تأثير إسقاط المقاتلة الروسية على العلاقات التركية الروسية

تأثير إسقاط المقاتلة الروسية على العلاقات التركية الروسية

RU-vs-TR-compressor

كانت –ولاتزال- الأزمة السورية وتداعياتها المستمرة، سببًا من أسباب التوتر المنضبط في العلاقات التركية الروسية. وقد يشهد هذا التوترًا منعطفًا تصعيديًا جديدًا بينهما، خاصة مع إقدام المقاتلات التركية على إسقاط للمقاتلة الروسية بدعوى انتهاكها للمجال الجوي التركي، وهذا الفرضية ترفضها روسيا وتعتبرها اعتداء صريح من قبل تركيا.
ويبدو من خلال سيل المعلومات المتناقضة والمتضاربة التي نشرتها الدولتان، أنهما مصران على إلقاء التهمة على الآخر واعتماد سياسة النكران حتى النهاية:

– الحكومة التركية تقول إنها أسقطت المقاتلة بعد خرقها الأجواء التركية، وأشار مسؤول تركي إلى أن طائرتين روسيتين اقتربتا من الحدود حيث أنذرتا مرارا ثم أطلقت النار على إحداهما، في حين تؤكد روسيا أن طائرتها لم تغادر الأجواء السورية.
– الجيش التركي نشر صورا قال إنها تبين خرق المقاتلة الروسية أجواء بلاده، أما وزارة الدفاع الروسية فأكدت أنها تستطيع إثبات أن طائرتها كانت في الأجواء السورية.
– الحكومة التركية تقول إن طائرتيها من طراز “أف16” أسقطت المقاتلة الروسية، بينما تشير موسكو إلى أن مقاتلتها وهي من طراز سوخوي 24، أطلق عليها النار من الأرض وهي على ارتفاع ستة آلاف متر.
– المعارضة السورية قالت إنها تحتجز جثة طيار وتبحث عن آخر، مرجحة مقتله حيث سقطت طائرتهما في جبل التركمان بريف اللاذقية.

ويثير إسقاط المقاتلة الروسية التي وصفته موسكو بأنه “واقعة خطيرة للغاية”، ورأت فيها تركيا استجابة لقواعد الاشتباك وحق الدفاع عن النفس، تداعيات على العلاقات بين موسكو وأنقرة، وأول هذه التداعيات كان إلغاء روسيا زيارة لوزير خارجيتها سيرغي لافروف إلى أنقرة والتي كانت مقررة 25 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.
ويأتي هذا الحدث الإقليمي مع انزعاج الدول الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وتركيا وبعض الدول العربية من سياسات روسيا في الشرق الأوسط وخاصة بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي ويمكن رصد هذا الانزعاج بالمؤشرين التاليين: الأول، إرسال روسيا صواريخ طويلة المدى إلى سوريا وهذا ما أزعج رئاسة أركان الجيش التركي، لأن المعارك العسكرية في سوريا لا تحتاج إلى هذا النوع من الصواريخ كما أنها لا تملك التكنولوجيا الدقيقة كالصواريخ الأمريكية فهامش الخطأ في تحقيق الهدف أمر وارد، أما المؤشر الثاني فيتمثل إجبار روسيا بعض الدول العربية ومنها لبنان وسوريا على تغيير مسار رحلاتهما المدنية في البحر المتوسط كي لا تكون عرضة لصواريخها التي تنطلق من بوارجها من ذلك البحر وأن لا تكون أيضا هدفًا لمقاتلاتها الجوية.

وفي هذه البيئة الإقليمية الشرق أوسطية المضطربة التي تشبه في ظروفها الراهنة، ظروف أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى والثانية من حيث التنافس السياسي والعسكري المبني على البعد الإقتصادي والأزمات الدولية بشقيها السياسي والإقتصادي،وفشل المؤسسات الدولية كعصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى والأمم المتحدة حاليا بعد الحرب العالمية الثانية في حل الخلافات والنزاعات الدولية. وفي هذا الإطار يمكن استنتاج الرد الروسي على اسقاط مقاتلته وفق احتمالين:

