بعد سنوات من الحروب والفوضى.. هل لا زال في العراق ما يستحق القتال لأجله؟

بعد سنوات من الحروب والفوضى.. هل لا زال في العراق ما يستحق القتال لأجله؟

1

لسنوات، مشى “حامد منهل” عبر المقابر في وسط بغداد كل يوم تقريبًا لرعاية واحدة من عدد قليل من المقابر التي تم حفظها جيدًا. مقبرة خاصة تحيط بها شجيرات وسياج معدني صغير، هذا هو موقع دفن جيرترود بيل، الدبلوماسية البريطانية والمستكشفة التي لعبت دورًا كبيرًا في المنطقة قبل قرن من الزمان، عندما ساعدت على تكريس دولة العراق الحديثة.

تطوق المقبرة بعض الكنائس والمساجد والمباني الحكومية والطرق المختنقة بالسيارات على الضفة الجنوبية لنهر دجلة، والذي كان شريان الحياة في بغداد لأكثر من 3000 سنة، ولكنه في الآونة الأخيرة بات أقرب للخط الفاصل.

المنطقة الحكومية المحصنة المعروفة باسم المنطقة الخضراء تقع على ضفتيه الشماليتين. والتي أصبحت مقر قيادة العراق خلال آخر أزماته، المعركة ضد الدولة الإسلامية (داعش)، يتم التحكم ببغداد في هذا القطاع الآمن، المعزول من بقايا قصور وسفارات عهد صدام حسين. والذي نجا من التدمير البادي على باقي المدينة.

ويزعم المسؤولون العراقيون أن هذه حرب وجود، وأن الفوز سيكون للحفاظ على الحدود نفسها التي وضعتها بيل في عام 1921 بعد زوال الإمبراطورية العثمانية. من وجهة نظر حامد، 37 عامًا، يعتقد أن جزءًا كبيرًا مما حدث في العراق منذ ذلك الحين -وخاصة الاضطرابات الحالية- يجعل من حدود بيل حلمًا خياليًا لم يعد موجودًا اليوم. وإذا كان موجودًا، فهو لا يستحق القتال من أجله.

“يمكننا إلقاء اللوم على الإمبراطورية، والاحتلال، والأمريكان، والآنسة بيل، وإيران، وأيّ شخص نريد”، يقول حامد وهو يقف على طبقة رقيقة من التراب تحيط بها شواهد القبور المتناثرة وسط المقابر المنهارة. “ولكن الحقيقة هي أن الناس هنا لا يريدون أن يعيشوا معًا. وإلا لماذا نتصرف جميعًا مثل الحيوانات؟“.

انظر حولك: لا كهرباء، لا أمن، لا مستقبل. إذا أردت الماء لريّ الأرض هنا، لا بد لي من التسول من السفارة البريطانية. هذه البلد قد انتهت.

بعد سنة في الحرب ضد داعش، وأكثر من 12 عامًا منذ الإطاحة بصدام حسين، يراجع عراقيون آخرون حساباتهم الشخصية عن مكانهم داخل الأمة، هم في بحث دائم عن الهوية في جميع أنحاء البلاد، على ما يبدو أدى هذا الخلل الذي لا نهاية له إلى رغبة الجميع في الانضمام إلى تجمعات تشعرهم بمزيد من الثقة مثل القبائل والعشائر والطوائف.)2-17

“كان الوضع لا بأس به عندما كان هناك أمن“، يقول خليل خاطر، وهو لاجئ من بلدة تلعفر بشمال العراق، والذي أمضى أكثر من عام في كوخ قرب مدينة النجف الشيعية. وأضاف: “طالما كنا آمنين، كنا نتناسى أن بقية البلاد في حالة يرثى لها. الآن الجيش متناثر مثل الأوراق وسط الرياح، والعراق قُسّم إلى ثلاثة أجزاء”.

منذ عهد بيل وزميلها توماس إدوارد لورنس، الذي لعب أيضًا دورًا حاسمًا في تشكيل المملكة العربية المعاصرة، تجاوز العراق عصورًا من الاستعمار والملكية والاستبداد والحروب والاحتلال والفوضى. في جميع العصور الحديثة، كان دور بلاد ما بين النهرين -باعتبارها مهد الحضارة- ظاهرًا بشكل كبير، ولكن الكثير من الناس يقولون إن في حقبتها الأخيرة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الآن، لم تفعل الدول أيّ شيء في سبيل توحيد جماعاتها المختلفة.

3

“إذا كان كل ما لدينا هو بعض الخيول المجنحة من العصر السومري لتعبر عن هويتنا العراقية، فإن ذلك ليس الأساس لدولة”، يقول أحمد الربيعي، وهو حارس في المتحف الوطني العراقي، الذي يضم أكثرية الآثار التي لا تقدر بثمن، والتي لا تزال باقية بعد تدمير البلاد. “خارج هذه الجدران، لن تجد شيئًا تم بناؤه منذ الحكم البريطاني لتخليد ذكرى هذه البلد مثل كل الأشياء داخل هذه الجدران“.

في مكان ليس ببعيد عن المتحف، يقود محمد أمين عزت الأوركسترا الوطنية العراقية منذ سقوط بغداد في عام 2003. والتي كانت واحدة من المؤسسات الرئيسة في عهد صدام، والتي قاومت لتبقى رغم كل الظروف في حين سقطت مؤسسات أخرى من الدولة.

“نحن المؤسسة التي تمثل كل العراقيين، والتي لم تكن يومًا بوقًا لأحد“، يقول عزت. في عام 2012، والذي كان عامًا من الهدوء النسبي، قرر عزت تجميع الأوركسترا في ميدان عام ببغداد؛ ولعب سيمفونية جذبت المغتربين من جميع أنحاء العالم، كانت هذه لحظة نادرة، عندما تتخطى الثقافة مشكلات العراق وتوحده.

“أراد الناس أن يأتوا إلينا للتمتع بالموسيقى ونسيان ما يحدث في الشارع“، يضيف: “نحن العراقيين، نحب أن نعيش، ونريد السلام ولكن سبب مشاكلنا هم السياسيون الذين يريدون خلق الانقسام من أجل الحكم“.

عزت، الآسفُ على افتقاد بغداد لأي رموز خاصة بها مؤخرًا، يلجأ في بعض الأحيان لمقهى الشهبندر قرب حافة النهر، والذي كان ملاذًا للكتاب والشعراء والمطربين والرسامين لمدة 70 عامًا على الأقل. تملّك الحاج محمد المقهى لـ 51عامًا منهم، ويقع المقهى بجوار ساحة معرض الكتاب الذي كان يعقد كل جمعة طوال هذه الفترة.

تغطي جدران المقهى مجموعة من الصور التي تؤرخ تاريخ العراق الحديث، صورة ضبابية للآنسة بيل أثناء تتويج ملك العراق الأخير، الملك فيصل. هناك سياسيون في الكرنفالات الرياضية، رجال القبائل من الأهوار الجنوبية، وصور لخريجي المدارس الذين يبدو عليهم السعادة والفخر.

41

بجوار المدخل، هناك خمس صور حديثة لأبناء الحاج محمد الذي قضوا نحبهم في انفجار سيارة ملغومة ضخمة استهدفت سوق الكتاب قبل 8 سنوات.

“هذا هو كل ما تبقى لدينا“، قال الحاج محمد، “كل من حولنا هو تاريخ“، مشيرًا إلى ذكرياته المؤطرة في البراويز، بينما وقف الزبائن أمامه لدفع ثمن أكواب الشاي. هذه ليست فقط ذكريات العائلة؛ بل المجتمع بأسره.

“كل ما كنا نعرفه تلاشى منذ الاحتلال الأمريكي، لقد شعرنا أننا جردنا من ملابسنا. لم أعد أرى أي شخص يشتري الكتب أو حتى المنسوجات بعد الآن. لم نعد نعرف ما هو آت بالنسبة لنا، أو متى. في الخمسينيات، لم نكن نعيش فقط، بل كنا ننافس بقية العالم“.

معرض الكتاب في شارع المتنبي لم يعد شعبيًا كما كان. قديمًا كان يمكنك أن تشتري كل أنواع كلاسيكيات الرواية بالقليل من المال، الآن تبدو النصوص الدينية والكتب المصورة أكثر وفرة، خصوصًا في منتصف الأسبوع من فصل الصيف عشية شهر رمضان. “ولكن، لن تجد أي شيء آخر مثلما كان“، يضيف الحاج محمد: “لا بد لنا من حمايتها“.

في قصر على حافة المنطقة الخضراء، كان الجنرال عبد الأمير السماري، الرجل المسؤول عن حماية بغداد، متفائلًا. لم تكن هناك انفجارات كبيرة في العاصمة لمدة 10 أيام، المعركة في الأفق تسير على نحو أفضل في الآونة الأخيرة. يقول الجنرال إن قوات أمن الدولة لعبت دورًا كبيرًا في تحسين الوضع؛ إلا أن المساهمين الرئيسين كانوا الميليشيات التي تعمل جنبًا إلى جنب مع الجيش.

 5

قادة أمن العراق يؤيدون إلى حد كبير حركة الميليشيات، والمعروفة باسم قوات التعبئة الشعبية أو محليًا باسم الحشد الشعبي. ويعتقد أن عددهم يصل إلى 200 ألف مقاتل، وشكليًا، هم تحت سلطة مكتب رئيس الوزراء. معظم المجموعات من الشيعة. ويعتمدون مباشرة على إيران، وأصل حركتهم يعود لدعوة من آية الله علي السيستاني لحمل السلاح في يونيو الماضي، وهو رجل الدين الشيعي العراقي الأعلى.

“من يناير إلى يونيو من العام الماضي، كنا معزولين وحدنا” يقول السماري، في الوقت الذي كانت فيه وحدات من الجيش تحاصر من قِبَل قوات داعش بشكل متزايد على المشارف الغربية لبغداد. “ثم جاءت فتوى المرجع (أعلى سلطة دينية شيعية في العراق)؛ بمجرد أن حدث ذلك، كان الشارع كله معنا“.

في الشهر الماضي، عندما انسحب الجيش العراقي من الرمادي، وسيطرت داعش تمامًا على المدينة، تم إرسال الميليشيات لتحاصرها. وكان ذلك قد حدث من قبل بالفعل في معارك أصغر في أماكن أخرى من البلاد في وقت سابق هذا العام. عندما تفشل الدولة، تتدخل القوات الموازية في المعركة.

يعترف السماري أن الجيش العراقي نادرًا ما كانت له اليد العليا ضد داعش، ولكن التعاون بينه وبين الميليشيات آخذ في التحسن. صحيح أن الكثير من الانقسامات التي حدثت أضعفت من معنويات الجيش. لكننا نتجنب القوى التي تعمل كوحدات منفصلة ونحاول توحيدها. وهذا ما بدأ يحدث بالفعل.

مخاوف الصراع على السلطة بين القوات الحكومية المتعثرة والميليشيات غير النظامية الصاعدة تؤرق قادة الأجهزة الأمنية، كما كانت تفعل دائمًا لكثير من السياسيين في العراق.

 6

“أي قومي حقيقي يجب أن يؤمن بأن الجيش هو أقوى جزء من أمن الدولة”، يقول السماري. “كل من يقول خلاف ذلك متوهم“.

وردًا على سؤال حول شكاوى أهل السنة في العراق، الذين فقدوا السلطة عندما أطيح بصدام، بأن المليشيات قد وحدت من الطائفة المنافسة للسيطرة على البلد؛ رد السماري: “متى سيتقبل السنة خسارتهم؟“.

على الجانب الآخر من بغداد، في منطقة الغزالية، حذر زعيم أكبر قطاع سني في البلاد من خضوع الدولة. وقال قتيبة الفلاحي، المتحدث باسم الوقف السني، إن العملية السياسية الفاشلة هي التي ألقت سنّة العراق على الهامش؛ مما سمح لداعش بالادعاء أنها تمثلهم وتطالب بحقوقهم.

“الأنبار باتت خارج سيطرة الدولة، والأكراد ليسوا مهتمين في كونهم جزءًا من العراق كما كانوا قبل قرن من الزمان“، ويضيف: “الجميع تقريبًا يريد شكلًا من أشكال الفيدرالية. إنهم يريدون تلبية احتياجاتهم الأساسية. الحل يكمن في الحكم الذاتي الحقيقي والسلطة للمحافظات“.

في الفلوجة، على بعد 20 ميلًا إلى الغرب من بغداد، وهي أقرب مدينة إلى العاصمة يسيطر عليها الجهاديون، طبيب محلي يستخدم اسم “أبو صالح” قال: “أمل استمرار سيطرة الدولة قد تبخر تمامًا”.

“ليس لديّ الثقة في الحكومة، السنة أو الشيعة“، وأضاف: “هم الذين تركونا في هذا الوضع الذي نحن فيه الآن. غالبية الناس في الفلوجة ليست مع داعش، ولكنهم متعبون وخائفون من الجيش. على الأقل لديهم منازلهم الآن، ويمكن لأطفالهم الذهاب إلى المدرسة”.

وأضاف: “إنهم لا يريدون أن يتسولوا في الشوارع أو يتوسلوا إلى الحكومة لتسمح لهم بالذهاب إلى بغداد. لو كانت لدينا عشائر سنية تستطيع اقتحام المدينة ومحاربة داعش لشعرنا بالمزيد من الأمان“.

يزيد الفلاحي على كلامه: “محنة اللاجئين من الأنبار أظهرت لنا بالفعل مكانة الطائفة السنية الأوسع في نظر الدولة“.

“كلنا تم تصنيفنا كداعمين لداعش، نحن في حاجة إلى الحكومة للنظر إلينا مثل البشر. هناك لاجئون من الرمادي يجلسون على أبواب بغداد دون أن يسمح لهم بدخولها، كبار السن، والأطفال والمرضى يعيشون في خيام في هذه الحرارة لأنهم لا يثقون بنا. سيكون من الأفضل إذا عاد الأمريكيون إلى العراق من جديد. نحن لا نستطيع إدارة البلاد بأنفسنا“.

الجارديان – التقرير