فرنسا ترفض الاعتراف بالإسلاموية على أنها مشكلة ثقافية

فرنسا ترفض الاعتراف بالإسلاموية على أنها مشكلة ثقافية

MuslimsISlamProtestBritainFranceProphetMuhammedRTR4OP13-639x405

على الرغم من الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس في الثالث عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، رفضت الحكومة الفرنسية الإقرار بوجود صلة بين الإرهاب في فرنسا، والأزمة في الشرق الأوسط، وصرف نظرها عن خطر الإسلام السياسي على المستوى المحلي. وفي حقيقة الأمر، إن هؤلاء الجهاديين الذين قاموا بتنفيذ العمليات الإرهابية في باريس ثم بروكسل في 22 آذار/مارس 2016، قد تم تلقينهم الفكر السلفي برعاية المساجد الممولة من قبل المملكة العربية السعودية، والمدعومة بشكل غير مباشر من قبل جهات مانحة في منطقة الخليج العربي، والمقبولة من قبل تركيا – بلد عبور الجهاديين إلى أوروبا. وعلاوة على ذلك، عمل هؤلاء الجهاديون في مجتمعات “المهاجرين” المتعاطفة معهم في كلٍّ من باريس وبروكسل. وعندما قام الرئيس الفرنسي “فرانسوا هولاند” بمنح ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن نايف” وسام “جوقة الشرف” في آذار/مارس الماضي، ارتفعت أصوات منددة بمُتلقي الوسام في البيئة التي سادت بعد الهجوم. ولكن رئيس الوزراء الفرنسي أكد أنه “يتوجب على فرنسا أن تأخذ على عاتقها المحافظة على علاقاتها الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية”. وبالتالي، فمن أجل الحفاظ على مصالحها مع أكثر العملاء الذين يدرّون عليها ربحاً كبيراً من تجارة الأسلحة، ومن أجل الحفاظ على عقود أخرى، يتوجب على فرنسا أن تمتنع عن انتقاد النظام السياسي السعودي، وروابطه الخطيرة مع الإسلام الراديكالي. وغالباً ماً تتجاهل الحكومات الغربية وتتغاضى باستمرار عن مسؤولية المملكة العربية السعودية عن دعم الفكر السلفي، رغم أن المنطق يفرض على تلك الحكومات أن تضغط على الحكومة السعودية لتراجع نظامها التعليمي، وتقوم بتنقيته من شوائب الفكر السلفي، وتمنعه من تصدير عشرات الآلاف من الأئمة الراديكاليين الجدد ـ كل عام ـ إلى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك فرنسا، حيث يعملون على التبشير بكراهية “الكفار”.

وربما أصبحت فرنسا، مثلها مثل بقية الدول الغربية، أسيرة علاقتها الجيوسياسية مع المملكة العربية السعودية؛ وهذا ما يجعل مكافحة المصادر الخارجية “للشر” أمراً صعباً للغاية. لكن ذلك لا يمنع فرنسا ـ على الأقل ـ من محاولة معالجة الأسباب الداخلية. وللأسف، يحظى الإسلام الراديكالي، بما في ذلك التيار السلفي أو جماعة «الإخوان المسلمين»، بدعم مؤثر داخل فرنسا، وذلك بفضل وجود جماعات قوية من مثقفي الإسلام اليساري، والتي نجحت في تحقيق تآلف فكري بين “إدوارد سعيد” و”سيد قطب”. ويعتبر هؤلاء الراديكاليون أن الإرهاب الإسلامي ما هو إلا محصلة من محصلات الأنظمة الاستبدادية السائدة في العالم العربي، وخاصة مصر، والجزائر، وسوريا، إلى جانب الدعم الغربي لإسرائيل. كما يرون أن حماية إسرائيل وغياب التدخل الأجنبي ضد بشار الأسد، هي مشاهد لواقع مرتبط بمؤامرة غربية ضد العالم الإسلامي. وهذا المزيج بين نظرية المؤامرة وعدم التفكير في الأسباب الداخلية لفشل التنمية والتحديث في معظم الدول العربية، هو ما يجعلهم يربطون الإسلام بالثورة العالمية. ويعمل “المتشددون التروتسكيون” السابقون (نسبة إلى تر وتسكي) على تزويد الإسلاميين بخبراتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية، حيث نجحت خطبهم في اجتذاب وإقناع السياسيين المحليين الحريصين على كسب “أصوات الناخبين المسلمين” في الانتخابات.

في مقابلة أجرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية مع الفيلسوفة “إليزابيث بادينتر” في الثاني من نيسان/أبريل 2016، استنكرت “بادينتر” موقف اليسار الفرنسي من الطائفية، ورأت أنه منقسم إلى فريقين: فريق له موقف أيديولوجي محترم، وفريق آخر، له دوافع سياسية أقل احتراماً.  وتأييداً لحق كل شخص في الاختلاف، تقول إليزابيث أن هناك بعض الناس الذين يعتقدون أن جميع الثقافات والتقاليد متساوية، وبالتالي ليس لدينا الحق في فرض أي شيء. لذا، فإن ممارسات مثل: ارتداء البرقع، والفصل العنصري، وعدم المساواة بين الجنسين، وعدم الامتثال لقوانين الجمهورية الفرنسية بحجة أن قوانين الله وحدها هي المقبولة، يجب أن يتم تشريعها على الأراضي الفرنسية.  وفيما يتعلق بالدوافع السياسية، أشارت “بادينتر” إلى تلك الوعود الإغرائية ببناء المساجد، أو تقديم وجبات “حلال” في المدارس العامة مقابل الحصول على أصوات المسلمين.

وفقاً لدراسة أجراها “معهد الاستطلاع الفرنسي” في عام 2012، حصل المرشح الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية، “فرانسوا هولاند” على 86 في المائة من أصوات الناخبين المسلمين. وقد مكنته تلك الحصة غير المتناسبة من أصوات المسلمين، من الفوز على منافسه ـ مرشح يمين الوسط ـ “نيكولا ساركوزي”، الذي خسر بعد حصوله على 48.4 في المائة من الأصوات. ويؤكد ذلك على أن الناخبين المسلمين في فرنسا هم “مخزون من الأصوات” الضرورية لـ “الحزب الاشتراكي”، نظراً لأن معظم أصوات “الغاليّون” (الخاصون بفرنسا)  كانت من نصيب “حزب الجبهة الوطنية” (27 في المائة من الأصوات في الانتخابات الإقليمية، خلال كانون الأول/ديسمبر 2015). أما داخل الكتلة “الأصلية” من السكان الفرنسيين، فقد استطاع “الحزب الاشتراكي” الحصول على أصوات الناخبين من موظفي الخدمة المدنية، وهم الذين يحرصون على الحفاظ على مكاسبهم الاجتماعية؛ كما حصل هذا الحزب على أصوات الأثرياء من الليبراليين في المناطق الحضرية الذين يعيشون في مراكز المدن. وقد اتبع “الحزب الاشتراكي البلجيكي” النهج نفسه، حيث تمكن في عام 2004، من الحصول على أصوات المهاجرين، الأمر الذي مكنه أيضاً، من الفوز بأصوات المدن الكبرى، مثل: بروكسل وأنتويرب، في انتخابات عام 2006. ومن ثم، فقد تم التضحية بسياسة الإدماج طويلة الأمد، في سبيل تحقيق مصالح انتخابية قصيرة الأمد.

إن سياسة الإدماج الجادة تتطلب تخطيطاً طويل الأجل، كما أنها تنطوي ـ في المقام الأول ـ على طرح أسئلة صعبة حول التكامل المضطرب للسكان المسلمين. عِلْماً أن الصعوبات الاقتصادية ليست هي المسؤول الوحيد عن تفشي الإسلاموية والتقوقع أو الانعزال، حيث أن الفجوة الثقافية لها أيضاً، دور كبير في هذه المشكلة. وبالتالي، فالمعركة ضد الإسلاميين يجب أن تبدأ أولاً، في المدارس (الابتدائية والثانوية)، والتي كانت لزمن طويل بوتقة للأمة، غير أنها أضحت اليوم غير قادرة على الإيفاء بتلك المهمة. فعلى الرغم من وفرة الموارد التي خصصتها الدولة للتعليم، إلا أن الممارسات التعليمية الجديدة منذ فترة الثمانينيات ـ خاصة في ضواحي المناطق التي يتمركز فيها السكان المهاجرون ـ أدت إلى تدمير نظام التعليم، حيث اتسمت تلك الممارسات بنوع من التساهل، وارتكزت على “القليل من المعرفة والكثير من الأنشطة الترفيهية”. وقد أشار المحلل السياسي الفرنسي “جيل كيبيل” إلى تدني المستوى المعرفي في “ضواحي الجمهورية”، وحظر أي شكل من أشكال الانضباط من أجل نزع فتيل الصراعات: فـ “التملص، والتبسيط، والتملق” هي اليوم الكلمات السحرية الثلاث لطرق التدريس.

إن الهدف النظري وراء “طريقة التدريس الجديدة” هو الترويج لشكل جديد من أشكال التعليم التي يمكنها أن تساهم في توقف انهيار النظام الدراسي لدى تلك الفئة من الأطفال المحرومين اجتماعياً. إلا أن ذلك لم يؤدي سوى إلى تفشي ظاهرة عدم المساواة، حيث فشل النظام التعليمي في إعداد الطلاب لمتطلبات “الاقتصاد ما بعد الصناعي”، وذلك نظراً لتسارع انخفاض الوظائف التي لا تتطلب المهارات، مع تراجع الصناعة في فرنسا. وقد تحولت الأحياء ذات الأغلبية المسلمة، إلى أحياء يسودها الاقتصاد الموازي، حيث تلتقي تجارة المخدرات مع تهريب الأسلحة، وهو ما دفع الدعاة السلفيين إلى تبرير جرائم هؤلاء الشباب، بالقول إنهم ضحايا التمييز ضد المسلمين من قبل النظام السياسي “الكافر”. وللأسف، فإن خطابات السياسيين والمثقفين اليساريين ـ والتي تصدر في الغالب عن حسن نية ـ ساهمت في تعزيز خطاب المظلومية لدى المسلمين، وهو ما قد يؤدى بسهولة إلى نمو الفكر الشعبوي اليميني المتطرف والفكر الراديكالي الإسلامي. ويمكننا القول بأن هذين النوعين من الفكر، هما الوجهان اللذان يعكسان تدهور النموذج الجمهوري الفرنسي؛ بيد، تواجه دول مثل بلجيكا، وهولندا، والمملكة المتحدة وغيرها من بلدان أوروبا الغربية الظواهر نفسها. وفي الوقت الذي ترفض فيه فرنسا وغيرها من الدول، النظر إلى الطائفية الإسلامية باعتبارها تهديداً، سيستمر الجهاديون الدوليون في الخروج من برادفورد، ومولينبيك، وسان دوني.

فابريس بالونش

معهد واشنطن