إدارة البقاء الإيراني بين قشم والردع

إدارة البقاء الإيراني بين قشم والردع

اياد العناز

تصاعدت حدة المواجهات الأمريكية في منطقة الخليج العربي مع جولات المفاوضات التي يحرص الوسيط العربي القطري الخليجي على استمرارها والوصول إلى غايته في نجاحها بدعم (صيني وباكستاني)، ومع الأهمية الإقليمية العربية التي تحرص جميع القيادات السياسية على دعم المسار التفاوضي، تستمر عمليات التعرض على السفن والناقلات البحرية، فقد شهدت جزيرة قشم الإيرانية الواقعة قرب مضيق هرمز في أولى ساعات اليوم الثالث من تشرين ثاني 2026 سلسلة من الانفجارات تم تنفيذها والاعتراف بها من قبل القوات العسكرية الأمريكية التي أطلقت عليها تسمية ( دفاع عن النفس) وأعلنت أنها كانت محدودة النطاق، استهدفت الضربات أجهزة رادار ومنصات إطلاق صواريخ بعد قيام الجانب الإيراني بإطلاق صاروخ موجه لطائرات أمريكية كانت تجوب سماء منطقة العمليات.
جاءت الضربات الأمريكية في ظل توترات عسكرية ومساعي دبلوماسية ومفاوضات غير مباشرة جرت مؤخرا في العاصمة القطرية ( الدوحة ) لمسعى لإيقاف التصعيد العسكري والاتجاه نحو الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
لم يتمكن الوسيط القطري من تحقيق اختراق سياسي وعملي بعد ثلاثة أيام من التفاوض غير المباشر بين ممثلين عن الجانبين الأمريكي والإيراني جرت في الدوحة، ورغم الإعلان عن وجود مسودة للاتفاق أو نقاط جوهرية للتباحث حولها، إلا أن إيران لا زالت متمسكة بمقترحها ذي السبع خطوات، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت تعمل على التسوية السياسية القائمة على مناقشة النشاطات النووية الإيرانية، وجاءت الضربات الأخيرة على جزيرة (قشم) لتؤكد حقيقة استمرار واشنطن في سياسة القوة والردع الميداني، وهو يشكل خطورة فعلية في انتقال المواجهة من الضغط التفاوضي إلى تبادل العمليات العسكرية.
تبرز أهمية الضربات الأمريكية كونها تعبر عن رسالة عسكرية أن التفاوض السياسي لا يمنع من تنفيذ عمليات دفاعية محدودة، ورسالة أخرى تعني بمنع إيران من الاعتقاد بأن الحصار المفروض على مضيق هرمز يمكن أن يفرض على واشنطن قبول الشروط الإيرانية، وأن استهداف (قشم) يعني أن الاستعدادات الأمريكية لا زالت مستمرة في تأمين الحماية الذاتية لممرات التجارة العالمية والطاقة الدولية.
إيران وعلى لسان المتحدث بأسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أوضح أن المقترح الإيراني الذي قُدم في أيلول 2026 لا يزال أساس المحادثات وأن إيران اختصرت الإطار الزمني لتنفيذه إلى يومين، وأن العودة لمفاوضات البرنامج النووي لن تتم إلا بعد التحقق من تنفيذ الشروط الإيرانية، ورفض فكرة نقل مخزون اليورانيوم المخصب لدولة أخرى.
تتضمن المطالب الإيرانية، إنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز بعد منح طهران اعفاءات تتعلق بمبيعات النفط وإلغاء العقوبات الاقتصادية ومن ثم الانتقال لمناقشة الملفات الأخرى .
إن اتساع دائرة الاتصالات الدولية يعكس قلقًا من أن يؤدي فشل الوساطة لأزمة تتجاوز أطراف المواجهة خصوصًا في أسواق الطاقة والتجارة البحرية.
السياسة الإيرانية لا تستخدم التفاوض وحده، وإنما تحاول الجمع بين الضغط البحري والردع السياسي، وأن إعادة فتح مضيق هرمز هي الأولوية الأكثر حضورًا بسبب تأثيرها في إمدادات الطاقة والتجارة، ويبقى الملف النووي الأكثر صعوبة من حيث التوافق السياسي بين واشنطن وطهران.
صاحبت التطورات الميدانية متغيرات سياسية عكستها إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الثاني من تشرين ثاني 2026 بأن ( المرشد الأعلى مجتبى خامنئي منح الحكومة صلاحيات معينة لمتابعة الحوار مع الولايات المتحدة وإيجاد حلول للمواجهة)،خلال اجتماعه مع مسؤولين محليين، دون تحديد طبيعة الصلاحيات أو الملفات التي تشملها، وهذا ما يؤكد سعي إيران لإبقاء المسار الدبلوماسي حاضرًا وإمكانية العمل على تهيئة بنية سياسية تسمح بتفاوض أكثر جدية ولكنها ضمن إطار الأهداف الإيرانية، ولكنه قد يكون تفويض تكتيكي لإدارة الأزمة مع واشنطن دون تغيير جوهري في القرار الاستراتيجي الإيراني .
أن تصدر توجيهات من المرشد الحالي فإنها تشكل دلالات على وجود موافقة عليا باستمرار المسار السياسي الدبلوماسي وتوسيع لمساحة الحركة للرئيس بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي في التعامل مع بعض الملفات الاقتصادية والتفاوضية بصورة أكثر فاعلية، والتفويض لا يعني بالضرورة نقل صلاحية القرار الاستراتيجي النووي والعسكري بالكامل للحكومة الإيرانية.
أن التفويض الذي منحه مجتبى خامنئي يعطي ملمحًا ميدانيًا يمثل العودة إلى نمط إداري يقوم على ترك مساحة للرئاسة الايرانية في التفاوض والمعالجة الاقتصادية مع احتفاظ القيادة العليا بالقرار الاستراتيجي النهائي، وهو ما يتيح للنظام إظهار مرونة سياسية دون أن يعني بالضرورة تغييراً في ثوابته، ويعكس أيضًا رؤية القيادات العسكرية والأمنية في الحرس الثوري في تخفيف الضغوط والعقوبات ومنع اتساع المواجهة والاحتفاظ بأوراق القوة العسكرية لمنع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى مديات تهدد تماسك وبقاء النظام السياسي
أن الحالة الإيرانية تشهد عملية انتقال من إدارة المواجهة إلى إدارة البقاء وتوظيف التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي لتخفيف الضغوطات الاقتصادية والحصار البحري، دون الإعلان صراحة عن تحول في العقيدة السياسية والأمنية الإيرانية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية