اتفاقية سواكن بين السودان وتركيا والتعاون في البحر الأحمر

اتفاقية سواكن بين السودان وتركيا والتعاون في البحر الأحمر

على الرغم من التداخل الدولي في سياسات الأمن في البحر الأحمر، فقد أثارت التطورات أخيرا في العلاقات التركية السودانية الجدل، من وجهة أنها تشكل تهديداً لمصالح بعض الدول، غير أن مناقشة السياق العام للعلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية في هذه المنطقة يمكن أن يلقي الضوء على طبيعة العلاقات السياسية ومستقبلها.
وقد شكلت زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، السودان المدخل الرئيسي لمناقشة بعض القضايا الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر، ليس بسبب أنها الأولى لرئيس تركي منذ استقلال السودان، ولكن لأنها ارتبطت بإحداث نقلةٍ نوعيةٍ في العلاقات التركية السودانية، من زوايا الاقتصاد والثقافة والتعاون الأمني، حيث عقدت تسع اتفاقيات في القطاعات الزراعية والصناعية والتحويلية، بجانب بناء مطار في الخرطوم، والخدمات الملاحية، ما يكشف عن دخول العلاقات حقبة جديدة تساند السياسة التركية في إفريقيا.
جغرافياً، يكتسب السودان أهمية باعتباره مدخلا لوسط أفريقيا. ومن هنا، يمكن تفسير الجدل بشأن التعاون السوداني التركي، باعتبار هذا التعاون متغيراً جديداً في السياسات حول البحر الأحمر، فقد لقي منح السودان تركيا حق إدارة جزيرة سواكن وتأهيلها الجانب الأساسي من الانتقادات والتعليقات، ليس فقط باعتبارها ضمن حزمةٍ من الاتفاقيات، ولكن من جانب ميراثها الجيو استراتيجي، استناداً إلى الصورة الذهنية والخبرة التاريخية لميناء سواكن مقرّا للحكم العثماني، وهو ما تناوله بعض وسائل الإعلام العربية، في سياقٍ يفيد بأن السياسة التركية تعمل على توطيد نفوذها في هذه المنطقة، لاستعادة الميراث التاريخي للدولة العثمانية، حيث اكتسبت أهميتها حاضرة تجارية في البحر الأحمر، لكن أهميتها الاستراتجية تدهورت، مثل مدنٍ كثيرة في الساحل الأفريقي، بعد الغزو الأوروبي للساحل الشرقي لأفريقيا.

وعلى الرغم من تركيز الحملات الإعلامية على المخاطر التي تشكلها الاتفاقيات التركية السودانية، تمكن ملاحظة أن جزيرة سواكن تصنف ضمن خليج داخل أراضي السودان، ولا تشرف على الممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر. وهنا أهمية النظر إليها، ليس ضمن السياق الأمني والعسكري، بقدر ما تشكل ارضيةً لتعاون واسع بين البلدين، يشمل التجارة والاقتصاد والزراعة والتسليح، وهو تعاونٌ يمكن أن يمتد أثره إلى الخدمات الملاحية في البحر الأحمر، وهو يرتكز بالأساس على إيجاد أوضاعٍ وميزاتٍ تنافسية، وليست صراعية.

التجارة وأمن البحر الأحمر
ومن هذه الوجهة، لا تختلف هذه الاتفاقية عن اتفاقية ميناء عدن، ومحاولات الاستحواذ على جزيرتي بريم وسقطرى (الإمارات العربية واليمن) ووجود قواعد عسكرية عديدة في جيبوتي وإريتريا. وبالتالي، يمكن تفسير التركيز على مخاطر بروتوكول سواكن، باعتباره واحدا من آثار قلق بعض الدول من النفوذ المتنامي لتركيا في الصومال والقرن الإفريقي، حيث تعمل حليفا للحكومة الصومالية، وداعما لها في مشاريع البنية الأساسية والتنمية والأمن.
وقد شهد الوضع الجيو ـ استراتيجي في البحر الأحمر تحولاتٍ جذرية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهت بحدوث تغيراتٍ في نظام الأمن الإقليمي، تزايد فيه نشر القواعد الأجنبية على نطاق واسع في جزئه الجنوبي، في جيبوتي وإريتريا، وصارت الإمارات العربية أكثر قرباً من المدخل الجنوبي والجزر الاستراتيجية، ما يشكل وضعا قلقاً للدول المشاطئة للبحر وشديدة التأثر بالتغيرات الإقليمية.

الاقتصاد والقرن الأفريقي
تكشف التطورات أخيرًا عن اتساع التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول القرن الأفريقي. تحاول تركيا توسيع سياستها في القرن الأفريقي، فإلى جانب التعاون الاقتصادي والعسكري، تعمل على تطوير الروابط الثقافية، بشكلٍ يعمل على توسيع العلاقات الاجتماعية والسياسية. يتضح ذلك في توجهات تركيا في دعم السلام والاقتصاد في الصومال، ومساندة حكومتها، حيث تتبنّى حزمة من السياسات، تجمع ما بين الأمن والتنمية لمعالجة آثار الحرب الأهلية وتفكّك الدولة. امتدت هذه السياسة إلى إثيوبيا، حيث تنامت العلاقات الإثيوبية ـ التركية مع بداية الألفية الثالثة، حيث حدث فيها تسارع، وساهمت الطفرة الاقتصادية، عشر سنوات، في زيادة كثافة هذه العلاقات في الجوانب السياسية والاقتصادية.
وتوضح مؤشرات التجارة الخارجية بين إثيوبيا وتركيا تنامي العلاقات التجارية والصناعية والزراعية، فقد تضاعف حجم الصادرات الإثيوبية لتركيا من 5.6 ملايين دولار (2002) إلى 68 مليون دولار (2014)، كما بلغ حجم التبادل التجاري 467.69 مليون دولار (2014). وعلى الرغم من محدودية حجم التجارة بين البلدين، ارتبط تدفق الاستثمار التركي المباشر إلى إثيوبيا بتحسن العلاقات السياسية، ووجود ميزات أخرى، كارتفاع معدل النمو الاقتصادي في إثيوبيا، ونمو قطاع الخدمات المالية والتسهيلات الضريبية ورخص العمالة، ومن بين 165 مشروعا استثمارياً، امتلك المستثمرون الأتراك 37 مشروعا، و52 مشروعا بالشراكة مع إثيوبيين، وهي مشروعات في مجال الزراعة والصناعة التحويلية والنسيج والمقاولات.
وفي مصر، هناك تحسّن في التبادل التجاري بين إثيوبيا والسودان، ومن اللافت أن تحسّن التبادل مع تركيا رافقته، في الفترة الأخيرة، تهدئة سياسية، وهو ما يمكن اعتباره مؤشراً إيجابيا على إمكانية تطوير علاقات استراتيجية، حيث يأخذ تطور حجم التجارة الخارجية بين مصر وتركيا الاتجاه نفسه مع تذبذبٍ قليلٍ في العام الحالي، لكنه يشهد تحسنا بشكل عام. لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للسعودية وتركيا، حيث تتوزع العلاقات الاقتصادية على جانبي الاستثمار والتجارة الخارجية، وبمعدلات تتماثل مع حجم التجارة بين تركيا ومصر.

مصر والقرن الأفريقي
وباستثناء الحملات الإعلامية غير المفهومة، ذهبت غالبية تقييمات الخبراء إلى أن التعاون بين السودان وتركيا ليس موجها ضد مصالح دولة أخرى، ولا ضد مصر، حيث تتبلور المصالح المشتركة في وقتٍ ينخفض فيه التوتر السياسي. لعل المشكلة الأساسية هنا، تكمن في التداخل بين الإعلام والسياسة، فبينما تسير الدبلوماسية نحو تفعيل المسارات السياسية، تبدو مواقف الإعلام في اتجاه فتح أفق الصراع.
وعلى الرغم من كثافة المصالح الحيوية، لم تتخذ العلاقات المصرية ـ السودانية نمطاً واحداً في السياسة الخارجية للبلدين، فقد اتسمت هذه العلاقات، منذ 1958، بالمد والجزر، وتراوحت بين التعاون والصراع، بصورة يصعب معها تفسير التغير فيها، سوى وجود حزمة من المصالح كوابح أساسية تمنع من التمادي في الصراع. في الوقت الراهن، هناك تصعيدٌ بشأن النزاع على منطقة حلايب، وتسعى مصر إلى تثبيت سلطتها الفعلية على الإقليم، فيما يكتسب النزاع بعدا وطنياً من المنظور السوداني، فلم يعد الاهتمام بهذه المسألة مقتصرا على الحركة المهدية وحزب الأمة، لكنها صارت ضمن أولويات الحكومة ذات الخلفية الإسلامية، فيما يضعف تيار الاتحاديين. ويبدو، هذه المرة، أن مشكلة حلايب تأخذ أبعادا مختلفة، لكنها تظل الإطار في المعتاد للعلاقات الثنائية منذ اندلاع النزاع مرة أخرى في 1990.
ومن جهة أخرى، على الرغم من تفاقم أزمة سد النهضة والخلافات السياسية والقانونية، ومضي إثيوبيا، كشفت السنوات القليلة الماضية عن توجه مصر نحو تفضيل التعاون مع إثيوبيا، وتسوية المشكلات المائية بالطرق السلمية والاعتراف المتبادل بالحقوق الحيوية للشعبين؛ المصري والإثيوبي. وقد عكست زيارة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) عن الرغبة في تطوير العلاقات السياسية، وبشكل يتوافق مع التوجهات السياسية نحو القرن الأفريقي.
وكما تلقى السياسة المصرية مزايا الموقع الجغرافي في البحريْن، المتوسط والأحمر، فإنها تحاول التكيف مع أعبائه في نهر النيل، باعتبارها دولة مصب. وعلى الرغم من الأهمية الحيوية لمنطقة حوض النيل، لم يكن الحفاظ على المصالح الجنوبية في أولويات التخطيط السياسي، ما أدّى إلى صعوبة التكيف مع التحديات الآتية من الجنوب. ولتقليل أثر هذا العبء، وهذا ما يرتبط بالقدرة على تطوير التعاون مع منطقة حوض النيل، والخروج بتفاهم واضح حول مسألة المياه.

تحويل الصراع
ومنذ 2011، ساهمت التغيرات السياسية في الشرق الأوسط في ظهور عملياتٍ جديدةٍ، لإعادة تشكيل النفوذ في القرن الأفريقي، وقد تمثلت هذه الأعباء في صعوبة (أو تباطؤ) تكيف بعض الدول مع تسارع الأحداث، فقد ارتبطت تطورات التنافس الدولي على البحر الأحمر بسياسات السيطرة على الموارد الطبيعية وخطوط التجارة الدولية، غير أن ظهور أنماطٍ من الشراكات الاقتصادية والتجارية يساهم في تحويل الصراع الإقليمي. ولذلك، تبدو أهمية شبكات المصالح التجارية والاقتصادية في ترقية التعاون السياسي، وخصوصاً أنه على الرغم من كثرة التغيرات والهزّات السياسية، فالخلافات بين مصر والسودان وإثيوبيا وتركيا لم تؤد إلى وقف التعاون الاقتصادي، أو قطع العلاقات الدبلوماسية، وهذا ما يشكل إطارا وبيئة ملائمة لتسوية النزاعات، كان ثمة ميل واضح إلى الوسائل السلمية، بعد مرورها بحقبةٍ من الحروب الأهلية، أو أزماتٍ داخلية.
وقد كشفت تجارب السنوات الماضية عن صعوبة بناء تحالفاتٍ مغلقة، حيث تتقاطع مصالح الدول بشكلٍ يصعب معه حدوث انقطاع كامل في العلاقات بين أي دولتين. يتضح ذلك في النتائج المترتبة على الأداء المتواضع لـ”التحالف العربي” في الحملة العسكرية في اليمن، أو في سياسات الحظر وقطع العلاقات مع دولة قطر، فعلى الرغم من اندلاع الأزمة الخليجية، لم تتدهور العلاقة بين تركيا من جهة والسعودية ومصر من جهة أخرى. وظلت كل الأطراف تحاول الاحتفاظ بمخزون استراتيجي من المصالح المشتركة. وهذه نقطة مهمة، تعكس صعوبة التخلي كليا عن الميراث المشترك بين هذه البلدان، فالميراث التاريخي للعربية السعودية يجعلها أقرب إلى التعاون في مسار تصحيحي للعلاقات الإقليمية، بعد خوضها صراعاتٍ مازالت نتائجها غير متناسبة مع الأعباء والمخاطر المترتّبة عليها.

ظهرت مؤشراتٌ تعزّز إمكانية إعادة تقييم السياسة الخارجية، بالاستفادة من تقارب المواقف تجاه قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، واستقرار الوضع السياسي في تركيا وتجاوزها مرحلة التقلبات العنيفة التي شهدها عام 2016، ودخول مصر على انتخابات رئاسيةٍ تخفّض من حدة الصراع على السلطة. تتلازم هذا التطورات مع ملاحظة أن الخطاب السياسي المتبادل، بين الدول الثلاث، يعكس وجود رغبةٍ في التهدئة والمساهمة الإيجابية في تسوية المشكلات الإقليمية، خصوصا فيما يتعلق بإعادة تقييم الأمن والمصالح في البحر الأحمر. ولعل مضي هذه الدول في تجاوز المراحل الحرجة في القلق الداخلي يدعم فرص تقاربها في وضع إطار مشتركٍ، ينصبّ اهتمامه على تطوير العلاقات الاستراتيجية، واتباع الوسائل السلمية في تسوية المشكلات الثنائية. ومن ثم يشكل التعاون الإقليمي واحداً من الروافع المهمة لحل الصراعات الإقليمية.
وكما كان دخول الإمارات السياسات الإقليمية مصحوباً بتحفيز النزعة الصراعية، فإن دخول إيران مثير للصراعات الدينية، حيث تبدو أكثر اهتماما بالتحول إلى المذهب الشيعي الإثنى عشري، ما يشكل واحدا من مصادر التوتر في منطقةٍ تنتشر فيها المذاهب السنية، ولا تحظى بعلاقاتٍ مريحة مع أغلب دول القرن الأفريقي ومصر، كما لم تثبت الإمارات جدارةً في تحويل الصراع وتعزيز العلاقات السلمية، فقد ترافقت تدخلاتها بظهور حروبٍ أهليةٍ ـ طائفيةٍ غير منتهية، ومن ثم، فإن اندلاع هذا النمط من الصراعات في الشرق الأوسط يصرف الاهتمام عن القضايا الأخرى، ومن أهمها الاستقرار الداخلي. وهنا تبدو أهمية التقارب المصري ـ التركي في خفض حدّة الصراعات في المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الزخم في العلاقات التركية ـ السودانية لا يخرج عن السياق العام للسياسات الخارجية والتعاون الاقتصادي بين البلدان المركزية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وهي خطوةٌ مهمةٌ لبناء سياسات متناسقة تجاه مشكلات الحدود أو المياه، وهو ما يتطلب طرح أفكارٍ للسياسة الخارجية، تقوم على تضافر المصالح الاستراتيجية مدخلا لتعزيز التعاون، واستمرار العلاقات، ورفع قدرة الحكومات على امتصاص التوتر وضبط الصراعات. ولذلك، فإن تطوير استراتيجيات الأمن والاعتماد المتبادل في نطاق البحر الأحمر يقتضي الاهتمام بالعوامل المحفزّة للاستقرار والمصالح المشتركة.

خيري عمر
صحيفة العربي الجديد