الإحتمال الأول- الرد العسكري المباشر أو غير المباشر: المباشر ويعني دخول روسيا بمواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا، وهذا المواجهة لها كلفتها العسكرية والمادية الباهظة ولها تبعاتها العالمية؛ لأن روسيا في هذه الحالة لن تكون بمواجهة تركيا بمفردها وإنما حلف”الناتو” الذي أيّد موقفها في اسقاط المقاتلة الروسية، كما أيدتها الولايات المتحدة الأمريكية وقد جاء ذلك التأييد من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع نظيره الفرنسي فرانسو أولاند في البيت الأبيض في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، أن “من حق تركيا أن تدافع عن سيادتها” وفي ضوء هذا التأييد المزدوج فإن قيام روسيا بالهجوم المباشر على تركيا يعني تلقائيا الهجوم على دول حلف الناتو وفق ما نصت عليه المادة الخامسة من ميثاقه. فالمواجهة بينهما أي بين روسيا وحلف الناتو توطئة لقيام حرب عالمية ثالثة تؤسس لتشكيل نظام عالمي جديد كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وبعد انتهاء المرحلة الحرب الباردة. كان اغتيال دوق نمساوي المفجر للحرب العالمية الاولى، وكان سياسات هتلر التوسعية سببا في الحرب العالمية الثانية، فهل سيكون اسقاط الطائرة الروسية هذه المفجر لحرب اقليمية او دولية، خاصة ان تركيا عضو في حلف الناتو؟لكن لا روسيا ولا حلف الناتو ولأسباب موضوعية يرغب بهذه المواجهة المدمرة.

أما عن المواجهة غير مباشرة وهو الأكثر احتمالا في هذا المشهد ستقوم روسيا بالرد على هذا الاسقاط في الداخل السوري والتركي، ففي سوريا ستعمل روسيا على تكثيف من تواجدها العسكري هناك وتوجيه ضربات عسكرية قد تصل إلى مستوى سحق المعارضة العسكرية السورية المدعومة من قبل تركيا وخاصة المتواجدة في محافظة حلب، كما أنها ستسهدف أي مقاتلة تركية في تحلق في المجال الجوي السوري، وفي هذا السياق جلبت روسيا البارجة الحربية «موسكو» التي تحمل أهم نوع الصواريخ بالعالم ضد الطائرات ووضعتها قبالة شاطئ اللاذقية وقالت أن أي هدف يشكل خطراً ستسقطه وهذا يعني أن روسيا تستطيع إسقاط إي طائرة تركية إذا اقتربت من الحدود التركية ـ السورية دون أن تخرق الاجواء السورية. كما إنها ستعمل مع الجناح الموالي لها داخل حزب العمال الكردستناني لتوجيه ضربات عسكرية على الحدود وفي العمق التركي، ودعم مطالب الأكراد في الاستقلال مما سيعمل على استنزاف تركيا.

الاحتمال الثاني-تجميد العلاقات الاقتصادية والعمل على الاضرار بالاقتصاد التركي: فعلى الرغم من الخلافات الدبلوماسية بين تركيا وروسيا على خلفية الأزمة السورية إلا أن العلاقات الإقتصادية بينهما لم تتأثر بهذا الخلاف حتى إسقاط المقاتلة الروسية، لكن هذه المرة يبدو الأمر مغاير تمامًا، وقد يكون لأول مرة في عهد حكومة العدالة والتنمية وعهد الرئيس فلاديمير بوتين أن ينعكس التوتر والتصعيد الدبلوماسي والعسكري بين الدولتين على علاقاتهما الإقتصادية، فتحييدها بينهما أصبح شيء من الماضي، إذ من الممكن أن تجمد روسيا كل الاتفاقيات الاقتصادية التي وقعتها مؤخرا مع الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها، كالتبادل التجاري الذي كان تسعى الدولتان أن يصل خلال الخمس السنوات القادمة إلى 30 مليار دولار أمريكي. وكذلك الاتفاقيات التي تتعلق بقطاع الطاقة، أما الاضرار بالاقتصاد التركي فيعني استهداف روسيا السياحة التركية وتخريبها من خلال حزب العمال الكردستناني، فتركيا سنويا يزورها أكر من 46 مليون سائح سنويا من بينهم 4.3 روسي، وهذا القطاع يدخل عليها 36 مليار دولار أمريكي سنويا.

يمكن القول أن الاحتمال الأول بشقيه الثاني والاحتمال الثاني برمته يبقى الأكثر حضورا في مشهد العلاقات التركية الروسية، ويمكن لأول مرة أن يتم التزاوج بين مشهدين وتطبيقها في نفس الوقت وذلك يعود لتعقيدات المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية على المشهد الإقليمي وربما الدولي برمته.

معمر فيصل خولي
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية