روسيا أمام مشكلة اسمها “عمال أجانب مسلمون”

روسيا أمام مشكلة اسمها “عمال أجانب مسلمون”

موسكو- يخشى العديد من الروس، بمن في ذلك كبار الشخصيات، من أن يعرّض تدفق العمال المهاجرين المسلمين من آسيا الوسطى جوهر الثقافة الروسية والاتحاد الروسي نفسه للخطر.

ويشكل هؤلاء المهاجرون أكثر من 80 في المئة من أكثر من عشرة ملايين مهاجر عامل في روسيا.

ويعتقد البعض في المجتمع الروسي أن هذا يهدد النظام العام والهيمنة الثقافية العرقية الروسية، ويرون فيه أمرا يمكن للحكومات الغربية استغلاله، وعنصرا من شأنه تقويض نفوذ موسكو في آسيا الوسطى من خلال إثارة الحركات الإسلامية بمجرد عودة هؤلاء المهاجرين إلى أوطانهم.

وترتفع هذه المخاوف بسبب المؤشرات التي تدل على أن المهاجرين المسلمين القادمين من آسيا الوسطى أصبحوا متطرفين بسبب تجاربهم في روسيا. ويبدو هؤلاء العمال أكثر استعدادا للانخراط في أعمال عنف ضد الروس دفاعا عن أجندتهم الإسلامية.

ويشير الكاتب بول غوبل من مؤسسة جايمس تاون أن معظم المسؤولين الروس يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة على الوضع من خلال السياسات القمعية وتوسيع المؤسسات المصممة لـ”إضفاء الطابع الروسي” على المهاجرين و”ترويسهم”.

لكنه يشير إلى أن الشعور الروسي بدأ يتغيّر مع ارتفاع معدلات الجريمة بين المهاجرين وموجة العنف الأخيرة بين الروس والمهاجرين المسلمين في ضواحي موسكو.

وأبرزت دراسة جديدة للحكومة الروسية حول مواقف المهاجرين تجاه الحركات الإسلامية والالتزام بالقوانين الروسية هذا الاتجاه. كما لاقت مقترحات أكثر راديكالية، بما في ذلك طرد المهاجرين وخروج روسيا من الدول المستقلة لمنع عودتهم.

وكانت بعض نتائج دراسة الوكالة الفيدرالية الروسية لشؤون القوميات والصادرة في نهاية سبتمبر 2023 مدهشة. ووجدت أن 43 في المئة من العمال المهاجرين من آسيا الوسطى يقولون إنهم يريدون العيش في روسيا وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، بينما أعلن 24 في المئة أنهم مستعدون للمشاركة في مظاهرات عامة مؤيدة لما يهدفون إليه.

ويقول أكثر من 15 في المئة، أي نحو مليوني شخص، إنهم على استعداد للمشاركة في أعمال عنف لتحقيق رغباتهم. كما حدد الاستطلاع أن أكثر من 40 في المئة يفضلون العيش في ظل قوانين بلدانهم الأصلية بدلا من العيش حسب القوانين الروسية.

43 في المئة من المهاجرين من آسيا الوسطى يريدون العيش في روسيا وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية

وتفاقم هذه المواقف التوترات بين الروس والمهاجرين المسلمين. كما تنشر مثل هذه القناعات بين المسلمين من القوميات الأصلية في روسيا وإثارة المزيد من التطرف الإسلامي في أوطانهم عند عودتهم. وهم يشكلون تهديدا لكل من روسيا ودول آسيا الوسطى.

وينخرط المسؤولون الروس اليوم في مناقشات حول النهج الذي يمكن اتخاذه لتغيير هذا الوضع.

وسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التقليل من شأن المشكلة. وقال في المنتدى الاقتصادي الشرقي الأخير إن العمال المهاجرين يشكلون “3.7 في المئة فقط” من القوى العاملة في البلاد ويمكن حل أيّ مشاكل معهم من خلال الإصرار على تعلمهم اللغة الروسية وإنفاذ القوانين المعتمدة في البلاد بالقوة”.

لكن الذين يواجهون المشكلة مباشرة كانوا أقل تفاؤلا. وقال رئيس الوكالة الفيدرالية لشؤون القوميات إيغور بارينوف إن موسكو يجب أن تضع برامج لغربلة العمال المهاجرين لضمان منع معتنقي الأفكار المتطرفة من دخول البلاد.

وقد يخلق الحد من أعداد المهاجرين المسلمين مشاكل خطيرة لسببين رئيسيين. أولهما أنه سيؤدي إلى ترحيل العديد من المهاجرين من روسيا، مما قد يصعّب إقناع سكان آسيا الوسطى للمشاركة في الحرب ضد أوكرانيا. وثانيهما أنه سيعزز الاشتباكات بين المهاجرين والروس، حيث يرى الجانبان أن مثل هذه السياسات تفتح الباب للمزيد من الهجمات. وتحمل التعليقات المناهضة للمهاجرين هذا التأثير بالفعل على المجموعتين، مما يخلق وضعا يمكن أن ينتشر بسرعة من المهاجرين المسلمين إلى مواطني روسيا الأصليين.

ومن المرجح أن يمتد تأثير هذا التحول إلى الأمن القومي، وأن يقود المسؤولين في موسكو، مثل أمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، إلى اتهام الغرب بإشعال هذه الصراعات.

وسيرى المزيد من الروس، بقيادة باتروشيف مرة أخرى، أن تطرف المهاجرين المسلمين داخل بلادهم قد يكون حافزا لانتشار الأفكار الإسلامية في آسيا الوسطى. ويمكن أن يوصل هذا الاتجاه، مع التطرف الأفغاني والمشاكل المتنامية في آسيا الوسطى، حكومات إلى السلطة تحدّ من نفوذ موسكو في المنطقة، مما يمنح الغرب فرصة جديدة لمواجهة روسيا. وسينتشر نموّ الأفكار الإسلامية المتطرفة في آسيا الوسطى داخل الجماعات الإسلامية في روسيا نفسها.

وأصبحت موسكو بالتالي في موقع حرج. فهي تحتاج إلى المهاجرين المسلمين من آسيا الوسطى الذين يتحمّلون مشاكلها الديموغرافية، ولكنها لا تستطيع أن تسمح بانتشار التطرف بينهم.

ومن غير المرجّح أن تتلاشى حاجة روسيا إلى هؤلاء المهاجرين المسلمين في المستقبل القريب. لكن من المرجّح في المقابل أن تتعزز المشاعر المتطرفة بسبب الرسائل القومية الروسية المتزايدة التي يبثها الكرملين ومطالبته بأن يلعب سكان آسيا الوسطى دورا في المجهود الحربي.

وتعني الأجور المنخفضة والمشاكل البيئية في آسيا الوسطى أن عدد هؤلاء المهاجرين الذين ينتقلون إلى روسيا سيرتفع. ويعني العداء الروسي تجاه هؤلاء المهاجرين أن انتشار التطرف سيستمر. وتشهد روسيا الآن تطرف الجيل الثاني من المهاجرين الذي تعاني منه بعض دول أوروبا الغربية أيضا.

ويثير الأمر مخاوف في الكرملين بشأن مستقبل روسيا رغم أن التطرف الإسلامي لم يلعب سوى دور ثانوي في سقوط الاتحاد السوفييتي، حيث تدل الاتجاهات الحالية أن هذه المواقف بين المهاجرين المسلمين في روسيا يمكن أن تلعب دورا مهما فيما يرى الكثيرون أنه سيكون التمزق القادم للاتحاد الروسي.

العرب