rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الملك سلمان والرئيس البارزاني ومرحلة التحالف الإقليمي

12278815_778117495648766_8635810364096135148_n

ضمن التحرك الإقليمي الخليجي لحكومة إقليم كردستان العراق، وصل رئيس الإقليم مسعود البارزاني في الأول من كانون الأول/ديسمبر من الشهر الجاري والوفد المرافق له إلى المملكة العربية السعودية وقد أجرى رئيس الإقليم مع كبار المسؤولين السعوديين محادثات لبحث العلاقات بين الطرفين وتطورات الأوضاع السياسية والأمنية في العراق وسوريا والحرب الدائرة ضد داعش.وقد حظيت هذه الزيارة الدبلوماسية بحفاوة ترحيب منقطعة النظير من قبل شخص الملك سليمان بن عبدالعزيز لضيفه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، ويمكن أن نؤشر على هذه الحفاوة بأمرين، في صورة صحفية نادرة تظهر الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو يُمسك بيد البرزاني، وهذا يدلل في العمل الدبلوماسي على عمق الترحيب بالضيف الزائر. ثانيهما إقامة الملك سلمان بن عبد العزيز مأدبة غداء لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، وهذا ما لم يحصل لأي مسؤول عراقي زار المملكة العربية السعودية في مرحلة ما بعد 2003م، إذ أن بروتوكول المناسبات وخاصة فيما يتعلق بمأدبة الغداء يقيمها  في الممكلة العربية السعودية ولي العهد وليس الملك. ولكن هذه المرة أقامها الملك سلمان بن عبدالعزيز،  وهو ما يحسب لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني كونها سابقة دبلوماسية. فالأخير يتمتع بعلاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية التي كانت قد منحت الوسام الملكي له في العام 2010م.

وعلى الجانب الإعلامي والشعبي يمكن القول أن الصحف السعودية على سبيل المثال وليس الحصر كصحيفة الرياض وأرجاء الوطن محليتي الطبع والشرق الأوسط والحياة اللتان تصدران في لندن تناولت باهتمام زيارة رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني الى المملكة ولقاءه بالملك سلمان بن عبد العزيز، مشيرة الى نجاحه خلال السنوات الماضية في مد جسور علاقات وثيقة مع العالم العربي. أما على الجانب الكردي فقد عبرت هذه الزيارة عن ارتياح عميق لدى أبناء كردستان العراق حيث اعتبروا هذه الزيارة والحفاوة الذي استقبل بها رئيسهم دليل على نجاحه في بناء علاقات متميزة مع الجوار الإقليمي.

أما فيما يتعلق بأهداف الزيارة قال كفاح محمود كريم المستشار الإعلامي لرئاسة الإقليم أن الزيارة تأتي لتمتين العلاقات بين الإقليم والسعودية التي تربط الطرفين». وأشار «أن الانتصارات الأخيرة التي حققها الإقليم والبيشمركه في المواجهة مع تنظيم «داعش» وخاصة في سنجار، قد جعلته يتصدر القوى التي تصارع الإرهاب وأصبح كيانا إيجابيا في منطقة ساخنة ومحط اهتمام الدول المختلفة ومنها دول الخليج، لكون كل الأطراف تواجه عدوا مشتركا هو تنظيم داعش». وشدد كريم على أن العلاقات التي تربط اقليم السعودية هي علاقات متينة وتستند إلى الكثير من المشاريع والاستثمارات، وتأتي الزيارة الحالية لتنمية استثمارات رأس المال الخليجي في المشاريع ودعم الإقليم في التعامل مع أزمة النازحين اللذين زاد عددهم على المليونين مما شكل ضغوطا إضافية على الإقليم.

قد يبدو ظاهر الأمر كما نوه الإقليم إلى أن الزيارة تحمل في طياتها ترسيخ للعلاقات الثنائية الاقتصادية مع الخليج، وزيادة أفق التعاون التجاري، لكنها في حقيقة الأمر أنها امتداد للتأكيد على النهج الجديد للسياسة السعودية التي تواجه صراعًا إقليميًّا ودوليًّا مع إيران. فزيارة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني لاشك انها تأتي في سياق إقليمي تقوده المملكة العربية السعودية لإنشاء محور عربي – إقليمي لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. حيث هنا تتقاطع المصالح السياسية فإيران من جانب والمملكة العربية السعودية وإقليم كردستان العراق بزعامة مسعود البرزاني من جانب آخر.

