بعد الحشد العسكري في الخليج… هل يتكرر سيناريو “تونكين 2” مع إيران؟

بعد الحشد العسكري في الخليج… هل يتكرر سيناريو “تونكين 2” مع إيران؟

في الثاني من أغسطس (آب) عام 1964 هاجمت قوارب البحرية الفيتنامية المدمرة الأميركية مادوكس، التي كانت جزءا من مجموعة قتالية تم نشرها في خليج تونكين، الواقع بين الصين وفيتنام، لإجراء استطلاع واعتراض الاتصالات الفيتنامية الشمالية. اندلع وقتها صراع بين الطرفين، وتبادلا إطلاق النار ما أسفر عن مقتل أربعة بحارة فيتناميين وإصابة ستة آخرين.

الأحداث والتطورات الخاصة بحادث خليج تونكين، الذي تطور إلى شن الولايات المتحدة ضربات جوية على شمال فيتنام، تتضمن تشابهات كبيرة مع المشهد الحالي في الخليج العربي وتحديدا بين إيران وخصومها الغربيين، والذي تطور بين عشية وضحاها من الصدام بين إيران والولايات المتحدة ليشمل بريطانيا.

انطوى الصدام الأول مع واشنطن جزئيا على ناقلات النفط في مضيق هرمز وبحر عمان، إذ وقعت أولا حوادث تخريب في منتصف مايو (أيار) الماضي، لأربع ناقلات سعودية وإماراتية ودنماركية، ثم تطور إلى استهداف ناقلتي نفط أخريين، أحدهما نرويجية وأخرى يابانية، في بحر عمان في الثالث عشر من يونيو (حزيران)، يشبه سابقه، ويتخذ تلك الطريقة القديمة التي استخدمتها الدولة الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي خلال حرب الخليج الأولى. ثم جاء احتجاز قوات البحرية البريطانية لناقلة النفط الإيرانية (غريس1) قبالة سواحل جبل طارق، المنطقة التي تقع تحت السيطرة البريطانية، خلال محاولتها نقل نفط إلى سوريا ليدخل طرف جديد في المعادلة.

عقب ذلك الحادث الذي وقع مطلع يوليو (تموز) الحالي، تصاعدت التوترات بين لندن وطهران لتخطف الزخم من التصعيد القائم بالفعل بين واشنطن وطهران. فسرعان ما خرجت التهديدات الإيرانية للمملكة المتحدة، وغرد القائد في الحرس الثوري الإيراني محسن رضائي بالاستيلاء على ناقلة نفط بريطانية ما لم تفرج بريطانيا عن الناقلة الإيرانية، وفي المقابل، أعلنت المملكة المتحدة أنّها ستعزز موقتا انتشارها العسكري في الخليج عبر تقديم موعد تناوب مقرر بين سفينتين حربيتين في المنطقة.

وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية “إنّ (إتش إم إس دنكان) التابعة للبحرية الملكية البريطانية ستنوب عن (اتش ام اس مونتروز) الموجودة حالياً، من أجل ضمان الحفاظ على حرية الملاحة”.

تصاعد حدّة التوتر في مضيق هرمز، الذي يشكل معبرا بحريا لثلث النفط الخام العالمي، نتيجة وقوع حوادث ناقلات النفط السابقة، فضلا عن إسقاط طهران لطائرة مسيّرة أميركية، بالتأكيد ينظر إليه على أنه قرع لطبول الحرب، جنبا إلى جنب مع الحادث الأخير إثر محاولة البحرية الإيرانية منع عبور ناقلة نفط بريطانية عبر المضيق لتطلق سفينة “مونتروز” التي جاءت للنجدة بعد “تحذيرات شفوية” للزوارق الإيرانية لكي تتراجع، يدفع إلى مضاهاة تاريخية لحادث خليج “تونكين”، كما يمكن أن يحمل سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب.

خليج تونكين 1964

بالعودة إلى ستينيات القرن الماضي وعقب الصدام الأول في خليج تونكين، وبينما أعلن فريق الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي ليندون جونسون آنذاك مشاورات بشأن كيفية الرد، ترددت أنباء عن وقوع هجوم آخر.

وبحسب “لورانس كورب”، الزميل البارز لدى مركز التقدم الأميركي، الذي خدم كمساعد لوزير الدفاع الأميركي بين عامي 1981 و1985، فإنه في الساعة 9 من صباح 4 أغسطس 1964، جاءت رسالة من المدمرة “مادوكس” أنه على أساس معلومات الرادار واتصالات تم اعتراضها، فإن السفن والطائرات الفيتنامية الشمالية تستعد لشن هجوم آخر بعد ذلك بساعتين، زعمت المقاتلة أنها تعرضت بالفعل لهجوم من قبل طوربيدات فيتنام الشمالية، وهي المزاعم التي تراجع عنها قبطان مادوكس في نهاية المطاف.

ويشير إلى أنه في تلك الليلة نفسها، تحدث الرئيس الأميركي ليندون جونسون، في التلفزيون لوصف الأمر للشعب الأميركي، وأعلن أنه انتقاما عن هذه الهجمات، فإنه أطلق هجمات جوية على قواعد القوارب الفيتنامية الشمالية ومرافق تخزين النفط. وفي اليوم التالي طلب الرئيس من الكونغرس تفويضا لاستخدام جميع الوسائل اللازمة للتعامل مع تهديدات فيتنام الشمالية.

واستخدمت إدارة جونسون قرار الكونغرس، الذي تم إقراره في 7 أغسطس 1964، بتصويت بالإجماع في مجلس النواب وصوتين سلبيين فقط في مجلس الشيوخ، لبدء حرب جويّة وبرية ضخمة على فيتنام الشمالية والتي سجلت بداية حرب استمرت عِقدا آخر.

جونسون لم يكن يرغب في الحرب

اللافت أن جونسون نفسه لم يكن متحمساً لشن حملة القصف، فبحسب “كورب” فإن الرئيس الأميركي آنذاك، انتقد فريق الأمن القومي التابع له في أربع مناسبات بشأن الأمر. ومع ذلك، شعر أنه يتعين عليه اتخاذ هذا الإجراء بعد أن أصبحت أحداث أغسطس علنية في خضم الحملة الرئاسية لعام 1964، التي حث فيها خصمه السيناتور الجمهوري باري جولد ووتر بضرورة الرد العسكري القوي على هجمات فيتنام الشمالية. علاوة على ذلك، كان العديد من أعضاء النخبة في السياسة الخارجية يشعرون بالقلق إزاء سقوط فيتنام بالكامل أمام الشيوعيين، مما يعني وفقاً لنظرية الدومينو أنه بمجرد سقوط فيتنام ستنتشر الشيوعية إلى بقية جنوب شرق آسيا.

ويقول كيه فابيان، السفير كالاريكال فابيان الذي عمل مستشارا في إيران بين عامي 1976 و1979، “إنه من الصعب عدم التكهن بأننا نشهد تكراراً لـ”حادثة خليج تونكين” عام 1964، التي استخدمها الرئيس جونسون كذريعة لإرسال قوات إلى فيتنام، وهي الحرب التي خسرتها الولايات المتحدة وراح ضحيتها نحو 3 ملايين فيتنامي وأكثر من 57 ألف جندي أميركي، بحسب مجموعة بريتانيكا”.

ومع ذلك عند مقارنة الظرف السياسي داخل الولايات المتحدة، في كلا الحالتين نجد أنه بينما شن جونسون الحرب من أجل الانتخابات الرئاسية، فبالتأكيد يحتاج الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب تجنب الحرب من أجل إعادة انتخابه في 2020، وبالفعل يحجم ترمب عن الإقدام على هذا القرار على الرغم من الضغوط الداخلية من صقور إدارته.

إذا نظرنا إلى المملكة المتحدة، التي بالطبع لا تقدم على قرار الحرب دون إيعاز من واشنطن، فضلا عما تعانيه بالداخل من توترات سياسية جراء عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ إنها ليست في وضع يسمح لها بالتورط في حرب جديدة في المنطقة.

وبالفعل أبلغ وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، أمس السبت، نظيره الإيراني بأن بريطانيا ستسهل الإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية المحتجزة (غريس1) إذا حصلت على ضمانات بأنها لن تتوجه إلى سوريا.

الظروف قابلة للاشتعال بالطريقة نفسها

لكن بالنظر إلى الحشد الحالي للقوات الأميركية والبريطانية في منطقة الخليج الفارسي، التي تضم الآن مجموعة حربية من ست حاملات طائرات مزودة بما لا يقل عن خمسين طائرة مقاتلة، وسفينة أميركية برمائية تنقل المارينز ومعداتهم، وبطارية صواريخ باتريوت، وأربعة أسلحة نووية قاذفات B-52 ، جنبا إلى جنب مع 4 حوادث وقعت خلال شهرين، هناك خطر كبير من احتمال اندلاع مواجهة ما.

ويقول “بول بيلار”، الزميل الرفيع لدى مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورج واشتكت والزميل بمركز جينيف للسياسة الأمنية، “إن هناك توازيا مذهلا للحاضر مع ما قد حدث منذ أكثر من نصف قرن. ويشير إلى أنه بالنظر إلى تاريخ مستشار الأمن القومي، جون بولتون، في محاولة تسييس الاستخبارات بشكل صارخ، فمن المحتمل أن يتم تكرار سيناريو مثل الذي حدث في تونكين”.

وبينما تقول كل من إيران والولايات المتحدة إنهما لا يريدان بدء حرب، غير أن المحللين يتفقون على” أن الاستناد إلى تلك التصريحات أمر ضحل في توقع المستقبل”. ويقول فابيان “إنه على سبيل المثال اندلعت الحرب العالمية الأولى ليس لأن أحدا أراد ذلك بل بسبب أخطاء في تقدير الموقف. كما أن ميثاق اليونسكو يذكرنا أن الحرب تبدأ في عقول الرجال وهو الحال بالنسبة لصقور الإدارة الأميركية الحالية”.

يتابع “ومن ثمّ فإن التطور الذي ربما يطرأ في أي وقت هو أن إيران من خلال وكلائها (حماس في غزة وحزب الله في لبنان والجماعات الشيعية المسلحة في العراق) سوف تستهدف القوات الأميركية في المنطقة وإسرائيل، ومن ثم ستضطر الولايات المتحدة إلى قصف الأصول العسكري الإيراني”.

اندبندت

Print Friendly, PDF & Email