اتخذ قرارات كارثية ومريبة.. يوم أصبح الأميركي بريمر حاكما للعراق

اتخذ قرارات كارثية ومريبة.. يوم أصبح الأميركي بريمر حاكما للعراق

لعل الأبيات الشعرية -التي ودع بها الحاكم المدني بول بريمر العراقيين ليلة رحيله في 28 يونيو/حزيران 2004 معلنا أن بلدهم أصبح ذا سيادة- لم ترمم صورته لديهم، ومازالوا يذكرونه بعد سنوات بمزيد من الشتم والسباب.
ورغم أنه لم يكن إلاّ ترسا صغيرا من منظومة كبرى هي الإدارة الأميركية التي تحمل الرؤية والقرار، فإنه بنظر أبناء الرافدين يحمل الوزر الأكبر للقرارات التي ما برحوا يدفعون ثمن أوزارها حتى الآن.

التجربة لم تكن سهلة لدى الدبلوماسي الأميركي الذي كلفه جورج بوش الابن بمهام الإدارة في العراق بعد احتلاله عام 2003.

تسلم بريمر عمله خلفا للجنرال المتقاعد جي غارنر حاكما للبلاد في مايو/أيار من العام نفسه، وكانت تحكمه نزعة من الأنفة والتسلط بحسب العاملين معه الذين كان يذكرهم عند اختلافه معهم أن بإمكانهم الاستقالة أو العودة لمنازلهم، فهو من عينهم.

ويعد بريمر المهندس الأول لنظام المحاصصة الطائفية في العراق باختياره مجلسا مكونا من سبعة مساعدين من الشيعة والسنة والأكراد لإدارة الحكم آنذاك.

لم يكن الوفاق عنوان العلاقة مع معاونيه السبعة، فقرر توسعة المجلس فيما بعد بإضافة آخرين، ليكون قوامه 25 عضوا بأغلبية شيعية، وأطلق عليه “مجلس الحكم الانتقالي”.

اجتثاث البعث
يشير الحاكم المدني في كتابه “عام قضيته في العراق” إلى أن الإدارة الأميركية أبلغته بقرار اجتثاث البعث قبل التحاقه بوظيفته في بغداد، بعد أن أطلعه وكيل وزير الدفاع دوغلاس فيث على مسوّدة خاصة بـ “اجتثاثه من المجتمع العراقي”.

وكان مرسوم قد صدر حينها يستهدف نحو عشرين ألفا من عناصر البعث ضمن مناصب قيادية معينة. ومازال البعث محظورا إلى الآن ولا يسمح بتداوله أو الترويج له ويشمل من هم بدرجة عضو فرقة فما فوق.

حل الجيش السابق
وفي ذات الكتاب يعترف بريمر بأن “الجيش العراقي ليس كله سيئا، فالعديد من العراقيين خدموا بشرف منذ أجيال في القوات المسلحة” لكن جميع القوى الممثلة في مجلس الحكم أجمعت على حله.

وإثر حل الجيش وقع انفلات أمني لم يشهد له مثيل نتيجة انخراط أغلب عناصره في المقاومة ضد المحتل لإحساسهم العميق بالحيف والضياع في العهد الجديد، مما كبد الجيش الأميركي خسائر فادحة لم يعترف بها إلا بعد سنين.

ويرى الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود أن الولايات المتحدة ومندوبها وضعا أسس الفساد وإشاعة الفوضى وتحطيم مؤسسات الدولة، كونها لا تفقه شيئا عن المجتمع العراقي وطبيعته النفسية.

وفي حديثة للجزيرة نت أكد محمود أن “الإدارات الاتحادية المتعاقبة منذ 2005 لم تنجح في إعادة بناء تلك المؤسسات وتفعيلها بحرفية، وما تعانيه المؤسسة العسكرية من إشكاليات معقدة في هيكليتها وقيادتها دليل دامغ على ذلك.

قرارات مريبة
ومن ضمن القرارات المريبة -التي اتخذها بريمر- حل الكيانات العراقية والاحتفاظ ببياناتها، والإجهاز على شركات ومؤسسات وهيئات وتشريد الآلاف من موظفيها الذين اعتبروا موالين للنظام السابق وتركوا يواجهون مصيرا مجهولا سنين متعاقبة، من أهمها هيئة التصنيع العسكري.

كما أقدم على استحداث تشكيلات جديدة للقوات العراقية -بعد حله للوزارات والأجهزة الحساسة بالدولة- كوزارة الدفاع والإعلام وجهاز المخابرات والأمن القومي والقوة البحرية والجوية والمحاكم الخاصة وغيرها من الأجهزة التي حافظ عليها العراقيون منذ أزمنة بعيدة.

واستمرت فترة حكمه 13 شهرا أصدر خلالها أكثر من مئتي تشريع وقانون ما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن وفق الخبير القانوني أمير الدعمي الذي أكد للجزيرة نت أن إعلان العراق منطقة حرة رغم أن البلد غير مستعد “خلف نتائج كارثية على الاقتصاد الوطني وساعد على تهريب العملة وألغى قانون مقاطعة إسرائيل”.

كما أشار الخبير القانوني طارق حرب أن إلغاء قوانين بريمر سيدخل البلاد في فراغ تشريعي كبير لأن الكثير من مؤسسات الدولة تعمل بموجبها، كالبنك المركزي ومجلس القضاء الأعلى ومكاتب المفتشين العموميين.

فضائح أبو غريب
صور التعذيب من سجن أبو غريب التي نشرت في برنامج 60 دقيقة الذي تعرضه قناة “سي بي أس” الأميركية من داخل أكبر سجن في “عراق ما بعد التحرير” وهي تظهر الجنود الأميركيين يمعنون في تعذيب وإهانة السجناء العراقيين بأساليب مروعة بشعة.

ولم يكن لبريمر حينها موقف إزاءها، غير مناقشته للقضية مع مجلس الحكم الذي لم تكن له ردة فعل إزاء الفعل المريع، بل إن البعض منهم شكك بما تم نشره وتداوله متحدثا عن الرعاية التي ينعم بها السجناء هناك.

واتهم الإعلام بحياكة وافتعال القضية برمّتها، وكانت قناة الجزيرة وشبكة “بي بي سي” البريطانية في مقدمة المتهمين، وخلص الأمر إلى إدانة متواضعة ومطالبات ضبابية لا تتواءم وحجم الحدث في أدنى مستوياته.

الجزيرة