حينما يسير المنصب الرئاسي نحوك: برهم صالح أنموذجًا

حينما يسير المنصب الرئاسي نحوك: برهم صالح أنموذجًا

 “إنني أعدكم بحماية وحدة العراق وسلامته”. هذا ما أعلن عنه برهم صالح عند أداؤه لليمين الدستوري رئيسًا لجمهورية العراق. فقد استقبلت الطبقة السياسية العراقية والجماعة الدولية خبر انتخاب مجلس النواب العراقي برهم صالح رئيسًا لجمهورية العراق بالترحيب الكبير، فهذه بداية واعدة لرئيس قادم من الطبقة التكنوقراطية يستند على نهج تصالحي. فما يُميز الرئيس الحالي للعراق عن باقي الشخصيات السياسية في العراق صراحته ووضوح موقفه. فقد تأثر برهم صالح بالمفاهيم الديمقراطية وقواعدها في الدول الغربية ونهل من تجربتها وآمن بأهدافها النبيلة محاولا أن ينقل تلك المفاهيم إلى العراق بعد عام 2003م إلا إن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية حالت دون ذلك. في جميع محطاته السياسية كان -ولايزال- برهم صالح  في نظر الجميع ذلك السياسي الأكثر انفتاحاً وعقلانية، والأكثر تحررًا وترفّعًا عن المشاحنات الجزئية، والأكثر قدرة على التواصل مع جميع المتخاصمين، المتسامي على التناحرات الطائفية والقومية في بلده العراق. والأهم، في نظره هو، أنه الأكثر قبولاً وحظوة لدى الدوائر السياسية ومراكز القرار العالمي، الأميركي والأوروبي.

وعلى الرغم من نظرة العراقيون إلى منصب رئيس الجمهورية العراق، على أنه شكلي إلى حد كبير، بسبب افتقاره إلى صلاحيات تنفيذية. لكن المتابعون للشأن العراقي، يقولون إنه يوفر مساحة كبيرة لمناورات سياسية مؤثرة. لذلك، ترتبط قوة منصب رئيس الجمهورية في العراق، بقوة الشخصية التي تشغله، وهو ما سوف يجسده الرئيس الحالي برهم صالح، حينما يُحول رئاسة الجمهورية، إلى مطبخ لحل الخلافات السياسية بين الفرقاء، وتجاوز الأزمات التي تواجه الطبقة السياسية.

وتنتظر الأوساط السياسية العراقية، أن يعيد برهم صالح لمنصب رئيس الجمهورية حركيته. ووفقا لمراقبون للشأن العراقي، فإن رئيس الجمهورية برهم صالح، ربما يطلب حضور بعض جلسات مجلس الوزراء العراقي، الذي يعمل عادل عبدالمهدي على تشكيله. ويتيح الدستور العراقي لرئيس الجمهورية مشاركة الحكومة في التداول بشأن القرارات السياسية والسيادية، لكنه لا يمنحه حق التصويت. وينص الدستور، كذلك، على أن السلطة التنفيذية تتكون من الحكومة ورئاسة الجمهورية. لكنه يقيد صلاحيات الرئيس ببعض المهام الشكلية.

ومع ذلك، يمكن لشخصية مثل برهم صالح، وبثقله السياسي الداخلي والخارجي، إنتاج التغيير الذي يحتاجه المشهد السياسي في البلاد. وبوجود صديقه القديم عادل عبدالمهدي، على رأس مجلس الوزراء، يتوقع مراقبون أن يحرص برهم صالح على بناء شراكة فعّالة مع الحكومة. من شأن هذه الشراكة مواجهة التحديات العراق التي يمر بها العراف وهي لا تعد ولا تحصى، والتي تتلخص بكم من المشاكل السياسية، وكثرة اللاعبين المحليين، ومعاناة شعبية جراء نقص الخدمات، وغياب الحلول، كما إن البنية التحتية الأساسية منهارة بشكل صادم في قطاعات الماء والكهرباء والصحة والتربية والتعليم والطرق والإتصالات، مع نقص الموارد، وتناقصها، والفساد المستشر، والتنافس السياسي، وعزوف الشركات العالمية عن الإستثمار، وبقاء التهديدات الأمنية بنسب متفاوتة، وهو مايحتاج الى تفاهمات صعبة مع الشركاء السياسيين، واللاعبين الدوليين والإقليميين. ومنع عودة ظهور “داعش. فالعراق محاصر من قبل دول إقليمية تراه ساحة لنفوذها، وسوقا لبضاعتها، وملعبا تلتقي عليه بخصوم كثر، ويتشارك هو وصديقه عبد المهدي تلك الهموم .فهذه الشراكة الفعالة إلى جانب الفطنة العالية التي يتمع بها برهم صالح رئيس جمهورية العراق سيجعلان واشنطن وطهران صديقتين للعراق. فالتجربة والثقافة السياسيتان لا تسمحان لهما بالمجازفة في مواجهة الولايات المتحدة، ولا بإدارة الظهر لرغبات الجمهورية الإسلامية. وهما يتمتعان بعلاقات مع كل الأطراف المعنيين بالشأن العراقي، في الداخل والخارج.

فبرهم صالح رئيس جمهورية العراق حريص على مستقبل العراق المبتلى بالأزمات والفواجع، فالرئيس مع علاقات حسن جوار مع إيران وتركيا، والجوار والعمق العربي، ويرى ضرورة عدم تكرار مآسي الماضي والانجرار نحو متاهات الشعارات الزائفة ويرفض  أن يكون العراق ساحة تصفية حسابات الآخرين، ويرى  أن مصلحة العراق وإقليم كردستان تكمن في علاقات متوازنة مع الجيران. فالعراق وفقٌا لرؤيته الثاقبة أحوج إلى تفاهم داخلي جدي وتوافق إقليمي لاستئصال هذا الورم الخبيث المتمثل بداعش وأخواتها، وهذا يتطلب حلا جذريا لمشكلات العراق الذي ينتقل من أزمة إلى أزمة أخطر.

 فبرهم صالح هو القادر في الحفاظ على ميزان القوى في الداخل العراقي، الذي يشكل  الخيط الدقيق الذي تقف عليه العملية السياسية في بغداد، عبر علاقاته الممتازة مع كل من طهران وواشنطن، للحؤول دون كسر هذا التوازن وإدخال البلاد في المحظور. وهو قادر على أداء هذا الدور، وسيطاً بين قوتين تخوضان صراعاً حاسماً. مما تقدم نستنج أن القيمة الأخلاقية والسياسية لمن يشغل منصب رئيس الجمهورية في العراق هو الذي يعطي المنصب الرئاسي الأهمية والمعنى، وهذا الأمر ينسجم تمامًا على برهم صالح رئيس جمهورية العراق.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

Print Friendly, PDF & Email