هل يمكن أن تعيد أميركا ولاية ألاسكا إلى روسيا؟

هل يمكن أن تعيد أميركا ولاية ألاسكا إلى روسيا؟

قبل نحو أسبوع قال نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية فيدانت باتيل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يستعيد ألاسكا، في إشارة إلى التقارير التي تحدثت عن أن بوتين أمر حكومته بالنظر في الأراضي والممتلكات السابقة للإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي في الخارج، فهل طالبت روسيا باستعادة ولاية ألاسكا من الولايات المتحدة على اعتبار أن بيعها كان غير قانوني؟ ولماذا كرر مسؤولون روس مطالبات مماثلة خلال العامين الماضيين؟ وما أهمية ألاسكا الآن؟ ولماذا باعتها روسيا أصلاً؟

إحياء قضية منسية

بين حين وآخر يدلي المسؤولون الروس بتصريحات أو تلميحات تشير إلى محاولاتهم المتجددة لإحياء قضية بدت منسية على مدى أكثر من قرن ونصف القرن، حيث يهددون باستعادة ولاية ألاسكا التي اشترتها الولايات المتحدة من روسيا عام 1867، وظهرت آخر فصول هذه المطالبات الأسبوع الماضي عندما ذكرت وكالة “تاس” الرسمية الروسية أن بوتين وقع مرسوماً جديداً لتخصيص أموال للبحث عن الأراضي والممتلكات الروسية في الخارج وتسجيلها، بما في ذلك تلك الموجودة في الأراضي السابقة للإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي.

وبينما لم يذكر المرسوم ألاسكا على وجه التحديد، إلا أنه لفت انتباه المدونين العسكريين، الذين جادلوا بأن بوتين كان يستخدم المرسوم لإعلان أن بيع روسيا لآخر ولاية حدودية للولايات المتحدة عام 1867 غير قانوني. وقال بعضهم إنه يمكن لروسيا أن تبدأ في سن قانون لاستعادة ألاسكا وأجزاء من أوروبا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى.

وفي الولايات المتحدة، تعامل معهد دراسة الحرب بجدية مع الأمر معتبراً أن المعايير الدقيقة لتحديد مما يشكل الممتلكات الروسية الحالية أو التاريخية غير واضحة، مشيراً إلى أن الكرملين يستخدم حماية ممتلكاته المزعومة في بلدان خارج حدوده المعترف بها دولياً لتوجيه آليات القوة الناعمة في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي والدول المجاورة بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي في نهاية المطاف.

وفي حين بدا أن بوتين يقلل من شأن عملية البيع، لمح سيرغي ميرونوف، وهو أحد المشرعين الروس إلى أن موسكو ستستعيد أراضيها السابقة في المستقبل بما في ذلك ألاسكا في إطار نظام عالمي جديد، كما قال الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف مازحاً في شأن رد وزارة الخارجية الأميركية، إن روسيا كانت تنتظر إعادتها في أي يوم، والآن أصبحت الحرب أمراً لا مفر منه، ثم أرفق رمز تعبيري ضاحك.
لكن قبل عامين، طرح مسؤولان روسيان مرة أخرى فكرة إعادة ألاسكا إلى روسيا، حيث قال فياتشيسلاف فولودين، حليف بوتين ورئيس مجلس الدوما، إن روسيا يمكن أن تستعيد المنطقة رداً على العقوبات الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في “الناتو” والاتحاد الأوروبي رداً على هجوم روسيا على أوكرانيا. كما رصدت وكالة أنباء “أن جي أس 24” لوحات إعلانية في مدينة كراسنويارسك السيبيرية كتب عليها “ألاسكا لنا”، ومع ذلك بدا الرئيس بوتين غير مهتم بالمسألة عام 2014 حين سئل عن استعادة ألاسكا خلال جلسة الأسئلة والأجوبة السنوية مع المواطنين الروس، فقال إنها بيعت بمبلغ زهيد، لكنه طالب الناس ألا ينشغلوا بألاسكا، لكن لا أحد يعلم ما نوايا الرئيس الروسي من توقيعه على المرسوم الجديد حول أراضي روسيا الإمبراطورية القديمة، وما إذا كان يرغب الدخول في منازعات قانونية مع الولايات المتحدة أم هي محاولة للضغط السياسي على واشنطن.

