اياد العناز
اتساع رقعة المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتعدد أوجه أهدافها أعطى لها تأثيرًا دوليًا واقليميًا انعكس بشكل واضح على المصالح والمنافع لبلدان العالم التي بدأت تبحث عن مساعي وحلول جذرية لعقد سلسلة من المفاوضات والحوار المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتبقى إرادة المحاربين هي الفيصل الأساسي في إيقاف حالة المواجهة والردع المباشر ونزيف التكاليف البشرية والاقتصادية العسكرية.
اختلاف الرؤى والأهداف لجميع الأطراف منح عملية المواجهة الميدانية آفاقًا عديدة ورؤية ميدانية فاعلة، أخذت عدة اتجاهات منها أن إسرائيل سعت من شن هذه المواجهة على تغيير النظام الإيراني وحددت أهدافها باستهداف قياداته السياسية والعسكرية والتهديدات التي يمثلها مشروعه السياسي الإقليمي وتحالفاته ووكلائه والمليشيات والفصائل التابعة له والعاملة ضمن هيكلية الحرس الثوري الإيراني مع المنظومة الفعلية للبرنامج النووي الإيراني الذي ترى فيه تهديداً وخطرًا على بقائها.
وترابطت الأهداف الإسرائيلية مع الأهداف المعلنة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغيير أسس وركائز النظام السياسي الإيراني ورؤيته في جعل الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى وإعادة هيمنتها وسطوتها على العالم، مع توسيع الرؤية المشتركة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تغيير سياسي واقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النظام الدولي كما تراه وتهدف إليه إدارة الرئيس ترامب.
وبدأت عملية المواجهة الفعلية بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعديد من القيادات السياسية والعسكرية من أبرزها ( علي لاريجاني ووزير الدفاع ورئيس أركان الجيش ووزير الاستخبارات وقائد الباسيج ومعاونه وقيادات عليا في الحرس الثوري)، مع تدمير مقومات الدولة الإيرانية على كافة الأصعدة الأمنية والمستويات الأمنية والاقتصادية واستهداف مراكز الشرطة والحرس الثوري الباسيج ومخازن النفط في العاصمة الإيرانية (طهران) ومعظم المدن الرئيسية الكبرى، مع اعتماد تنفيذ العمليات المباشرة بتدمير الاستراتيجية العسكرية والمؤسسات الاستخبارية وبعض المواقع النووية وأماكن خزن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ومنصات أطلقها، كونها تشكل الحاضنة الرئيسية لقوة الردع الإيراني ومصدر التهديد العسكري في العمق الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي.
وتمت عدة زيارات مشتركة بين القيادات العليا العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، فجاءت زيارة (براد كوبر) قائد القيادة المركزية الأمريكية لإسرائيل في المراحل الأولى لعملية التنسيق المباشر والاعداد للعمليات العسكرية، والتي كانت تمثل جزءًا من الزيارات المماثلة لرئيس اركان الجيش الإسرائيلي للولايات المتحدة والقيادات العاملة في وزارة الحرب الأمريكية والدفاع الإسرائيلية.
يمكن ملاحظة أن بدايات المواجهة والتحضير للعمليات الحربية ركزت على برنامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة أكثر من اهتمامها بالبرنامج النووي الإيراني والذي كان من أولى الأهداف الرئيسية في الضربات الجوية الأمريكية في حزيران 2025.
أمام هذه الاهتمامات الميدانية والأهداف المعلمة رصدت وزارة المالية الإسرائيلية مبلغ (9) مليار دولار للمواجهة العسكرية مع إيران، مع الأخذ بالاعتبار أن التكلفة المالية والاقتصادية وصلت في نهاية شهر آذار 2026 ( 33) مليار دولار وهو ما شكل 15٪ من إجمالي الموازنة العامة الإسرائيلية لعام 2026.
أعطت الجهات الإستخبارية الإسرائيلية وشبكاتها العاملة في العمق الإيراني أهمية بالغة للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي انطلقت قبل المواجهة في معظم المدن الإيرانية وتم مواجهتها بحالة من القمع والقسوة والقتل والاعتقال من قبل قوات الباسيج والشرطة المحلية وبعض من تشكيلات الحرس الثوري وراح ضحيتها الآلآف من شباب الشعوب الإيرانية، ورأت فيها حالة ميدانية لإضعاف النظام الإيراني من الداخل عبر تهيئة الإجواء لعملية عسكرية أو مواجهة مباشرة المؤسسات وقيادات النظام، وما ساعد على ذلك تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه على استعداد لمساعدة المتظاهرين وتقديم العون لهم وأن ( المساعدة قادمة في الطريق)، لخلق حالة من الفوضى الداخلية من شأنها أن تضعف النظام وتكون بداية لعمل عسكري يستنزف أجهزة ومؤسسات النظام العسكرية والأمنية ويسارع في سقوطه.
مع بداية المواجهة الثلاثية في 28 شباط 2026 تراجعت بعض من الأهداف الرئيسية لإسرائيل والولايات المتحدة واكتفيا بالخطاب الأساسي بإضعاف النظام وتهيئة الظروف المناسبة لإسقاطه، بسبب الرد المباشر الذي قامت به القيادة الإيرانية بعد ساعتين من عملية استهداف المرشد علي خامنئي والقيادات العليا في النظام والأماكن والمواقع المهمة داخل الأراضي الإيرانية، بتوجيه صواريخها البالستية وطائراتها المسيرة داخل العمق الإسرائيلي واتخاذ المواجهة منحى أخر لم يكن مقدرًا له بتوجيه الضربات الصاروخية إلى عواصم دول التعاون الخليجي العربي، وابتعدت المواجهة العسكرية عن الاحتواء السريع وأخذت مسارًا نحو الاستنزاف الميداني الإيراني وإعداد ساحات أخرى في إعاقة الملاحة في مضيق هرمز والتهديد باستهداف الناقلات النفطية تصعيد الفعاليات العسكرية بالقرب من السواحل البحرية والمناطق القريبة من الممرات المائية لتعزيز الضغوط الدولية ورفع تكلفة المواجهة العسكرية وتوجيه الأذرع والوكلاء للقيام بفعاليات تزيد من الاستنزاف العسكري والاقتصادي.
وأخذت إيران بتحريك مسار جديد آخر عبر توجيه جماعة الحوثيين بدخول معترك المواجهة العسكرية مع إيران والتهديد بغلق مضيق باب المندب وزيادة الضغوط الاقتصادية التي تؤثر على حركة التجارة العالمية التي تمر عبر باب المندب بواقع 12٪ إلى 15٪، وفي حال تعطلت الملاحة فيه ستضطر السفن التجارية إلى تغيير مسارها والأخبار نحو القارة الأفريقية عبر رأس الرجاء الصالح، حيث تمر عبر المضيق أكثر من 20 ألف سفينة شحن وتنقل ما يقارب 1،6 مليار طن من السلع والبضائع المختلفة، ووفق البيانات المسجلة في أعوام سابقة، مر عبر باب المندب نحو 6،2 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة وهو ما يعادل 9٪ من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
ولكن قدرة إيران على تحويل باب المندب إلى حالة ردع مباشرة تعيد فيها عوامل توازن القوة، تبقى محدودة لعدم سيطرتها جغرافيًا على المضيق ويمكن أن يكون ضمن أدوات التهديد التي تستخدمها كحالة ميدانية غير مباشرة تساهم في تعزيز السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الذي يمثل شريان الطاقة العالمي ونقطة اختناق بحرية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مواجهة بحرية مباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
اتخذت قيادات الحرس الثوري الإيراني اسلوب المكابرة واعتماد سياسة إظهار القوة والمواجهة المستمرة على منطق واسلوب التنازل الذي ترغب فيه إدارة الرئيس ترامب، وأصبحت أكثر تمسكًا باستمرار المواجهة وخيار الردع أكثر مما تعمل عليه إسرائيل وامريكا.
ومنح الرئيس ترامب مهلة (48) ساعة لإيران للعمل على فتح مضيق هرمز وعودة الملاحة البحرية فيه انطلاق حركة الناقلات النفطية والسفن البحرية، وهي الساعات المتبقية من التمديد الثالث الذي أطلقه منذ بداية المواجهة وينتهي في نيسان 2026، وإلا فإنه سيعمل على ضرب جميع مراكز ومحطات الطاقة وأجهزة الاتصالات ومحطات الكهرباء والجسور والطرق الرئيسية، وهناك العديد من العمليات المباشرة التي يجري مناقشتها في أروقة وزارة الحرب الأميركية منها يتعلق بفرض السيطرة على جزيرة خرج التي تعتبر جوهرة التاج في صناعة النفط الإيرانية وتعزز عملية الإسراع في إسقاط النظام والتأثير عليه اقتصاديًا من دون الانزلاق إلى حرب برية، والتي تشكل وسيلة مهمة وغاية رئيسية في تعزيز النفوذ الأمريكي، مع ملاحظة أن هناك توجه أمريكي لنشر قوات داخل بعض المدن الإيرانية وأهمها العاصمة ( طهران) التي تشكل المفتاح الرئيسي للسيطرة على النظام وإضعاف ومن ثم إسقاطه عبر تكثيف الطلعات الجوية وضرب الأهداف المهمة وقطع طرق المواصلات وهدم الجسور التي تشكل المحور الرئيسي الذي يحيط بطهران جغرافيًا، في ظل تدهور القدرات الجوية والبحرية الإيرانية وضعف أنظمة الدفاع الجوي.
لا زالت الشروط الأمريكية والمطالب الإيرانية في حالة انعدام من التوافق السياسي ولا زالت بعيدة عن إنهاء الأزمة التي اندلعت بها المواجهة العسكرية، فالولايات المتحدة الأمريكية أبعد ما تكون للوصول لتسوية سياسية بخطوات دبلوماسية ومفاوضات غير مباشرة والتي تتعامل معها إيران بشئ من الحذر والقلق وعدم المخاطرة في قبول الإملاءات الامريكية الوقوع مرة ثالثة في خطأ استراتيجي ينهي وجود نظامها السياسي، فإيران تسعى لتخفيف العقوبات والحصول على تعويضات مالية وضمانات أمنية وتعتبر المواجهة حالة وجودية لها وأنها على استعداد كبير للتصعيد ، بينما الولايات المتحدة تعمل على التمسك بأهدافها في تفكيك البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية ومنع عملية التخصيب والحصول على 400 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪،
ولا يزال الطرفان على مساحة من عدم التنازل والبقاء على حالة الجمود السياسي والتعامل الدبلوماسي مع الجهود الإقليمية لوقف القتال والبدأ بمفاوضات ثنائية، وهو يعني مزيدًا من التصعيد تفاقم الأوضاع واستمرارًا للضربات الجوية والصاروخية، وهو ما أكد عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تهديد الاخير.
هذه المحاولات أدت إلى قيام القوات الامريكية والإسرائيلية بتكثيف هجماتها على المحور الرئيس حول العاصمة طهران وداخلها مع تعميق الجراح الإيرانية في مدن ( أصفهان وتبريز ومشهد)، واتخاذ قرار من قبل إسرائيل بتأجيل العملية العسكرية البرية في الجنوب اللبناني، ووضع جميع إمكانياتها في تحقيق أهدافها من التدمير الشامل داخل العمق الإيراني، واعتماد عدم المفاجأة في أي تطور ميداني أو سياسي قد يتخذه الرئيس ترامب بتوسيع دائرة المواجهة وتنفيذ تهديداته أو الذهاب نحو مفاوضات تحقق له ما قدمته إدارته من شروط واملاءات على إيران قبولها، وهنا أما تستمر إسرائيل في مواجهة إيران لوحدها أو تتأخذ القرار المشترك مع الرئيس ترامب والاتفاق موعد محدد لإنهاء المواجهة العسكرية والإعلان عن تحقيق أهدافها.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
