الدولار والمقاطعة يدفعان المستثمرين إلى الهروب من مصر

الدولار والمقاطعة يدفعان المستثمرين إلى الهروب من مصر

القاهرة – سحب مستثمرون خليجيون استثمارات كبيرة من السوق المصرية خلال يناير الجاري، بعد أن تسببت أسوأ أزمة سعر صرف تشهدها القاهرة في اهتزاز الوضع الاقتصادي، فضلاً عن حملات المقاطعة الشعبية، وهو ما يوحي بأن مصر لم تعد وجهة مفضلة للمستثمرين.

وتسود حالة قلق بين عشاق التسوق والمولعين بالعلامات التجارية العالمية بسبب قرب توديع بعض متاجر التجزئة العالمية المفضلة لديهم؛ حيث قررت مجموعة الشايع الكويتية العملاقة لتجارة التجزئة، والتي تعد أحد أكبر مشغلي بعض العلامات التجارية للبيع بالتجزئة في المنطقة، تقليص عملياتها في مصر على خلفية ضغوط العملة الأجنبية والظروف الاقتصادية الصعبة.

وستخرج بعض العلامات التجارية التابعة للمجموعة من القاهرة تدريجيّا، على أن تغلق أبوابها بالكامل في النهاية، بينما ستقلص عمليات متاجر أخرى. وتأتي سلسلة متاجر دبنهامز البريطانية كأول من يغادر مصر، كما ستغلق جميع الفروع التابعة لها، بالإضافة إلى الموقع الإلكتروني الخاص بها، بحلول نهاية فبراير القادم.

وقالت الشركة في رسالة إلى العاملين في المتاجر المزمع إغلاقها إنها قررت تقليص عملياتها في مصر نتيجة الوضع الاقتصادي على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، والصعوبات التي تواجه أعمالها التجارية، بما في ذلك انخفاض العملة وضغوط سعر الصرف والتضخم المرتفع.

كما ستُغلق أبواب متاجر ذا بودي شوب، ومذر كير وبنكبري، فيما ستظل العلامات التجارية الأخرى، مثل إتش آند إم وفيكتوريا سيكريت وأميركان إيجل وباث آند بادي، موجودة في السوق على نطاق أضيق.

وسيصل عدد المتاجر المغلقة إلى نحو 60 متجرًا تابعا للمجموعة في مختلف أنحاء مصر، إلى جانب تسريح 375 موظفًا، وبعد تلك القرارات سيكون لدى المجموعة نحو 100 متجر نشط في مصر، 80 في المئة منها ستكون فروعا لمقهى ستاربكس.

ويرى محللون أن قرار الشايع ربما يعود -في جزء كبير منه- إلى حملة المقاطعة الشعبية التي تعرضت لها علامات تجارية شهيرة في مصر بسبب الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، وبالتالي تراجع الإقبال على العلامات الغربية التابعة للشركة الكويتية، ومن ثم تراجعت أرباحها بما لا يواكب نفقاتها.

وتحوم شكوك حول الاستمرار الجزئي في مصر خلال الفترة المقبلة، لاسيما أن المجموعة تركز على البقاء في القاهرة من خلال مقاهي ستاربكس، وهي من العلامات التي شهدت مقاطعات من جانب شريحة واسعة من المواطنين.

ولاح ذلك بقوة في نوفمبر الماضي، عندما قام رواد منصات التواصل الاجتماعي بتداول مجموعة من الصور والفيديوهات التي التُقطت في فروع مختلفة من مقاهي ستاربكس، وقاموا بمشاركة صور أخرى توضح تراجع أسعار منتجاتها إلى حوالي 75 في المئة من قيمتها، وبدا ذلك بالفعل في شارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين في مصر.

وسبقت مجموعة الشايع في الانسحاب من مصر مجموعةُ تبريد الإماراتية التي كشفت في 12 يناير الجاري عن إنهاء التعاقد مع مشروع المدينة الطبية الجديدة في البلاد كابيتال ميد، بسبب أزمة الدولار المحتدمة.

وقالت تبريد إنه جرى إنهاء التعاقد بالاتفاق بين الطرفين، لأن نفقاتها الرأسمالية كانت بالدولار، لكن الإيرادات المستقبلية بالعملة المحلية، وأصبح المشروع غير مستدام من الناحية المالية قبل انطلاق الأعمال.

وقال الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب “يترتب على استمرار أزمة سعر الصرف ووجود سعرين للعملة في البلاد، مع زيادتها، إيقافُ نشاط الشركات الأجنبية أو مغادرة السوق، وتلك الكيانات لا يمكنها تحويل الأرباح بالدولار لعدم وفرته في الجهاز المصرفي”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أنه “حال قررت المؤسسات غير المصرية إجراء توسعات عبر زيادة رؤوس أموال من الشركة الأم في الخارج، فإن الدولار الذي يتم تحويله يدخل الجهاز المصرفي ويتم الحصول على الجنيه المصري عبر سعر الدولار في المصارف، وهو أمر غير معقول مع تضاعف الفرق بين سعري الدولار في البنوك والسوق الموازية”.

ولا تجد الشركات دعمًا في مصر يعوضها عن الفارق الكبير في سعر العملة، ما يجعل الوضع الحالي يمثل عامل طرد للمستثمرين والعلامات التجارية من البلاد.

ويرى محللون أن انخفاض سعر الجنيه المصري عاملُ جذب للاستثمار الأجنبي، لكن يمكن الجزم بهذا في الأوضاع الطبيعية التي تشير إلى انخفاض سعر الجنيه ووجود قيمة واحدة له وتعامل أوحد في المصارف.

ولفت عبدالمطلب إلى أن خطوة الشركات الخليجية حاليًا بمثابة رسالة سلبية عن الاستثمار وتفيد بأن اقتصاد البلاد غير مستقر، كما أن الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه يترتب عليه ارتفاع الأسعار ولا تجد العلامات التجارية الشهيرة إقبالاً على منتجاتها من فئات عديدة.

وتُعاني مصر من أزمة عملة منذ حرب روسيا وأوكرانيا؛ نتيجة تدفق ما يزيد على 20 مليار دولار إلى الخارج، في وقت ينكشف فيه اقتصادها بنحو 56 في المئة على مخاطر العملة نتيجة فاتورة الاستيراد المرتفعة، بحسب تقديرات وثيقة بحثية صادرة عن مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، وذلك فضلا عن جدول سداد الديون الخارجية المرتفعة.

ودفع الخلل بين الموارد والاحتياجات الدولارية مؤسسات التصنيف الدولية إلى خفض تصنيف مصر بما يعكس مخاطرها، وانعكس ذلك على أسعار كلفة التأمين على ديونها السيادية لتسجل 12.4 في المئة حاليا مقابل نحو 2.8 في المئة قبل الأزمة.

وقال عضو جمعية مستثمري بورسعيد فؤاد ثابت إن استمرار الأوضاع الحالية يعرقل جذب استثمارات جديدة أو التفاوض مع المستثمرين الخليجيين لضخ استثمارات في مصر، إضافة إلى أن ذلك يعيق برنامج الطروحات الحكومية وبيع الشركات.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أنه “رغم الاجتماعات الإيجابية بين مصر وصندوق النقد الدولي فإن الأخير ليس ضمانة حقيقية لتوفير سعر صرف مرن في البلاد، إذ يخشى الصندوقُ اتخاذَ البلاد قرار خفض الجنيه لكنه قرار محسوب ويتحكم البنك المركزي في سعر الجنيه، وهو ما ينافي سياسة الصندوق، فضلاً عن شروط أخرى يطلبها الصندوق مثل طرح شركات الجيش في البورصة أو بيع جزء منها، وهو ما لم يتحقق.

العرب