أهمية ألاسكا

وعلى رغم أن التلويح بمطالبات استعادة روسيا لولاية ألاسكا تبدو غريبة ومضحكة بالنسبة إلى الأميركيين بعد أن تمنى لهم حاكم ألاسكا مايك دونليفي حظاً سعيداً، فإنها تعكس في الأقل نوعاً من الحسرة وسوء التقدير حيال بيع مساحة شاسعة من الأراضي الاستراتيجية الغنية بالموارد تصل مساحتها إلى 586412 ميلاً مربعاً (1518800 كيلومتر مربع) مقابل مبلغ 7.2 مليون دولار (يعادل الآن 152 مليون دولار) أو 0.42 دولار للفدان.

ويعود ذلك إلى أن ألاسكا اليوم واحدة من أغنى الولايات الأميركية بفضل وفرة الموارد الطبيعية، مثل النفط والذهب والأسماك، فضلاً عن مساحاتها الشاسعة من البرية البكر وموقعها الاستراتيجي كنافذة على روسيا وبوابة إلى القطب الشمالي.

ومن حيث الثروة فقط، اكتسبت الولايات المتحدة نحو 370 مليون فدان من المناطق البرية البكر التي تعادل ما يقارب ثلث مساحة الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك 220 مليون فدان أصبحت الآن حدائق وملاجئ للحياة البرية، كما أنتجت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات من زيت الحيتان والفراء والنحاس والذهب والأخشاب والأسماك والبلاتين والزنك والرصاص والبترول في ألاسكا على مر السنين، ولا يزال من المحتمل أن تمتلك ألاسكا مليارات البراميل من احتياطات النفط.

ومن الناحية الاستراتيجية والعسكرية، تعد ألاسكا جزءاً منفصلاً عن الولايات المتحدة وتبعد، عن روسيا نحو 53 ميلاً فقط، ويفصلها مياه مضيق بيرينغ، ولهذا تعد الولاية جزءاً أساسياً من نظام الدفاع الأميركي، حيث توجد قواعد جوية عسكرية في مدينتي أنكوراج وفيربانكس، وهي الرابط الوحيد للبلاد بالقطب الشمالي، كما تعد هذه الأرض المعزولة موطناً لرؤوس حربية نووية للهجوم والدفاع ضد روسيا.

ويشير خبراء أمنيون إلى أن مضيق بيرينغ يشكل ممراً بحرياً ناشئاً، ما يجعله حيوياً بصورة متزايدة للمصالح الاقتصادية والأمنية القومية للولايات المتحدة، إذ تنبأت البحرية الأميركية بآثار مضيق بيرينغ في عام 2013 عندما نشرت خريطة طريق البحرية الأميركية للقطب الشمالي للفترة من 2014-2030، معلنة أن طريق مضيق بيرينغ، سيصبح ذا أهمية متزايدة للتجارة البحرية بين أوروبا وآسيا، حيث سيتعين على جميع حركة المرور البحرية الصينية التي تستخدم طريق بحر الشمال الروسي عبور مضيق بيرينغ للسفر بين ميناء داليان الصيني وميناء روتردام بهولندا.

كيف وصل الروس إلى ألاسكا؟

كان بيع ألاسكا من روسيا إلى الولايات المتحدة عام 1867 بمثابة نقطة تحول في التاريخ غيرت الوضع الجيوسياسي في أميركا الشمالية بصورة دائمة، فقد تأثرت الصفقة المعقدة، المعروفة باسم شراء ألاسكا، بعدة عوامل جيوسياسية ومالية ودبلوماسية مثيرة للاهتمام أدت في النهاية إلى قرار روسيا بالتنازل عن هذه المنطقة الهائلة.

في القرن الـ16 كانت روسيا تمثل جزءاً صغيراً من حجمها الحالي، لكن ذلك بدأ يتغير عام 1581 حينما ظهرت الرغبة في الحصول على أراضٍ جديدة، حيث اجتاحت روسيا منطقة سيبيرية تعرف باسم خانيه سيبير كان يسيطر عليها حفيد جنكيز خان، وأدى هذا النصر الرئيس إلى فتح سيبيريا، وفي غضون 60 سنة كان الروس قد وصلوا إلى المحيط الهادئ.

كان التقدم الروسي عبر سيبيريا مدفوعاً بتجارة الفراء المربحة، والرغبة في توسيع العقيدة المسيحية الأرثوذكسية الروسية لتشمل السكان الوثنيين في الشرق وإضافة مزيد من دافعي الضرائب والموارد إلى الإمبراطورية الروسية الآخذة في الاتساع، وفي أوائل القرن الـ18، أراد بطرس الأكبر الذي أنشأ أول بحرية روسية، أن يعرف إلى أي مدى تمتد مساحة اليابسة الآسيوية إلى الشرق، فأمر بانطلاق عمليتين استكشافيتين وفي عام 1741، نجح فيتوس بيرينغ في عبور المضيق الذي يحمل اسمه الآن ليصل إلى ألاسكا.

وعلى رغم أن الرحلة الثانية التي قام بها بيرينغ جلبت كارثة له شخصياً عندما أدى الطقس السيئ في رحلة العودة لغرق سفينته ووفاته بسبب مرض الإسقربوط في ديسمبر (كانون الأول) 1741، فإنها كانت نجاحاً لا يصدق لروسيا، حيث أصلح الطاقم الناجي السفينة، وملأها بمئات من ثعالب البحر وفقمة الفراء التي كانت متوفرة بكثرة هناك وعادوا لسيبيريا، مما أثار إعجاب صيادي الفراء الروس بحمولتهم القيمة، وأدى هذا إلى حدوث شيء يشبه الحمى التي دفعت المئات من الصيادين إلى التوجه نحو ألاسكا للاستفادة من ثرواتها البحرية.

ظهور التحديات

واجه الروس في ألاسكا الذين لم يتجاوز عددهم 800 شخص حقيقة كونهم على بعد مسافة تصل إلى نصف الكرة الأرضية وصولاً إلى سان بطرسبورغ، عاصمة الإمبراطورية آنذاك، مما جعل الاتصالات مشكلة خطرة، كما أن ألاسكا كانت بعيدة جداً إلى الشمال بحيث لا تسمح بمساحة كبيرة للزراعة، من ثم فهي غير ملائمة كمكان لإرسال أعداد كبيرة من المستوطنين، لذلك بدأوا في استكشاف الأراضي الواقعة في أقصى الجنوب، وبحثوا في البداية عن الأشخاص الذين يتاجرون معهم حتى يتمكنوا من استيراد الأطعمة التي لا يمكن زراعتها في مناخ ألاسكا القاسي، ومن ثم أرسلوا السفن إلى ما يعرف الآن بكاليفورنيا، وأقاموا علاقات تجارية مع الإسبان هناك وأقاموا في نهاية المطاف مستوطنتهم الخاصة في فورت روس عام 1812.

ولكن بعد مرور 30 سنة، فشلت الشركة الروسية الأميركية التي أنشئت للتعامل مع الاستكشافات الروسية في أميركا، وعانت أزمات مالية وتم بيع ما تبقى منها، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الروس يتساءلون بجدية عما إذا كان بإمكانهم الاستمرار في مستعمرتهم في ألاسكا أيضاً حيث لم تعد المستعمرة مربحة بعد القضاء على أعداد غفيرة من ثعالب البحر، وكانت هناك حقيقة أخرى مفادها أنه كان من الصعب الدفاع عن ألاسكا، وأن روسيا كانت تعاني نقص الأموال بسبب كلف الحرب في شبه جزيرة القرم ضد فرنسا وبريطانيا العظمى، ومن هنا تولدت فكرة بيع ألاسكا وكان الدوق الأكبر كونستانتين نيكولاييفيتش، الأخ الأصغر للإمبراطور الروسي ألكسندر الثاني هو القوة الدافعة الرئيسة للبيع في روسيا.