فعلى الجانب الإيراني، تسعى طهران منذ سنوات لتقديم نفسها للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، على أنها تقف معها في خندق واحد في محاربة ما يطلق عليه”التطرف السني”، من خلال ما قامت وتقوم به من عمليات قتل وإعدام لعدد من علماء السنة في إيران بتهمة السلفية الوهابية. إضافة إلى مسلسل هدم مساجد أهل السنة في طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، وهو ما يجسد طبيعة وصورة نظام الملالي القائم على التمييز العنصري المذهبي. وبالنظر إلى طوحات إيران القيادية والإقليمية، وتبنيها لمهمة دينية تجاوز حدودها الجغرافية، فإن ذلك يستدعي قيام مواجهة سنية شيعية.

أما على الجانب الكردي يرى رئيس إقليم كردستنان العراق مسعود البرزاني أن مصلحة إقليمه تحتم عليه الانضمام إلى التحالف الإقليمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية كون أن الاستهداف الإيراني لإقليم كردستان العراق ورئيسه مسعود بارزاني قد تضاعف في الفترة الأخيرة وزاد من توتر العلاقات بينهما، بعد عزم الأكراد إجراء استفتاء على تقرير مصير كردستان العراق، وهو ما أثار غضب إيران وحلفائها شيعة العراق معًا. فضلا عن تشجيع إيران ودعمها فصل السليمانية في الإقليم وإثارتها للخلافات الداخلية كما يتهمها الإقليم مؤخرًا، حيث تنظر إيران في الوقت الحالي إلى استقلال الإقليم على أنه يمهد الطريق لقطع الإمداد البري من إيران إلى سوريا عبر العراق، لان الإمدادات الجوية والبحرية يمكن كشفها والتحكم بها بسهولة.

أما المملكة العربية السعودية وفي سعيها لمواجهة النفوذ الإيراني في البيئة العربية على المستوى الفكر والممارسة معا، فقد ارتبطت تحركاتها ارتباطًا وثيقاً بحالة الفعالية والحيوية التي اتسمت بها السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية -في الفترة الأخيرة- انفكاكا من عقال الدبلوماسية المحافظة التي تميزت بها لفترات طويلة، والتي جعلتها ترفض مقعدها بمجلس الأمن الدولي، بعد أن رفض وزير خارجيتها الراحل الأمير سعود الفيصل إلقاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013م، بسبب ازدواجية معايير المنظمة الدولية، والفشل في تسوية القضية الفلسطينية، ووقف النزاع السوري، وجعل منطقة الشرق الأوسط آمنة خالية من السلاح النووي.

أضف إلى ذلك طبيعة القيادة السعودية الجديدة، ممثلة في الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي يحمل رؤى وتوجهات تجعله أكثر نشاطً وحيوية، فهو يحاول بشتى الطرق توحيد الساحة العربية، واجتذاب قادة إسلاميين قويين على غرار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني بهدف كبح النفوذ الإيراني الذي ينتظر توسعه بعد التوصل لاتفاق نووي.

 أما الموقف من زيارة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، من قبل الأحزاب السياسية الكردية وفي بغداد يمكن القول إنها قوبلت بموقف سلبي في السليمانية التي تمثل معقل ابرز خصوم البارزاني، وهم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير (كوران)، واعتبرت ان زيارة البارزاني للمملكة العربية السعودية لا تحمل صفة رسمية، وانه لا يمثل الاقليم وانما يمثل شخصه، وهو لم يتحاور او يتباحث مسبقا مع اي طرف كردي بخصوص الزيارة. وشددت تلك القوى، على ان ما يسفر من نتائج عن زيارة البارزاني السعودية غير ملزم للاكراد.

