الحاجة إلى تعزيز مؤسسات قوية وشاملة في الشرق الأوسط

الحاجة إلى تعزيز مؤسسات قوية وشاملة في الشرق الأوسط

الشرق الاوسط

بعد خمسة أعوامٍ على انطلاق “الربيع العربي”، يبدو أنّ أهمّ الدروس المستقاة من هذه التجربة هو أنّ الإطاحة بالطغاة لا يؤدّي حُكماً إلى الديمقراطية، خصوصاً في ظلّ غياب المؤسسات القوية والشاملة التي من شأنها أن تجعل من الدَمَقرطة عمليةً مستدامة. وبفعل التدخّلات الخارجية، تكون مآلات هذه الانتفاضات إمّا حرباً أهلية – كما هي الحال في سوريا والعراق وليبيا واليمن – أو نظاماً ديكتاتورياً أسوأ من سابقه، كما هو شأن مصر.

وتُعدّ تونس اليوم المثال الناجح اليتيم عن الدمقرطة التي أطلقها “الربيع العربي”، ولكن حتى تونس ومؤسّساتها الأهلية التي فازت بجائزة نوبل تبقى عاجزةً عن ضمان استدامة حالة الاستقرار في حال عجزت البلاد عن حلّ مشاكلها الاقتصادية. وفي الوقت الراهن، أدّت الإصلاحات والأساليب الليبرالية إلى تحقيق نموّ في “الناتج المحلي الإجمالي” في تونس، غير أنّها لم تستحدث فرص العمل بوتيرة كافية لضمان الاستقرار.

أمّا الدول الأخرى التي شاركت في “الربيع العربي”، فقد فشلت فشلاً ديمقراطياً ذريعاً. فمصر عادت إلى الديكتاتورية، بقيادة أجهزة الشرطة والجيش القمعية التي لجأت إلى سجن المصريين الذين ينتقدون النظام وتعذيبهم وقتلهم. وتشير الأحداث الأخيرة إلى أنّ النظام بات الآن يستهدف الأجانب، كما رأينا مؤخّراً في حالة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، بينما اتّخذت جارة مصر، أي ليبيا، منحًى أسوأ، إذ من المحتمل أن تواجه تدخّلاً عسكرياً بقيادة الدول الغربية رداً على توسّع نظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») في البلاد. وعلى الرغم من أنّ محادثات السلام جارية، لا تلوح في الأفق الليبي أيّ حكومةٍ مستقرّة وموحّدة وواضحة، سواء كانت ديمقراطية أو غير ذلك من التوصيفات المُعتَمدة.

كذلك، تزداد الحرب الأهلية اليمنية سوءاً يومياً، إذ يزداد الصراع احتداماً بين المملكة العربية السعودية وأنصار الحوثي المدعومين من إيران، فيما يتبدّى معركةً تستعصي على الحلّ. وقد أودى هذا النزاع بحياة ستة آلاف يمنيٍ بينما يتضوّر عددٌ أكبر من اليمنيين جوعاً وسط استمرار صمت المجتمع الدولي.

أخيراً، تُعدّ سوريا المثال الأسوء على الفشل الذي آلت إليه الأحداث هناك، في وقتٍ يبدو فيه محتوماً على عملية مفاوضات السلام السورية أن تتمخّض عن نتائج هشّة. ومع الوقف المؤقّت للعمليات العسكرية من أجل تأمين دخول المساعدات الإنسانية، وهو ما شكّك المسؤولون الأمريكيون فيه بالفعل، يبدو أنّ اتفاق سلامٍ أو أقلّه وقفاً كاملاً للعمليات العسكرية أمرٌ غير وارد الآن. فمن المتوقّع أن تواجه سوريا مصيراً أسوأ بأشواط في السنوات القليلة المقبلة، وقد يستحيل النزاع السوري حرباً أهلية طويلة بين فصائل المتمرّدين، يكون فيها قادة هذه الجماعات بمثابة أمراء حرب، على غرار أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي؛ أو يتحوّل النزاع من حربٍ بالوكالة إلى حرب طائفية مباشرة بين الدول، تكون فيها القوات غير المنحازة إلى أيّ معسكرٍ، كـ تنظيم «داعش» والأكراد، في قلب المعركة. ومن شأن إرسال السعودية لقوّات برية إلى قاعدة إنغرليك الجوية في تركيا أن يزيد من أرجحية هذه الفرضية. في غضون ذلك، سمحت المفاوضات أيضاً لروسيا وتركيا المتخاصمتين بأن تقصفا بشكلٍ تعسّفي دولةً أخرى، بذريعة مكافحة الإرهاب. وكما قال السيناتور الأمريكي جون ماكين في مؤتمر ميونيخ للأمن مؤخّراً: “إنّها الدبلوماسية في خدمة العدوان العسكري”.

