ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي يتحدى الاضطرابات

ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي يتحدى الاضطرابات

واشنطن – في الوقت الذي يشهد فيه العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، يأتي التفاعل المعقد للتجارة والسياسة والطموحات الإستراتيجية عبر الهند والشرق الأوسط والاقتصادات الأوروبية ليحتل مركزا رئيسيا في هذه التحولات.

وفي قلب هذا التحول يأتي مشروع ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي المعروف اختصارا “آي.إم.إي.سي” وهو مبادرة اقتصادية شجاعة تربط اقتصاد الهند الحيوي بالشرق الأوسط الغني بالموارد الطبيعية ودول أوروبا التي تمتلك التكنولوجيا المعقدة.

ويرى كل من كاوش أرها رئيس منتدى الهندي الباسيفيكي الحر والمفتوح والزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، وكارلوس روا الزميل الزائر في معهد الدانوب والزميل المشارك في معهد السلام والدبلوماسية في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأميركية أن إقامة هذا الممر، من خلال شبكة المسارات التجارية وتنمية البنية التحتية والروابط الرقمية في نطاق حر ومفتوح سيؤدي إلى تحول هذه المناطق وتوفير فرص جديدة للتعاون والرخاء المشتركيْن.

الصراع في غزة وتبادل القصف بين إسرائيل وإيران يمثل عقبة مؤقتة وليس حاجزا لا يمكن تجاوزه أمام زيادة التقارب بين اقتصادات الهند ودول الشرق الأوسط وأوروبا

وفي قمة مجموعة العشرين التي استضافتها العاصمة الهندية نيودلهي في سبتمبر 2023 وقعت الهند والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم لإنشاء “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي” الذي يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل.

يمثل هذا المشروع مبادرة متعددة الأطراف جيدة للغاية بفضل تنوع الدول المشاركة فيه وتركيزه على تحقيق مصالح كل أطرافه دون أن تكون هناك دولة واحدة مسيطرة عليه. كما أن كل الدول الأعضاء فيه تمتلك قدرات مالية كبيرة تتيح المضي قدما في مشروعاته دون الحاجة إلى أي استثمارات من خارجها، عكس الحال في مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تشمل العديد من الدول لكنها تعتمد تماما على الاستثمارات الصينية وتخضع بصورة كبيرة لرؤية بكين.

وبالطبع لا يخلو طريق هذا المشروع من العقبات والمشكلات. فقد جاءت هجمات الفصائل الفلسطينية المسلحة على المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية فيما يعرف بغلاف غزة يوم 7 أكتوبر الماضي وما تلاها من الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس في قطاع غزة لكي تعرقل محاولات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ومن قبله عرقلت ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا الاقتصادي.

ويرى المحللان أرها وروا أنه رغم الحرب في غزة وتبادل الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل وغيرهما من التحديات، تتمسك الهند ودول الخليج العربي بهذا المشروع باعتباره وسيلة لتعزيز مصالحها القومية. والعقل والمصلحة يفرضان على الولايات المتحدة وأوروبا التجاوب مع حماس الهند والدول الخليجية. فهذا الممر الاقتصادي الدولي عُرْقِل مؤقتا لكنه لم يخرج عن مساره بأي حال من الأحوال، والرياح الاقتصادية والسياسية المواتية له مازالت قوية وستزداد قوة.

ممر في ممرين
تم الإعلان عن الممر في 10 سبتمبر 2023 خلال قمة مجموعة العشرين، يهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية من خلال تحسين الاتصال والتكامل الاقتصادييْن بين آسيا والخليج العربي وأوروبا، ويتكون من ممرين:

1 الممر الشرقي: يربط الهند بدول الخليج العربي، ويبدأ من ميناء موندرا الهندي على الساحل الغربي إلى ميناء الفجيرة، ثم يستخدم خط السكة الحديد عبر السعودية والأردن لنقل البضائع إلى ميناء حيفا.
2 الممر الغربي: يربط ميناء حيفا بموانئ مختلفة في أوروبا مثل مرسيليا في فرنسا وموانئ أخرى في إيطاليا واليونان.
ويمكن القول إن لكل طرف من أطراف مبادرة الممر الاقتصادي دوافعه للمضي قدما فيه. فالهند التي تسعى لأن تكون أسرع اقتصادات مجموعة العشرين نموا خلال العقد الحالي وأن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم بنهاية العقد متفوقة على كل من ألمانيا واليابان ودول الخليج التي حققت مكاسب هائلة من ارتفاع أسعار الطاقة بعد غزو روسيا لأوكرانيا، ورغبة هذه الدول في تنويع مصادر اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على عائدات النفط والغاز الطبيعي. في الوقت نفسه ترى الولايات المتحدة وأوروبا في دعم نمو الهند ودول الخليج وسيلة لتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل إمداد الكثير من الصناعات.

في الوقت نفسه وفي ضوء تباعد المسافات الفاصلة بين الدول الأعضاء، سيكون اقتصار ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا على ممر وحيد، نوعا من محدودية التفكير وقصر النظر. فكما رأينا اختنق طريق التجارة الرئيسي بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس بسبب إغلاق جماعة الحوثي اليمنية لمضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر بسبب الحرب في غزة. كما أن هذا الطريق الرئيسي التقليدي سيعاني من الاختناق في المستقبل مع ازدهار حركة التجارة العالمية.

لذلك بدأت دول عديدة تطوير طرق تجارية بديلة. فالسعودية على سبيل المثال تطور شبكة طرق وسكك حديدية داخلية كبيرة حتى تتمكن من الربط البري بين شبه الجزيرة العربية وموانئ البحر المتوسط. كما تقترح تركيا طرق عبور برية إضافية إلى أوروبا عبر العراق والأناضول. باختصار فإن مزيجا من قوى السوق والمصالح الإستراتيجية الوطنية ستحدد مستقبل الطرق التجارية القائمة والمقترحة، وهذا قد يؤدي إلى ظهور طرق وممرات جديدة لم يكن أحد يتصورها.

ويمكن القول إن ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي، في السياق الجيوسياسي الحالي، يمثل نقطة تحول لربط اقتصادات منطقة المحيطين الهندي والهادئ واقتصادات البحر المتوسط والمحيط الأطلسي معا وتعزيز الأمن الاقتصادي لكل أطرافه. وبالنسبة للهند ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى يوفر الممر أفضل رد واعد لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وبالنسبة لدول الخليج فإنه يعزز النفوذ الذي تتمتع به في علاقاتها التجارية مع كل من مجموعة الدول السبع زائد الهند وكذلك الصين.

كما يمكن أن يمثل الممر فرصة مستقبلية لدمج اقتصادات دول شرق أفريقيا الغنية بالموارد الطبيعية مثل كينيا وموزامبيق وتنزانيا بكل من الهند وأوروبا. كما أن هذا الممر أو أحد امتداداته يتيح فرصة مماثلة لربط دول آسيا الوسطى الحبيسة بدائرة التجارة الهندية الأوروبية من خلال بحر قزوين والبحر الأسود.

في الوقت نفسه فإن الصراع في غزة وتبادل القصف بين إسرائيل وإيران يمثل عقبة مؤقتة وليس حاجزا لا يمكن تجاوزه أمام زيادة التقارب بين اقتصادات الهند ودول الشرق الأوسط وأوروبا.

أخيرا يمكن القول إن قوة الاتجاهات الجيوسياسية والاقتصادية الدافعة لممر الهند والشرق الأوسط أوروبا الاقتصادي قوية بما يكفي لتجاوز هذه الأيام السوداء للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني والقصف الإيراني غير المسبوق لإسرائيل، تعتبر دليلا واضحا على مدى رغبة الدول والأطراف المختلفة في نجاح هذا المشروع على المدى الطويل.
العرب