غموض يرافق أسعار النفط بعد التصعيد بين إيران وإسرائيل

غموض يرافق أسعار النفط بعد التصعيد بين إيران وإسرائيل

المواجهة المحدودة بين إيران وإسرائيل تخلق قناعة بأن التصعيد سيكون عنوان المرحلة القادمة، ما سيؤثر بشكل مباشر على أسعار النفط، لكن ليس إلى حد كبير. كما يظل للعوامل الاقتصادية التقليدية تأثيرها في حركة الأسعار.

واشنطن – تجعل “الحقائق” المتغيرة في الشرق الأوسط آفاق أسعار النفط أكثر غموضا. ويتجسد ذلك في اختلاف التوقعات بين محللي السوق. وعزز التصعيد والتوترات بين إيران وإسرائيل المخاطر أكثر. وجاء في مقال نشرته الإيكونوميست في 19 أبريل 2024 “حتى لو انتهت هذه الجولة… قد لا يتمكن كلا البلدين من العودة إلى القتال في الظل”.

ويبلغ سعر خام برنت حاليا 87.46 دولار للبرميل، أي أنه ارتفع بدولار واحد أو نحو ذلك مما كان عليه في 25 مارس. لكن ثلاثة “حقائق” على الأقل من التي تؤثر على السعر تغيرت منذ ذلك الحين. وربّما لم يكن التغيير كافيا لتحريك السعر بشكل كبير أو حتى لخلق إجماع حول توقعات خام برنت خلال بقيّة السنة.

ويكمن العامل الأول والأهم في التحوّل الذي شهدته العلاقات بين إيران وإسرائيل. وكما ورد في مقال الإيكونوميست المشار إليه أعلاه “بعد عقود من الحرب السرية، تبادلت أقوى قوتين في الشرق الأوسط الآن الضربات على أراضي بعضهما البعض. وتعدّ هذه سابقة سيئة”.

وستتاح للإسرائيليين عاجلا أم آجلا فرصة أخرى لمحاولة اغتيال كبار أعضاء الحرس الثوري الإيراني. وإذا اغتنموا هذه الفرصة، فستضطر إيران إلى أن تضاهي الضربة السابقة التي أشارت إليها مجلة الإيكونوميست أو تتجاوزها. كما يجب النظر في ما إذا كانت إسرائيل ستتعرض لضغوط كبيرة من واشنطن لممارسة ضبط النفس مثلما حدث خلال الفترة الماضية إذا فاز دونالد ترامب بالانتخابات.

وكتبت ليز دوسيت، مراسلة بي بي سي، في 19 أبريل “مهما كانت تفاصيل هذا الانتقام الأخير، تكمن الأولوية الأكثر جوهرية لكلا الجانبين في الردع لضمان عدم تكرر الضربات على أراضيهما مرة أخرى. إذا حدث ذلك، فيجب دفع الثمن المؤلم”.

وقد يكون بن كاسبيت من المونيتور محقا في مقاله الأسبوع الماضي الذي خلص إلى حدوث “التعادل”. لكنني لا أتفق معه في أن “… ميزان الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل أصبح يميل لصالح إيران”. ومن المؤكد أن إيران قد تعلمت الكثير عن الدفاعات الجوية الإسرائيلية التي ستغذي أيّ ضربة مستقبلية لصالحها. لكن دوسيت محقة أيضا في أن “… عملية محدودة حملت تحذيرا قويا بأن لإسرائيل المعلومات الاستخباراتية والأصول لضرب قلب إيران النابض متى شاءت”.

يُذكر أن القلب النابض الذي تشير إليه هو أصفهان حيث يوجد مركز التكنولوجيا النووية الإيراني والقاعدة الجوية المستخدمة في هجوم 14 أبريل ومصانع الذخائر التي تنتج الطائرات دون طيار والصواريخ الباليستية. باختصار، في حين كانت الأسواق محقة في أخذ أحداث الفترة الماضية في الاعتبار، فمن المؤكد أن هناك أسبابا وجيهة لتوخي الحذر بشأن تأثير الردع النسبي وقدر كبير من القلق في ظلّ ظروف مماثلة في المستقبل.

◙ المخاطر على أسعار النفط تميل إلى الاتجاه التصاعدي بسبب احتمال استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع حدتها

ويقول الكاتب أليستر نيوتن في تقرير لموقع عرب دايجست “ما زلت أعتقد أن أيّ محاولة إيرانية جادة لإغلاق مضيق هرمز تبقى أمرا غير مرجّح في جميع الظروف باستثناء تلك الأكثر تطرفا”.