كيف اشترى الأميركيون ألاسكا؟

من الواضح أن الروس كانوا على استعداد للبيع، في وقت كانت لدى الأميركيين المتوسعين غربيا وجنوباً الرغبة في الشراء، فخلال أربعينيات القرن الـ19، وسعت الولايات المتحدة أراضيها لتشمل ولاية أوريغون، وضمت تكساس، وخاضت حرباً مع المكسيك واستحوذت على كاليفورنيا.

بعد ذلك، كتب وزير الخارجية الأميركي وليام سيوارد في مارس (آذار) 1848 عن أفكاره حول التوسع باتجاه القطب الشمالي، وفي رؤيته لمستقبل الولايات المتحدة، كان ينظر إلى ألاسكا على أنها إضافة حيوية لأراضي البلاد، كي تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، وبعد 20 سنة حقق هدفه.

كانت دوافع الأميركيين تتمثل في تصوراتهم عن إمكانية وجود للذهب والفراء ومصايد الأسماك في ألاسكا، فضلاً عن مزيد من فرص التجارة مع الصين واليابان، كما كان الأميركيون يشعرون بالقلق من أن إنجلترا قد تحاول تأسيس وجود لها في المنطقة، وكان من المعتقد أن الاستحواذ على ألاسكا سيساعد الولايات المتحدة على أن تصبح قوة في المحيط الهادئ، وبصورة عامة، كانت الحكومة الأميركية في وضع توسعي تدعمه فكرة “المصير الواضح” التي كانت شائعة آنذاك، وبعد مفاوضات طويلة توصل إلى صفقة ذات أبعاد جيوسياسية، وبدا أن الأميركيين حصلوا على صفقة جيدة مقابل 7.2 مليون دولار.

كانت غالبية ردود الفعل الأميركية على الاستحواذ مواتية لأن كثيراً من الناس اعتقدوا أن امتلاك ألاسكا سيكون بمثابة قاعدة لزيادة التجارة الأميركية مع آسيا، لكن بعض المعارضين أطلقوا على عملية الاستحواذ اسم “حماقة سيوارد” أو “صندوق سيوارد الجليدي” على اعتبرا رؤيتهم بأن الولايات المتحدة اشترت أراضي لا قيمة لها.

وعندما تولى الأميركيون السلطة في ألاسكا، كانت الولايات المتحدة لا تزال منخرطة في حروبها مع السكان الأصليين من الهنود الحمر، لذا نظروا إلى ألاسكا وسكانها الأصليين باعتبارهم أعداء محتملين، وتم حرمانهم من الجنسية الأميركية حتى عام 1924، عندما تم إقرار قانون الجنسية للهنود الحمر.

ولم يسمح قانون إعادة التنظيم الهندي بتشكيل حكومات قبلية إلا في عام 1936، وبعد تسع سنوات فقط تم حظر التمييز العلني بموجب قانون مكافحة التمييز في ألاسكا لعام 1945، أصبحت ألاسكا ولاية في عام 1959، عندما وقع الرئيس دوايت أيزنهاور على قانون ولاية ألاسكا، الذي خصص لها 104 ملايين فدان من الأراضي.

ويبلغ عدد سكان ألاسكا اليوم 740000 نسمة، منهم 120000 من السكان الأصليين، ولا يبدو أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة في أي وقت لمجرد التفكير في التفاوض مع روسيا حول ألاسكا التي حسم أمرها رسمياً قبل أكثر من قرن ونصف، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من أراضي الولايات المتحدة الأميركية.