
أن الموقف الإيراني من حضور جولة المفاوضات في إسلام آباد، إنما يتأتى من حرصه على إثبات وجوده وقدرته على الوصول إلى حالة من التوازن الميداني عند حواره مع الوفد الأمريكي المفاوض وليس بصيغة املاء الشروط والاقرار بالهزيمة ليمنح قدرًا من الثقة والإطمئنان للداخل الإيراني ولوكلائه ومؤيديه، وهذا ما يعمل عليه الوسيط الباكستاني في محاولته لإقناع الرئيس ترامب برفع الحصار البحري عن إيران وتخفيف وطأة الخلافات المتبادلة.
لو قرأت إيران جيدًا ما أراد أن يوصله وزير الخارجية الأسبق ( محمد جواد ظريف) في مقاله الذي نشره في مجلة ( فورين أفيرز) والذي آثار حفيظة العديد من المسؤولين الإيرانيين، والذي دعى فيه إيران لاستثمار حالة الصمود التي ابدتها خلال اسابيع المواجهة العسكرية التي انطلقت في 28 شباط 2026، وتحويلها إلى تسوية سياسية دائمة تقوم على فرض قيود على البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية وإعادة فتح مضيق هرمز والاتفاق على عدم العودة لأي مواجهة عسكرية قادمة وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمار المالي مع الشركات الأمريكية، لعملت على تحقيق هدفًا مرحليًا وغاية استراتيجية في تأمين حماية النظام السياسي والحفاظ عليه وإعادة اعمار البلاد والانفتاح السياسي على دول العالم وتأمين الحضور الفعال في سوق الطاقة العالمي.
إلا أن حالة الانقسام السياسي والخلاف العقائدي قائمًا بين أجنحة النظام الإيراني، معتبرًا البعض منهم أن ابداء أي مرونة استراتيجية إنما هي نوع من المساومة على حقوق إيران ونظامها وأن الصمود الميداني يتيح لإيران التفاوض باقتدار وقوة، وهذا ما يتبناه التيار المتشدد في قيادة الحرس الثوري والذي يحكم إيران حاليًا ويؤثر على طبيعة الفريق السياسي الذي يسعى للتفاوض واعتماد الفكر القائم على التمسك بإدارة الدولة وهذا ما كان له تأثير واضح في جولة المفاوضات الأولى والتي ابداها الوفد الإيراني المفاوض برئاسة رئيس البرلمان (محمد باقر قاليباف) وضم وزير الخارجية عباس عراقجي وسبعين شخصًا منهم خبراء متخصصون في الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية.
أن التردد الإيراني في إكمال عملية التفاوض يتأتى من سياسة قائمة على اعتماد استراتيجية هدفها إبقاء حالة التوازن التي يراها التيار المتشدد في الحكم الإيراني وأن لا تتحول بفعل الضغوط الأمريكية إلى حالة من الاستسلام والانهزامية الميدانية، وهذا ما فعلته القيادات العسكرية في الحرس الثوري الإيراني باختيار (قاليباف) لرئاسة الوفد المفاوض كونه شخصية أمنية وقيادة سبق لها العمل في تشكيلات الحرس الثوري، واعتمد في طروحاته على رؤية إيرانية برفع العقوبات الاقتصادية والافراج عن الأموال المجمدة والحصول على تعويضات مالية والاعتراف بالحقوق النووية الإيرانية، وهو ما شكل خلافًا كبيرًا قائمًا على تمسك الوفد المفاوض الأمريكي بضرورة تفكيك البرنامج النووي وإيقاف تخصيب اليورانيوم وتسليم الكمية المخزون منه بنسبة 60٪ وتحييد مديات الصواريخ الباليستية وايقاف الدعم للمليشيات والفصائل المسلحة التي تستخدم أدوات ميدانية في التمدد والنفود الإيراني الإقليمي.
أن استخدام إيران مضيق هرمز والتي كانت حالة طارئة في مجمل الخلاف الأمريكي الإيراني (ورقة ضغط) اقتصادي ومساومة سياسية لم تستطيع الاستمرار فيها بعد الحصار البحري الأمريكي لموانئها وسواحلها البحرية ومنع ناقلاتها وسفنها من عمليات التصدير والتوريد والذي أدى إلى مضاعفة الخسائر المالية لإيران بمقدار (500) مليون دولار يوميًا وهو ما لا يمكن لطهران أن تتحمله مع تعاطم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية في الداخل الإيراني، وأن السعي للتمسك بورقة مضيق هرمز قد لا تكون دائمًا بنفس الفعالية مع أي تحول في سير المفاوضات أو العودة للمواجهة العسكرية.
تحاول إيران أن توحي وعبر خطابها الرسمي وتوجهاتها الداخلية أن نصرها الأساسي في عدم سقوط نظامها السياسي رغم وطأة الضربات الأميركية والإسرائيلية وقوتها وضخامة خسائرها وتعدد أهدافها، وتغفل قيادة الحرس الثوري والقائمين على مؤسسة خاتم الانبياء أن إيران تواجه امتحانًا خطيرًا فأي عودة للقتال يعني تعميق الجراح الإيرانية وتعزيز للتحشيدات الأمريكية التي بدأت باستخدام سياسية الغضب الاقتصادي عبر متابعة الخزانات العائمة وتصعيد إجراءات الحصار البحري، وأن إيران وإن كانت تعاملت في السابق مع نتائج العقوبات الاقتصادية الأمريكية، فهي سوف لا تتمكن من أن يكون تحملها بالشئ المضمون بتصاعد عمليات الحصار بأنواعه.
وهنا يبرز الدور الإقليمي للحليف الاستراتيجي الصيني الذي يعمل على مواجهة إيران بالحقائق الميدانية وقراءة واقع الحال وضرورة الذهاب إلى مفاوضات ( اسلام آباد) والابتعاد عن الاستمرار بعملية إغلاق مضيق هرمز ومحاولة منع أي خلاف وتصعيد في الصراعات السياسية والانقسامات الحادة داخل أروقة النظام في إيران.
الأحداث القائمة والمتغيرات السياسية والمواقف المتناقصة اثبت أن ما يعيشه الإقليم ليس هدنة بالمعنى الميداني الدقيق ولا دعوة للسلام بوجهتها الاستراتيجية بل هو حالة رمادية تستعيد فيها أطراف المواجهة العسكرية انفاسها لتعيد قراءتها لموجبات الجولة القادمة وتكاليفها وأن ما يراه الاخرون طريقًا يمنح جرعة من التأمل والتوجه نحو اتفاق إنما هو يمنح وهم حالة الاستقرار، فالنظام الإيراني ولن لم يسقط فإنه خرج منهكًا ولكنه لا يزال ساعيًا لتطوير منظموماته الدفاعية والصاروخية التي أصبحت الأداة الوحيدة التذ تحقق له حالة الردع المقابل في غياب قدراته الحوية وتحطيم قوته البحرية، مع ملاحظة أن المرشد (مجتبى خامنئي) أكثر تشددًا من والده والاقل مساومة ويرى في أي عملية للتفاوض فرصة لاستعادة قدرة إيران العسكرية الدفاعية قبل انتهاء مهلة الهدنة.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة