تهدئة تركية في التعامل مع صحافي مسجون في السعودية

تهدئة تركية في التعامل مع صحافي مسجون في السعودية

انتشرت الشكوك والتكهنات بشأن اعتقال صحافي تركي والإفراج عنه لاحقا في السعودية من خلال مصادر “مطلعة” غير رسمية، وعكست الحادثة توجهات وسائل الإعلام التركية المستندة إلى تعليمات السلطات بشأن العلاقات مع المملكة وحرصها على عدم التصعيد مجددا رغبة في الحفاظ على المصالح في عدة مجالات.

الرياض – أثارت حادثة اعتقال صحافي تركي في السعودية تساؤلات عديدة بشأن العلاقة بين البلدين بعد المصالحة وعودة العلاقات إلى طبيعتها، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد أيام قليلة، مع استمرار حالة الغموض بشأن أسباب توقيفه التي تقول بعض التقارير إنها على خلفية تصريحات قديمة للصحافي ضد المملكة، وذلك مع عدم وجود أي معلومات رسمية بهذا الصدد في حين أن كل ما ذكر لا يعدو أن يكون تكهنات واستنتاجات غير مؤكدة بسبب حرص سلطات البلدين على عدم إعادة التوتر القديم الذي تسبب بخسائر للطرفين.

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر دبلوماسي تركي الخميس قوله إنه تم إطلاق سراح صحافي تركي كان قد احتُجز في السعودية الأسبوع الماضي بسبب تعليقات أدلى بها وتخص مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في 2018.

وذكرت وكالة أنكا للأنباء ووسائل إعلام تركية أخرى، أنه تم القبض على الصحافي كورتولوش دميرباش الأسبوع الماضي في مدينة الطائف بالسعودية، وقد كان يغطي بطولة كأس اتحاد غرب آسيا لكرة القدم تحت 19 عاما، والتي أقيمت مباراتها النهائية في الخامس من يوليو الحالي حين توّج المنتخب السعودي بعد فوزه على المنتخب الإماراتي، قائلة إن الاعتقال بسبب ما قيل عن إدلائه بتصريحات حول مقتل خاشقجي.

حرص الإعلام التركي على الهدوء يشير إلى أن ما تم سابقا من حملات إعلامية ضد المملكة كان بأجندة سياسية

ولم يتبين ما الذي قاله دميرباش والوسيلة التي أدلى من خلالها بهذه التصريحات والمكان الذي كان فيه حينها. ونقلت وكالة أنكا عن زوجة الصحافي بنار دميرباش قولها إنه كان يفترض أن يعود إلى تركيا السبت الماضي، وإن المحادثة الأخيرة بينهما كانت الجمعة الماضي. ولفتت إلى أنها علمت باعتقاله من زملائه، وقدمت طلبا إلى وزارة الخارجية التركية حول المسألة.

وبينما لم يكشف عن الجهة التي يعمل الصحافي لصالحها، فإن الصور التي نشرتها وسائل إعلام تركية تظهر أنه يعمل على ما يبدو في الفريق الفني للنقل المباشر لدى شركة إنتاج.

وذكر المصدر أن وزارة الخارجية التركية تم إبلاغها بالأمر الاثنين الماضي٬ وطالبت على الفور السلطات السعودية بتقديم معلومات، وزار القنصل العام التركي في الرياض دميرباش في المنشأة التي كان محتجزا بها في الطائف. وقال المصدر “نتيجة لمبادراتنا، أُفرج عن مواطننا كورتولوش دميرباش من الزنزانة المسجون فيها في الطائف”، مضيفا أن القنصل العام كان يراقب المسألة عن كثب ويبلغ أسرة دميرباش بالمستجدات بانتظام.

ويبدو واضحا في هذه الحادثة عدم رغبة الإعلام التركي في إعطاء الحادثة ضجة صحافية، والتعتيم عليها حرصا على العلاقات بين البلدين، في منحى يعكس توجهات السلطات التركية التي سبق أن استغلت حوادث في المملكة لشن حملات إعلامية ضدها رغم أنها لم تكن تمسها.

ومن الملاحظ أن وسائل الإعلام التركية الرسمية لم تتطرق إلى حادثة اعتقال الصحافي ولم تلجأ إلى التصعيد أو انتقاد السعودية إذ إنها تبدي حرصا شديدا على تنفيذ تعليمات السلطات خصوصا في ما يتعلق بعلاقاتها مع الدول، وهي إشارة أخرى إلى أن ما تم سابقا من حملات إعلامية ضد المملكة خلال حادثة مقتل خاشقجي وغيرها من الأحداث كان بأجندة سياسية بحتة. وتضررت العلاقات بين السعودية وتركيا بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في 2018، وتوجيه أنقرة في ذلك الوقت اتهامات لكبار المسؤولين السعوديين، بتدبير عملية اغتياله.

