصبح أمام ضرورة تشكيل حكومة واحدة حتى تتولى الإشراف على الانتخابات”، مردفا “بعد ذلك نذهب إلى صناديق الاقتراع ومن يأتي به الصندوق سيكون رئيس ليبيا القادم ونقدم له جميعا التحية”.

القانون الذي تمّ إقراره من لجنة 6+6 لا يقصي أحدا ممن تتوافر فيه الشروط المعروفة للترشح، ولكل مواطن الحق في الترشح مدنيا كان أو عسكريا دون إقصاء لأحد

وأشار صالح إلى أن “الليبيين يحتاجون إلى سلطة تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها وتلم شملهم، وانتخاب رئيس للبلاد يستطيع أن يلتزم بالتعهدات ويقرب وجهات النظر”، لافتا إلى أن “ما حدث في درنة مؤخرا وتجمع الليبيين من كل أنحاء البلاد لمساعدة المنكوبين يؤكدان أن الليبيين ليسوا في حاجة إلى مصالحة وطنية فهم متصالحون بالفعل”.

وبحسب رئاسة مجلس النواب، فإن القانون الذي تمّ إقراره من لجنة 6+6 لا يقصي أحدا ممن تتوافر فيه الشروط المعروفة للترشح، ولكل مواطن الحق في الترشح مدنيا كان أو عسكريا دون إقصاء لأحد، ومن لم يفز في الانتخابات يعود لسابق وظيفته.

في المقابل، اتسعت دائرة الانتقادات للقوانين الانتخابية، حيث رأى ناشطون أن مجلس النواب قام بتعديل النصوص الخاصة بقانون انتخابات الرئاسة ومجلس الأمّة، وهو ما يعتبر تعديا على نص دستوري يمنع تعديل القوانين الصادرة عن لجنة 6+6 المشتركة بين مجلسي النواب والدولة.

ورأت عضو مجلس الدولة أمينة المحجوب أن مجلس النواب قام بتغيير بعض الفقرات في القوانين، ما يخالف الاتفاق السياسي الموقّع في بوزنيقة بشأن عمل لجنة 6+6، على حد تعبيرها.

وأضافت أن “أعضاء مجلسي النواب والدولة اتفقوا على عدم تغيير أو تحريف أو تعديل أيّ نص من المواد، وعلى أن كل ما يتفق عليه الطرفان في اللجنة يتم اعتماده من مجلس النواب دون تحريف”، مشيرة إلى أن “القانون حتى وإن صوّت عليه المجلس الأعلى للدولة بالبطلان أو عدم جهوزيته فهو معرّض للطعن عليه أمام الدائرة الإدارية بالمحكمة”.

وتحدثت أوساط ليبية عن عراقيل عدة تقف في وجه تنظيم الاستحقاقات الانتخابية، منها أن قوى إقليمية ودولية غير موافقة على القوانين الانتخابية بالشكل الذي تمت المصادقة عليها من قبل مجلس النواب، وخاصة في ما يتصل بشروط الترشح للسباق الرئاسي، مشيرة إلى أنه من الصعب الحديث عن استحقاق انتخابي يشارك فيه جميع الفرقاء دون إقصاء، ويقبلون فيه بالنتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

وأوضح المحلل السياسي محمد الهنقاري أن “نتائج المصادقة على قرارات الانتخابات القادمة اليوم (الأربعاء) هو بمثابة زرع الألغام المتفجرة لمرحلة ساخنة قادمة”. وهو ما يفسره البعض من المتابعين للشأن الليبي بوجود بنود مثيرة للجدل في قانون الانتخابات الرئاسية، وهي تفتقد إلى الجدية، وتحتاج إلى إعادة النظر فيها من قبل خبراء ومتخصصين وليس التصديق من قبل النواب في ظل توازنات خاضعة للمغالبة السياسية ولقوة السلاح على الأرض.

العرب