نأمل في أن تكون الحالتان السورية واليمنية قدّ علّمتا المراقبين أنّه من أجل أن تسنح الفرصة للديمقراطية، ينبغي إعادة بناء الدولة الفاشلة، ولا بدّ قبل ذلك من تطبيق وقف إطلاق النار وأن يكون الدفاع عن المدنيين في هذا الصدد حجرَ الزاوية. كذلك، ينبغي أن تعتبر الأمم المتحدة أنّ قتل المدنيين العزّل بغية الظفر في حربٍ بالوكالة ضدّ خصمٍ إقليمي أو عالمي جريمةٌ ضد الإنسانية. وقد أدانت المنظّمة الدولية مؤخّراً عمليات “الإبادة” التي تمارسها قوات الأسد، بيد أنّها لم تأتِ إلى الآن على ذكر التدخّلات العسكرية الأخرى، كالقصف العشوائي الذي تمارسه روسيا.

وفي الحالات الأخرى، خصوصاً في مصر وليبيا والعراق، بدا واضحاً أنّ الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية من دون النهوض الصريح بمجتمعٍ مدني قوي إنّما يحمل نتائج كارثية، إذ لا تكون عملية إرساء الديمقراطية مستدامةً ذاتياً. ويمكن أحياناً بناء المجتمع المدني بطريقة أفضل من خلال إقامة العلاقات والتعامل مع الأنظمة الاستبدادية، كما تحاول حالياً الولايات المتحدة مع إيران وكوبا.

ويشكّل المغرب مثالاً إقليمياً على هذا النجاح، ففي حين لا تزال البلاد تعتمد النظام الملكي الدستوري، إلّا أنّ الحكومة أدخلت عدداً من الإصلاحات الديمقراطية على الدستور غداة انتفاضات “الربيع العربي”، ولا تزال عملية إرساء الديمقراطية تدريجياً مستمرّةً على قدمٍ وساق حتى هذا اليوم.

كذلك، ينبغي أن يكون تشديد المغرب على تشييد الأسس المستقرّة للدولة سمةً أساسية من سمات إعادة بناء الدول. ومن أجل تفادي كارثة أخرى كالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لا بدّ من تخصيص الأولوية لإعادة بناء أسس الدولة السابقة عند الإطاحة بالطغاة. ويُعدّ التركيز على المؤسسات القوية والشاملة وسيلةً يمكن الاعتماد عليها لضمان بقاء الحكومة والتنمية المستدامة والديمقراطية الفعّالة. وقد صاغ علماء السياسة نظريتين أساسيتين لهذه العملية، هما مفهوم “النظام السياسي في المجتمعات المتغيّرة” ومفهوم “الشمول في المجتمعات المتنوّعة”.

وقد شرح العالم السياسي صموئيل هنتنغتون قبل نحو نصف قرنٍ، في كتابه النظام السياسي لمجتمعات متغيّرة، كيف أنّ القدرات الوظيفية للدولة عنصرٌ أساسي في تأمين النظام في المجتمعات الانتقالية. واستعاد الكاتب الأمريكي فرانسيس فوكوياما مؤخّراً في كتابه النظام السياسي والانحطاط السياسي هذا المفهوم الذي نظّر له خصمه السابق، محاججاً بأنّ بناء الدولة أساسيٌ لتحقيق استقرار الديمقراطية فيها. ويساعد غياب بناء الدول في تفسير الكثير من الإخفاقات الأخيرة التي شهدتها عمليات إرساء الديمقراطية المفروضة. ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى الشروع في تطبيق هذه النظرية، لا لدعم الدمقرطة وحسب، بل أيضاً من أجل محاربة التشدّد والتطرّف العنفي. ويمكن أن تكون المؤسسات القوية، كالدساتير الراسخة والأسس الاقتصادية المستقرّة وإجراءات الضوابط والتوازنات الواضحة، واحداً من أنجع المضادات في مكافحة الإرهاب. ولم يؤدِّ نموذج الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في مصر عن الدولة الاستبدادية المستقرّة بوصفها “قلعةً حصينة ضدّ التطرّف” إلّا إلى إذكاء التشدّد من خلال قمع الدولة الوحشي.

ويمكن، لا بل من الضرورة بمكان، إدراج المؤسسات القوية في الدولة الديمقراطية. وفي حين أنّ تونس أحدثُ من أن تعكس هذا النموذج، تقدّم تركيا مثالاً مؤهّلاً على الفوائد التي تجتنيها الدول من الديمقراطية المؤسسية القوية. وقد أوجدت القيود الراهنة للمؤسسات التركية على “الشمول” عدداً من التحديات على بعض عناصر ديمقراطيتها، بما يؤكّد صحّة هذه القاعدة. وتسلّط تركيا الضوء على العنصر المهمّ الآخر للمؤسّسات، أي ضرورة أن تكون قوية وشاملة في آنٍ معاً. ويستند مفهوم “الشمول في المجتمعات المتنوّعة” إلى دراسات الاقتصاديين الأمريكيين دارون عاصم أوغلو وجيمس روبنسون، بالإضافة إلى إسهامات المفكّر الكندي ويل كيمليكا. ومن المعروف أنّ عاصم أوغلو وروبنسون حاججا، في كتابهما لماذا تفشل الأمم، بأنّ الأمم فشلت في الماضي ولا تزال تفشل اليوم لأنّها تفتقر إلى الشمولية، أي المساواة في توزيع السلطات في المؤسسات السياسية والاقتصادية على حدٍ سواء.

لا بدّ إذاً من أن تُجسّد المؤسسات السياسية الشاملة الإجماع أو تقاسم السلطة، الذي يتيح لمختلف أقطاب الطيف السياسي والثقافي والاقتصادي أن تشعر بأنّها مشمولة عندما يتمّ استبدال الطغاة بشخصٍ ينتمي إلى جماعة دينية أو عرقية مختلفة. ويثبت بعض القادة، كرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، خطورة تجاهل عنصر الشمولية. وكانت هذه الشرارة أيضاً هي التي أشعلت أتون الحرب الأهلية اليمنية، عندما أخذ مفهوم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي للامركزية المفروضة بإقصاء الحوثيين الذين ردّوا في نهاية المطاف على استبعادهم. بالإضافة إلى ذلك، تمنع الحكومات الشاملة تركّز السلطات وخطر تفشّي الفساد. أمّا المؤسسات الاقتصادية الشاملة على مستوى المجتمع المدني، كالنقابات العمالية ومنظّمات المزارعين، فتضمن أن يكون للمواطنين رأيٌ أهمّ في النقاش السياسي والاقتصادي. وقد ساهمت هذه الجهود المبذولة في سبيل الشمولية على الصعيدين الحكومي وغير الحكومي في نجاح عملية الانتقال في تونس. وتجدر هنا الإشارة إلى أنّ جوليو ريجيني كان يدرس إمكانية اعتماد هذا الاحتمال في مصر قبل قتله أثناء بحوثه حول تمكين النقابات العمالية.

ويؤيّد ويل كيمليكا بدوره مفهوم الشمول في كتابه السياسة في اللغة العامية، لكنّه يشدّد على أنّ مؤسسات الدولة يتعيّن عليها أن تضمن العدل للجماعات العرقية والثقافية والأقليات القومية. ويمكن اليوم اعتبار إندونيسيا، وهي أكبر دولةٍ مسلمة، أحد نماذج هذا النوع من المؤسسات الشاملة في الديمقراطيات المسلمة. ويمكن أن يستفيد الشرق الأوسط إلى حدٍ كبير من البدائل المتوفّرة عن نسخة الحوكمة المسلمة المطروحة في السعودية، وذلك من خلال التطلّع إلى الدول المسلمة في جنوب شرق آسيا.

وفي حين أنّ منطقة الشرق الأوسط شهدت تاريخياً وجود مؤسسات ضعيفة ومجتمعات متنوّعة، إلّا أنّ مختلف الجماعات العرقية والدينية والثقافية تعايشت بطريقةٍ سلمية نسبياً لقرونٍ عدّة. أمّا الانقسامات، فما اشتدّت واستحالت أداةً لتحقيق المآرب السياسية إلّا في الآونة الأخيرة، مع حلول الحقبة الاستعمارية وما رافقها من دعمٍ غربي للأنظمة الاستبدادية. وقد أجّجت النخب المحلية هذه الطائفية في محاولةٍ منها لتحافظ على سطوتها، عملاً بالمبدأ اللاتيني فرّق تسُدْ.

يبقى أن نرى ما إذا كانت أوروبا والولايات المتحدة والأمم المتحدة تُدرج بالفعل هذه العناصر المهمة في صلب سياساتها في المنطقة. فوكالات الأمم المتحدة مثلاً قادرة على الاضطلاع بدورٍ قوي في هذا المجال، إذ إنّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو منظمة الأغذية والزراعة أو منظمة العمل الدولية تشتمل في ولاياتها على هدف دعم الحوكمة المحلية، مع المؤسسات السياسية والمدنية، كالمنظمات الزراعية أو النقابات. ولكن كالعادة، فإنّ المسألة تتمحور حول الإرادة السياسية للدول – وقادتها – التي تؤثّر في هذه الوكالات. وقد عقدنا آمالنا على القادة الجدد لعام 2017، وتحديداً الأمين العام الجديد للأمم المتحدة والرئيس الأمريكي الجديد.

وحتى العام المقبل، يبدو أنّه يتعيّن علينا أن ننتظر ونأمل في أنّ قادتنا المستقبليين سيعتمدون رؤًى سياسية أكثر استدامةً من تلك المنفّذة حالياً في الشرق الأوسط، واضعين نصب أعينهم فتراتٍ أطول أو “ظلال المستقبل” (كما هي محدّدة في نظرية اللعبة الدولية). وعلى المدى القصير، لا بدّ من أن يتناول القادة النتائج المهولة والمأساوية للجهود المبذولة سعياً لإرساء الديمقراطية بغياب أيّ تخطيط. وكالعادة، فإنّ السكّان المحليين هم من يعانون أكثر من غيرهم نتيجة “الجولات الرائعة” وقصور السياسة والقيادات الدولية.

 ماوريتسيو جيري

معهد واشنطن