وقد استثمرت تركيا حينها القضية سياسيا وإعلاميا وحولتها إلى حملة على مدار الساعة ولأسابيع ضد السعودية وقيادتها، مع أن أنقرة كانت تسعى من بوابة المملكة إلى بناء علاقات اقتصادية كبيرة وهو الأمر الذي أدركته لاحقا وعملت على إصلاح العلاقات المتردية منذ عام 2021. بعدما تراجعت عن اتهام السعودية بالضلوع في جريمة القتل في إطار حملة لإصلاح العلاقات بين أنقرة وخصومها من بينهم السعودية.

ونفت الحكومة السعودية أي ضلوع لولي العهد في الأمر وأكدت أن مقتل خاشقجي كان جريمة بشعة ارتكبتها جماعة مارقة. ولم تدل السلطات السعودية بأي تصريح بشأن اعتقال دميرباش، فيما كان مرجحا أن يتم إخلاء سبيله في أي لحظة، إذا لم يكن الصحافي متورطا في قضية تمس الأمن السعودي.

ويقول متابعون إن المملكة تولي أهمية كبيرة لسمعتها داخليا وخارجيا، بالإضافة إلى أنها تعتمد سياسة صفر مشاكل ولا يمكن أن تنجر لاستفزازات إعلامية لمجرد تصريحات، في وقت تحرص فيه أنقرة أيضا على علاقات جيدة مع الرياض بعد أن تكبدت خسائر كبيرة جراء التوتر في العلاقات بين البلدين امتدت إلى السياحة والدراما.

وخسرت تركيا سوقا مهمة بعد تفاقم الخلافات بين السعودية والإمارات وتركيا واتخاذ قرار في العام 2018 بمقاطعة البضائع التركية في السعودية والإمارات، وشملت المقاطعة الدراما التركية التي تعتبر الأكثر شعبية لدى الجمهور السعودي والعربي.

المملكة تولي أهمية كبيرة لسمعتها داخليا وخارجيا، بالإضافة إلى أنها تعتمد سياسة صفر مشاكل ولا يمكن أن تنجر لاستفزازات إعلامية لمجرد تصريحات

وقامت محطة “أم.بي.سي” بوقف عرض الأعمال التي كانت تعرض في ذلك الوقت على شاشتها، وكان يبلغ مجموعها ستة، واستعانت بالدراما الإسبانية والبرازيلية لتعوض غياب الدراما التركية التي كانت “أم.بي.سي” أوّل من أدخلها إلى المشاهد العربي.

وشهدت الدراما التركية عودة قوية إلى القنوات الخليجية بشكل عام والسعودية بشكل خاص، بعد توقفها في 2018، وتم عقد اتفاقية شراكة لخمس سنوات مع شركتي الإنتاج التركية الرائدة “ميديابيم”، وآي.يابيم” مع مجموعة “أم.بي.سي” تبث من خلالها المجموعة الإعلامية السعودية أعمال الشركتين بالتزامن مع وقت عرضها في تركيا. بالإضافة إلى اتفاقية لتشرف شركتا الإنتاج التركيتان على إنتاج مشاريع باللغة العربية لسوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقال حينها سام بارنيت، الرئيس التنفيذي لمجموعة “أم.بي.سي”، “من خلال انضمام شركتي الإنتاج التركيتين وتعاونهما مع مجموعة ‘أم.بي.سي’ لن يحصل الجمهور فقط على أول وصول إلى العروض التلفزيونية التركية القادمة، ولكننا سنركز أيضًا على تبادل الخبرات والمعرفة عبر إنتاج بعض الأعمال الدرامية والبرامج الأخرى باللغة العربية التي سيتم تصويرها في المملكة العربية السعودية وبقية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

وتحرص تركيا على استمرار تدفق الدراما إلى الشرق الأوسط لعدة اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، حيث اعتمد صناع الدراما التركية في أغلب أعمالهم على “عناصر الإبهار” في تنفيذ الأعمال، من حيث المناظر الطبيعية التي تُختار بعناية في مواقع التصوير، إضافة إلى الملابس العصرية والديكورات المتميزة، حيث أنعشت الدراما التركية سوق الملابس والإكسسوارات والحلي التركية، واخترقت الأسواق العربية بشكل لافت.

ولم يقف التأثر العربي بالدراما التركية في تقليد الموضة فحسب، بل امتد الأمر إلى الاهتمام بشراء الأثاث وديكورات المنازل حسبما يتم تداولها في الأعمال الفنية، كذلك استخدمت الطبيعة وتنوع المشاهد في تركيا واعتمدت على طبيعة خلابة تجمع بين الغابات والأنهار والشواطئ، بالإضافة إلى الأماكن التاريخية، وبالتالي فقد ساهمت الدراما التركية في زيادة أعداد السياح الوافدين من الدول العربية إلى أضعاف ما كانت عليه.

العرب