بعد الانسحاب الأمريكى المشروط.. أردوغان.. هل يعود للمربع الأول فى سوريا؟

بعد الانسحاب الأمريكى المشروط.. أردوغان.. هل يعود للمربع الأول فى سوريا؟

لايبدو أن هناك حدودا لطموحات الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى الجغرافيا السورية المعقدة والمتاخمة لها، فيوما بعد آخر، يتأكد للقاصى والدانى تآكل هذه الطموحات ، واحدا تلو الآخر، وهى طموحات سبق أن بشر بها مواطنيه بعموم الأناضول على مدى السنوات القليلة الماضية ، أولا بقرب سقوط نظام بشار الأسد الذى لم يحدث، ولاحقا بوأد وإبادة الانفصاليين الأكراد الذين يتلقون عونا ومددا من نظرائهم السوريين وهو أيضا لم يتحقق

فزيارة وفد أردوغان لموسكو نهاية ديسمبر الماضي، والذى ضم وزيرى خارجيته مولود تشاويش أوغلو و ووزير الدفاع خلوصى أكار إضافة إلى رئيس مخابراته هاكان فيدان، والمتحدث باسمه إبراهيم كالين، فشلت فى إصابة الهدف الذى من أجله تمت والدليل على ذلك هو أنهم عادوا لبلادهم بخفى حنين وفقا لما ذهب إليه الكاتب والصحفى البارز، ناظم داشتان.

ومن ثم كان على تركيا أن تتنفس الصعداء بإعلان دونالد ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، بيد أنها علقت آمالا عريضة وراحت تستعد لسلسلة من اللقاءات بواشنطن الشهر الحالى استعدادا لمرحلة ما بعد الانسحاب، معتقدة أنها باتت تقترب من هدفها المنشود ألا وهو القضاء النهائى على ما تصفهم بالميليشيات الكردية الإرهابية المسلحة.

غير أن الرياح العاتية، والمفارقة أنها أيضا أمريكية الصنع، عصفت بتلك الخيالات، وها هى تركيا الأردوغانية، تعود من جديد لحصد المزيد من الإخفاقات والإحباطات اليائسة فى أن تجد موطئ قدم راسخ ودائم فى شمال سوريا التى تشاركها حدودا تمتد لأكثر من 900 كيلو متر، وذلك على خلفية تصريحات إدارة ترامب والتى أثارت فزعا وسخطا، إذ بدت وكأنها تتراجع عما سبق أن كشف عنه.

فـ«انسحاب 2000 جندى أمريكى لن يكون سريعا، مؤكدة أن العملية ستكون بطيئة وذكية» هكذا غرد ساكن البيت الأبيض، زاد على ذلك ما قاله مستشاره للأمن القومى فقبل أن يصل أنقرة بساعات خلال زيارته لها مستهل يناير الحالى قال جون بولتون إن الولايات المتحدة ستجعل انسحابها من سوريا مرهونا بتطمينات تركية بشأن سلامة الاكراد، وإنها ترغب أيضا فى إجراءات لحماية قواتها عندما يتقرر خروجها.

عبارات بولتون، لم تأت من فراغ، وإنما جاءت فى أطار تأكيدات عكست بدورها التغير الحاصل فى الموقف الأمريكى، ومن جانب ثان عززت تصريحات سابقة لزميله وزير الخارجية مايك بومبيو، التى أعلن فيها إنّ بلاده تسعى لضمان «ألا يقتل الأتراك الاكراد وحماية الأقليات الدينية فى سوريا»، رافضا كذلك الإفصاح عن الجدول الزمنى المقرّر للانسحاب وذلك كى «لا يعرف خصوم» الولايات المتحدة «متى بالتحديد» سينسحب الجنود الأمريكيون من الأراضى السورية.

مفردات وقعت كالصاعقة على رءوس ساسة العدالة والتنمية الحاكم، والدليل على ذلك أنها ظهرت وكأنها تحذرهم بألا يتهوروا ويرتكبوا ما ارتكبوه أجدادهم العثمانيون فيما عرف بمذابح الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى.

وفى تماد لما وصف هنا من قبل مناوئو أردوغان بـ «الفرمان الأمريكى القاسى»، أكد ساسة واشنطن رفض الولايات المتحدة القاطع أى تحرك عسكرى تركى فى سوريا دون تنسيق كامل معها.

ورغم رفض أردوغان استقبال بولتون بل وتعنيفه له فإن بولتون وعلى ما يبدو لم يعر للأمر أدنى اهتمام بيد أنه عاد وأكد الجمعة الماضى فى مقابلة إذاعية أن الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو يدركان أن تركيا ملتزمة «بعدم الإضرار بالأكراد الذين قاتلوا معنا ضد تنظيم الدولة الإسلامية» وقال أيضا إن المحادثات بين مسئولين عسكريين أمريكيين ونظرائهم الأتراك حول الأكراد وسوريا ستتواصل الأسبوع المقبل على أمل التوصل إلى نتائج مقبولة من البلدين.

وهكذا تتسارع الأحداث لتفرز«خريطة مغايرة تضيف المزيد من التعقيدات على ما تحاول الحكومة التركية تحقيقه فى الساحة السورية، فالأكراد السوريون بدأوا يعدون العدة لما هو آت، بما فى ذلك احتمالات قلب الطاولة على الجار العثمانى المتنمر والذى ينتظر الفرصة لينقض على تحالفهم مع حزب العمال الكردستاني. أما عن المستجدات التى طرأت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، فكان أبرزها سعيهم لإبرام اتفاق سياسى مع الأسد بوساطة روسية وفى حال دخل مثل هذا الاتفاق حيز التنفيذ فإنه سيوحد مجددا أكبر منطقتين فى البلد الذى مزقته الحرب الدائرة منذ ثمانية أعوام، وسيترك منطقة واحدة فى شمال غرب البلاد فى أيدى المعارضة المناوئة للأسد والمدعومة من قبل أردوغان.

لكن الأهم أن الاتفاق المزمع « سيصون وضع الحكم الذاتى الذى يتمتعون به»، صحيح أن محادثات سياسية جرت العام الماضى فى دمشق، ولم يكتب لها النجاح إلا أن الحاصل حاليا ربما يشكل واقعا جديدا يمكن أن يدفع دمشق إلى الدخول فى حوار جاد بات الآن أكثر إلحاحا لكلا الطرفين اللذين سبق أن تجنبا إلى حد بعيد المواجهة فيما بينهما خلال الحرب الأهلية، بل وحاربا أعداء مشتركين فى بعض الأوقات واليوم ثمة عدو قد يجدان معا ذرائع مشتركة لمواجهته.

والسؤال الذى يطرح نفسه هو هل أردوغان فى طريقه إلى أن يعود للمربع الأول بالأزمة السورية؟

الأهرام

Print Friendly, PDF & Email