الشرق الأوسط في حالة اضطراب من ميدان التحرير إلى داعش

الشرق الأوسط في حالة اضطراب من ميدان التحرير إلى داعش

x01POLLACK-master675-v2.jpg.pagespeed.ic.c-GjpP9yNY

في كتابه حول الربيع العربي بالشرق الأوسط بعنوان “A Rage for Order” “تنظيم الغضب العارم”، يوضح “روبرت ورث” مؤلف الكتاب، حالة اضطراب الشرق الأوسط من ميدان التحرير وصولا لتنظيم داعش، حيث يتناول قصة الربيع العربي بداية من عام 2011، والدراما التي صاحبته منذ بدايته حتى الآن، حتى تحول إلى استبداد طاغ وحرب أهلية، ويتناول الكتاب الدرامي المكتوب بشكل رائع فصولا لاذعة تناسب الموضوع.

و”ورث” هو مراسل سابق لصحيفة “نيويورك تايمز”، وعاصر مرحلة الربيع العربي، وقدم العديد من القصص الصحفية لأشخاص حوصرت أرواحهم أثناء الثورات.

ومن خلال مجموعة من المقالات القصيرة، يرى القارئ بعين الطائر قوة التاريخ من خلال قصص لأشخاص بسيطة عاصرت الثورات بمختلف مراحلها من وجهة نظر علم النفس البشري.

ورغم أن العلماء والخبراء وصانعي السياسات ناقشوا كثيرا أحداث الربيع العربي بالشرق الأوسط فإن الشعوب نفسها التي ضاقت من عقود الحكم القاسي والنظم الاجتماعية التي لم تعد تتلاءم مع العالم الذي يتجه نحو العولمة لديها الكثير لترويه، فهم من خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، وكما تُظهر قصص “ورث” فقد كانوا متحدين في معارضة النظام القديم، حتى إسقاطه.

وكان هذا هو تاريخ الثورات، فإسقاط النظام القديم غالبا ما يكون الجزء الأسهل حتى ولو كان ليس من السهل حدوثه لكنه إنجاز نفسي على الأقل، فقد خسر مبارك أعصابه، وقال إنه لم يأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، ونحن لا نعرف لماذا؟ ولكن يبدو لأن الجيش نفسه كان يريد تحقيق امتيازات بعد رحيل مبارك.

وعاشت شعوب الشرق الأوسط مشاعر قوية من نشوة الثورات إلى ويلات الحرب الأهلية، حتى عادت من جديد الأنظمة البالية، وانهارت سوريا وليبيا واليمن حيث تعيش حاليا في حالة فوضى ولدت خوف الذي بدوره ولد العنف الذي صاحبه الانتقام والغضب، ومن ثم المزيد من العنف.

وتعيش البلاد الثلاثة السابقة في حالة من الفوضى، أما مصر فاختارت مسارا مختلفا، وفضلت العودة مرة أخرى للاستبداد لتجنب الحرب الأهلية (على الرغم من أن الحرب الأهلية تزحف بالفعل نحو المصريين من سيناء وليبيا) فقط تونس التي حاولت بشجاعة خلق ديمقراطية، لكن ما زال الطريق طويلا لتقييم تجربتها.

ويثير “ورث” كل تلك التعقيدات من خلال تتبعه ببراعة مسارات حفنة من الشخصيات التي تشق طريقها وسط غموض أحداث تلك الثورات والغموض الذي أعقبها، من خلال بعض الشخصيات الشهيرة مثل محمد البلتاجي الإسلامي المعتدل، وراشد الغنوشي والباجي قائد السبسي، واثنين من القادة التونسيين، والبعض الآخر مجهول، وكويتي منشق من داعش.

وأقوى فصول الكتاب، الذي يتحدث عن قصة امرأتين سوريتين صديقتين، إحداهما من الطائفة العلوية الحاكمة، والأخرى سنية، ومع مرور الوقت ووقوع بلدهما فريسة للحرب الأهلية اختلفت الصديقتان وأصبحتا عدوتين.

ويبدد كتاب “ورث” التفسير الغربي حول مشاكل الشرق الأوسط بأنها نتيجة ترسيم حدود خاطئ أو مشاكل عرقية، فوفقا لرؤية “ورث” فإن الحرب الأهلية مثلها مثل غيرها من المناطق بسبب الفوضى والفتنة، سواء بين السنة والشيعة في العراق، أو السنة والعلويين في سوريا.

فالعنف هناك بغرض الانتقام واكتساب مزيد من القوة من خلال سفك مزيد من الدماء، وكم من رجال ونساء فقدوا ذويهم بسبب تلك الحرب الأهلية الطاحنة.

وبالرغم من تلك الفوضى، فقصص “ورث” المتداخلة، بهدوء ولطف، تسمح للقارئ بفهم تعقيد الموقف في الشرق الأوسط، فأمام الغضب السوري العارم، هناك صداقات في تونس وقفت ضد سماسرة السلطة في تونس، ويظهر بوضوح التناقض بين نجاح الغنوشي النسبي في تونس والفشل الذريع للبلتاجي في مصر، وهو ما يجعل الأمر في ذهن القارئ كأوركسترا مدهشة.

ويرسم الكتاب صورة دموية طبيعية للشرق الأوسط، فالحرب من الجميع ضد الجميع، مع مزيد من التأمل للحالة الإنسانية والحقائق الأساسية، وفي كتابه “A Rage for Order” ترتيب الغضب العارم، سوف تجد قصصا مذهلة، تروي بوضوح أسرار وتعقيدات الشرق الأوسط المضطرب والشعب الذي يناضل من أجل أن يجد طريقه لحياة هادئة.

نيويورك تايمز- التقرير