وفي بغداد ادعى مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ان رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني لم يبحث ويناقش مع الحكومة الاتحادية برنامج جولته الاخيرة التي شملت كلا من السعودية والامارات، ناهيك عن اخبارها مسبقا بتلك الزيارة، وان العبادي علم بها من وسائل الاعلام!. وتساءلت انه اذا كان رئيس اقليم كردستان قد ذهب الى الرياض لبحث سبل مكافحة الارهاب الداعشي، لا سيما في العراق، فضلا عن الظروف والاوضاع العامة في المنطقة، أفلم يكن الاحرى به ان يتصل برئيس الوزراء في بغداد، وشخصيات سياسية اخرى في البلد من اجل بلورة رؤية واضحة تعكس الموقف والتوجه الوطني العراقي، بعيدا عن الاجتهادات الخاصة؟

في حين ذهبت اوساط سياسية الى ابعد من ذلك، حينما ادانت بشدة زيارة البارزاني للسعودية ولقاءه بالملك سلمان بن عبدالعزيز في الوقت الذي ما زالت تحوك المؤامرات ضد العراق، وتدعم وتمول الجماعات الارهابية التي تقتل العراقيين الابرياء بالجملة يوميا، وتعمل جاهدة على اسقاط النظام السياسي الديمقراطي في العراق.

واكدت تلك الاوساط، ان البارزاني ذهب الى الرياض لا من اجل مصلحة العراق، ولا من اجل مصلحة اقليم كردستان، وانما لمصالحه الحزبية الخاصة، حيث انه يواجه ضغوطات كبيرة من خصومه، واصبح فاقدا للشرعية، ناهيك عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الاقليم.

أما موقف المليشيات الشيعية من تلك زيارة فقد عبرت عنه وسائل إعلام وحسابات شيعية على مواقع التواصل الإجتماعي عن استيائها الكبير من حفاوة الاستقبال السعودي لرئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني فقد عنونت صحيفة “الموقف”، الصادرة عن كتائب سيد الشهداء (أحد فصائل الحشد الشعبي)، صفحتها الأولى بـ”زيارة مفاجئة يقوم بها المنتهية ولايته بارزاني إلى السعودية”، وأرفقت الخبر بصورة لبارزاني وهو يعانق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وفي موقع “الفراتين” الإخباري، كتب المحلل بليغ الكاظمي عن الزيارة بوصفها لقاء لاثنين من أكبر داعمي تنظيم الدولة في المنطقة، معتبرا أن ما أسماه “التآمر على الشيعة والتربص بهم سيكون أبرز ما يسفر عن اجتماع رئيس الإقليم الكردي مع عاهل المملكة الوهابية”، بحسب تعبيره.

وفي السياق ذاته، اعتبر المدون الشيعي سيد إحسان العميدي، أن الاستقبال المتميز الذي أعدته السعودية لبارزاني يرمي إلى إغاظة الطبقة الشيعية الحاكمة في العراق، ومحاولة لاستمالة وكسب رئيس الإقليم الكردي الذي يواجه مشكلات لا حصر لها مع الحكومة المركزية في بغداد.

وتوقع العميدي أن يحصل رئيس الإقليم الكردي على دعم مادي ومعنوي كبير، لكن غير معلن، من السعودية وبقية الدول الخليجية التي ستشملها جولة بارزاني، وقال إن الثمن المقابل سيكون طلب المزيد من التأزيم مع الأحزاب الشيعية الحاكمة، كما قال.

من جهته، قال العقيد باقر الوائلي في صفحة “حشدنا المقدس” على موقع “فيسبوك”، إن تنظيم الدولة سيكون الأكثر فرحا واحتفالا بزيارة بارزاني إلى السعودية، لأن نتائجها ستصب في صالحة، محذرا من “صفقات مريبة ومشبوهة” سيتم إبرامها في هذه الزيارة، وفق قوله.

واعتبر الوائلي أن استهداف “الحشد الشعبي المقدس” هو واحد من أبرز الأهداف التي تجمع بين نظام بارزاني وحكام الرياض، داعيا شيعة السعودية إلى رفع صوتهم الرافض لهذه الزيارة، ومحاولة تنظيم تجمعات احتجاجية على اجتماع “زعماء النواصب” بحسب تعبيره.

ولا تقلل هذه الانتقادات من أهمية الزيارة التي قد تؤسس لتحالف سنيًا يضم دولًا وفاعلون كرئيس إقليم كردستان العراق من خارج النظام الإقليمي الخليجي لمجابهة المشروع الشيعي الذي تقوده إيران بمساعدة بعض الأنظمة العربية، خاصة سوريا، والعراق، والحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان.

        وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly