حرب “شرائح” طرفاها الصين والولايات المتحدة

حرب “شرائح” طرفاها الصين والولايات المتحدة

فجأة هيمن الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات، لتحتل صناعة شرائح الذاكرة التي تسيطر عليها تايوان وكوريا وتسللت إليها الصين مؤخرا، أهمية كبيرة فتحت أعين الأميركيين الذين أشهروا قانون “الشريحة” في إشارة إلى خطورة الوضع.. ولكن، هل يكفي هذا لاستعادة المكانة المفقودة؟

ماذا لو نجحت الصين في صنع قطع “الليغو”؟ سؤال طرحته على هذه الصحيفة منذ خمس سنوات. قطع الليغو في التساؤل المطروح هي صناعة أشباه الموصلات التي تعتبر حجر الزاوية في الصناعات الرقمية والهواتف الذكية وتطوير أنظمة التشغيل، وزادت أهميتها منذ اللحظة التي أعلنت فيها شركة أوبن إيه آي عن تطوير نظام روبوت الدردشة تشات جي بي تي، وهيمنة الذكاء الاصطناعي على جميع القطاعات.

تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتطويرها يحتاجان إلى كميات هائلة من البيانات، وهذا يتطلب ذاكرة عالية السرعة وقدرة تخزينية كبيرة في شرائح الذاكرة وأشباه الموصلات.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تستمر الشركات في تعزيز استثماراتها في هذه التقنيات لتطوير نماذج أكثر تعقيدًا وفعالية وهذا يشمل تحسين الخوارزميات، وزيادة قدرات الحوسبة، وتوسيع البنية التحتية للذاكرة.

فجأة أصبح التحدي، الذي كان بالإمكان تأجيله، ضرورة لا يمكن التغافل عنها إن أرادت أي دولة حجز مقعد لها بين الكبار.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي افتتح عهدته الرئاسية عام 2017 بالضغط على الصين اقتصاديا، عملا بنصيحة الخبراء المختصين، على رأسهم غابرييل تشو رئيس مجموعة آسيا لإحصاءات التجارة العالمية لأشباه الموصلات، الذي أكد حينها أن الصين في وضعها الحالي “تشبه شخصا قادرا على صنع تصميمات رائعة من قطع الليغو، لكنه لا يعرف كيف يصنع قطع الليغو نفسها”.

في ذلك الوقت كانت الصين قد نجحت في الهيمنة على أسواق الهواتف المحمولة، وكانت تستورد أشباه الموصلات، التي تتطلب مهارات علمية لا تمتلكها، خاصة في ظل القيود التي فرضتها الولايات المتحدة ودول أخرى على تصدير التكنولوجيا المتقدمة للشرائح إليها، وردًا على ذلك، بدأت الصين في حظر تصدير مادتي الغاليوم والجرمانيوم اللتين تستورد الولايات المتحدة 57 في المئة من حاجتها منهما من الصين، والمادتان مكونان رئيسيان في تصنيع أشباه الموصلات.

اليوم هناك ضرورة لتغيير القول الشهير الذي أسند إلى أكثر من قائد دولة، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “من يمتلك البيانات يمتلك العالم”، ليصبح “من يمتلك تكنولوجيا الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصلات يمتلك العالم”.

في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكفي أن تمتلك البيانات، يجب أن تمتلك القوة الكافية لتحليل هذه البيانات والاستفادة منها.

الحجج التي ساقها ترامب لفرض حصار على العملاق الصيني للهواتف المحمولة هواوي، وكان قد أزاح حينها أبل من موقعها واحتل المركز الثاني بعد العملاق الكوري الجنوبي سامسونغ، هي اتهامات أمنية.

اتهمت الولايات المتحدة هواوي بأن لها علاقات مع الجيش الصيني، وتخشى أن يؤدي تركيب الشركة شبكات اتصالات في جميع أنحاء العالم إلى تعريض البيانات الحساسة للخطر.

هذه المخاوف تذكرنا بمخاوف مشابهة كانت قد أثيرت في بداية الحرب الباردة الأولى تتعلق بالتكنولوجيا النووية، هناك اليوم تسع دول تمتلك أسلحة نووية، رغم ذلك لا يبدو أن هناك مخاوف حقيقية جراء ذلك على الأمن القومي الأميركي.

وكما كانت الحرب الباردة اقتصادية بواجهة أمنية، الحرب الباردة التي بدأها ترامب بإعلانه الحصار الاقتصادي على الصين واستمر بها الرئيس الحالي جو بايدن، اقتصادية تتخفى وراء واجهة أمنية أيضا.

وتواجه الصين التي تعتبر حاليًا أكبر مستهلك لأشباه الموصلات في العالم تحديات في إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة بسبب القيود التكنولوجية والتجارية المفروضة عليها.

بعد سبع سنوات لا نعلم بالضبط أين وصلت الصين في عملية تصنيع الشرائح وأشباه الموصلات، ولكن ما نعرفه أن بكين أطلقت صندوق تمويل لتطوير صناعة الشرائح المتقدمة، وتسعى لتطوير قدراتها الذاتية في هذا المجال وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، وهي في طريقها لبناء 31 مصنعا جديدا للرقائق قبل انتهاء عام 2024، ردا على قانون أصدرته الولايات المتحدة يعرف باسم قانون “الشريحة الأميركي”.

ويجري الرئيس بايدن حاليا محادثات لمنح شركة إنتل الأميركية العملاقة المتخصصة في تصميم وإنتاج المعالجات والشرائح الإلكترونية، دعما بنحو 10 مليارات دولار.

ووفقا لما نشرته وكالة بلومبرغ، فإن حزمة الحوافز المقدمة لإنتل ستكون الأكبر حتى الآن في إطار خطة إدارة بايدن، لإعادة توطين صناعة أشباه الموصلات في الأراضي الأميركية مرة أخرى.

ومن المقرر أن تأتي الحوافز وفقا لقانون “الشريحة الأميركي” الصادر عام 2022، لتمكين شركات تصنيع أشباه الموصلات الكبرى في العالم من تصنيع الرقائق في الولايات المتحدة بعد عقود من الإنتاج في خارج أميركا.

ومنذ تولى بايدن منصبه، بلغت استثمارات شركات الرقائق نحو 230 مليار دولار في الولايات المتحدة، وهناك حديث يجري عن عزم الإدارة الأميركية إنشاء مجموعتين صناعيتين رائدتين على الأقل بحلول عام 2030.

الإعلانات التي كانت تسوق أجهزة الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية طالما استخدمت عبارة “إنتل إنسايد”. حينها كانت إنتل تهيمن على صناعة الرقائق، ولكنها سرعان ما خسرت هيمنتها هذه لمنافسين آسيويين، شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات وشركة سامسونغ للإلكترونيات، اللتين أعلنتا عن البدء في بناء مواقع أميركية في أريزونا وتكساس.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة إنتل، بات غيلسنجر، على رأس المطالبين بضرورة تقديم الحكومة الأميركية دعما للقطاع، وقالت الشركة إن خططها مشروطة بهذا التمويل.

وإذا كانت الولايات المتحدة قلقة من الصين، فإنها قلقة أيضا من منافسين آسيويين في تايوان وكوريا الجنوبية، بنفس القدر وإن لم تعلن عن ذلك صراحة.

ولمعرفة مدى أهمية الموضوع يجب أن ندرك أن الطلب على الرقائق لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، فهناك طلب متزايد عليها في صناعة السيارات.

الحكومة الصينية التي أدركت أهمية التحول الجديد جعلت من تطوير التكنولوجيا، وهذا يشمل الأتمتة والذكاء الاصطناعي والهاتف المحمول، أولوية قصوى.

وهذا ما تظهره التقارير، كما يقول دانيال كاسترو مدير مركز ابتكار البيانات التابع لمؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، الذي نبه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 2021 إلى ضرورة “الانتباه إلى ما تفعله الصين والتفاعل معه، لأن الدول التي تقود التطوير التكنولوجي ستصوغ مستقبلها وتحسن قدرتها التنافسية الاقتصادية بشكل كبير، في حين أن الدول التي تتخلف عن الركب تجازف بفقدان قدرتها التنافسية في الصناعات الرئيسية”.

31 مصنعا جديدا للرقائق تبنيها الصين قبل نهاية عام 2024 ردا على قانون “الشريحة” الأميركي

فهل تسمح الولايات المتحدة للصين بتولّي القيادة الاقتصادية العالمية والسيطرة على التكنولوجيا الذكية وصناعة أشباه الموصلات؟

متابعة ما يحدث داخل مجلس الشيوخ الأميركي تؤكد أن الولايات المتحدة ستعمل جاهدة لإبقاء القيادة محصورة بيديها، فرغم الانقسام الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين، أقرّ المجلس قانون الابتكار والمنافسة، وخصص لذلك حزمة بقيمة ربع تريليون دولار تهدف إلى مواجهة طموحات الصين التكنولوجية، وبهدف جعل الولايات المتحدة أكثر قدرة على التنافس مع التنين الصيني، بعدما تبيّن خلال الفترة الأخيرة أن قطاع التكنولوجيا الأميركي، بما في ذلك صناعة أشباه الموصلات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، تأخر كثيرا عن بكين، وأصبح من اللازم ضخ أموال حكومية ضخمة في البحث والتطوير.

وللفوز بالسباق لا يكفي ضخ الأموال، بل يجب العمل على إعاقة التطور التكنولوجي في الصين أيضا، وهي الخطوة التي اتخذتها الإدارة الأميركية عندما أعلنت في أكتوبر 2022 عن مراجعات جذرية لضوابط التصدير على تكنولوجيا أشباه الموصلات، بهدف حرمان الصين من الحصول على الرقائق المتطورة والتكنولوجيا ومعدات التصنيع والمعرفة.

وتم تشديد هذه القيود بشكل كبير بعد عام واحد، حيث أنهت وزارة التجارة قواعدها المقترحة لمراقبة الصادرات الأميركية. أتت هذه القيود في أعقاب حظر فرضته إدارة الرئيس ترامب عام 2019 على تسليم الشركات الأميركية للسلع والخدمات إلى شركة هواوي الصينية لصناعة معدات الاتصالات دون تراخيص تصدير، ممّا أدى فعليا إلى قطع وصول هواوي إلى أشباه الموصلات الأميركية الرئيسية.

إضافة إلى ذلك، وقّع الرئيس بايدن في 9 أغسطس 2023 أمرا تنفيذيا لإنشاء آلية لتقييد الاستثمار الخارجي في قطاعات أشباه الموصلات والمعلومات الكمومية والذكاء الاصطناعي في “البلدان المثيرة للقلق”، وهي تسمية تشمل الصين.

رغم ذلك اعتبر الخبراء أن القرار الأميركي جاء متأخرا جدا، فالصين هي الأخرى تنفق بسخاء كبير على التكنولوجيا.

الزمن وحده سيكشف ماذا يجري خلف سور الصين العظيم وماذا تخبئ بكين من مفاجآت يتحدد بعدها من هو الفائز.

العرب