ووفقا لمقال مالكولم مور ونجمة بوزورجمهر على فاينانشيال تايمز في 18 أبريل، تصدر إيران اليوم 1.56 مليون برميل من النفط يوميا (أي أكثر من أي فترة منذ 2018)، وتربح 35 مليار دولار سنويا. ويمكن أن يعتمد بقاء النظام على هذا التدفق الذي يستغل المضيق. وبينما يدرس الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة، فإن الإيرانيين محظوظون لأن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تحتاج إلى استمرارية التدفق نظرا لحساسية الولايات المتحدة الانتخابية لسعر البنزين.

ويبدو الهجوم البري الإسرائيلي على رفح الآن أمرا لا مفر منه مما يزيد من تأجيج التوترات في المنطقة. ومن غير المنطقي أن يتردد بنيامين نتنياهو في ذلك بعد أن قاوم ضغوط المتشددين في الحكومة لضرب إيران بقوة أكبر. وستسعى طهران لجعل حزب الله يخفّف من ردوده. لكن يوجد احتمال لا يستهان به بأن هؤلاء المتشددين أنفسهم سيضغطون على رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الوقت المناسب، لمحاولة تحييد أهم مصدر للردع الإيراني مرة واحدة وإلى الأبد.

وعلى الرغم من أن الغزو البري الكبير للبنان (الذي يعتقد الخبراء أنه غير مرجّح) لن يحقق أيّ تأثير مباشر على إمدادات النفط، إلا أن التحول في معنويات السوق نتيجة لتصعيد ملحوظ على جبهة إسرائيل الشمالية يمكن أن يتسبب في ارتفاع مستمر في الأسعار. ولا تزال العوامل الاقتصادية العالمية تلعب دورا في أسعار النفط. وشهدنا هذا الشهر بالفعل خبرين مهمين.

الأول أن تضخم أسعار المستهلكين لشهر مارس في الولايات المتحدة كان أعلى من المتوقع. وبلغ 3.5 في المئة (ويرجع ذلك جزئيا إلى ارتفاع أسعار البنزين). وأشار هذا للبنك الاحتياطي الفيدرالي بأن أسعار الفائدة ستبقى “أعلى لفترة أطول” وأن الأسواق تميل الآن نحو خفض سعر الفائدة مرة واحدة فقط هذا العام. ومن المتوقع أن يؤثر ارتفاع معدلات الرهن العقاري ضمن الإنفاق الاستهلاكي سلبا على الطلب على النفط، خاصة خلال موسم القيادة، حتى مع دفع الدولار القوي السعر إلى الانخفاض.

أما الثاني فقد أعلنت الصين في 15 أبريل أن اقتصادها قد توسع بنسبة 5.3 في المئة (سنويا) في 2024 خلال الربع الأول. وهذا ما يدعم الزيادة المعتدلة في الطلب على النفط التي تتوقعها وكالة الطاقة الدولية. لكن معنويات المستهلكين في الصين لا تزال ضعيفة، مما يؤكد اعتماد آفاق النمو الكبير على التصدير. ويهدد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باتخاذ تدابير تجارية جديدة لمواجهة الصادرات الصينية “الرخيصة”، مما يثير التساؤل عن استدامة معدل نمو الصين في الربع الأول.

أين يترك هذا المتنبئين؟ كتبت أماندا تشو لصحيفة فايننشال تايمز في 18 أبريل ملخصا لمجموعة وجهات النظر. وتتوقع مجموعة أوراسيا متوسط سعر لخام برنت يبلغ 90 دولارا للبرميل في هذا الربع. ويصر بنك “إتش إس بي سي” البريطاني على متوسط 82.50 دولار للبرميل حتى 2024، مما يعني سعرا أقل من 80 دولارا لجزء من السنة على الأقل.

وفي خضم حالة الغموض التي نشهدها، يقول أليستر نيوتن “لا أرى أيّ أسباب حتى الآن لمراجعة توقعاتي لنهاية العام البالغة 70 دولارا للبرميل على الرغم من تغيّر ‘الحقائق’. لكنني أعترف بأن المخاطر تميل إلى الاتجاه التصاعدي بسبب احتمال استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع حدتها”.

العرب