rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الأكراد أمة… العرب طوائف

696a34f03ec7bccda77eadc7d8bf96bd

بتوغّل القوات التركية في العمق السوري، والسيطرة على مدينة جرابلس، يتم إدخال معطى جديد على الأزمة السورية، سوف يُعقّد الصراع على مستقبل السلطة في دمشق، فالأكراد يبدو أنهم تجاوزوا الخط الأحمر التركي، بمحاولتهم السيطرة على مدن غرب الفرات أخيراً، في سبيل ربط أكراد سورية بأكراد تركيا، في سبيل تسريع قيام الدولة الكردية.
تكمن مشكلة الأكراد الرئيسية في أنهم أقلية عرقية، عانت، فيما مضى، على يد الدول التي عاشت ضمن حدودها حرماناً من الحقوق الثقافية والسياسية التي يجب أن يتمتع بها الفرد الكردي مواطناً في بلده، حتى لا يفكّر في العيش منفصلاً في وطن صافٍ للأمة الكردية فقط. في سورية وحدها، يعيش مليونا كردي، كانوا، إلى وقتٍ قريب، محرومين من تعلم اللغة الكردية في المدارس الرسمية، أو تشكيل أحزابٍ سياسية. والأمر نفسه ينسحب على بقية الأكراد في تركيا وإيران. يتوزع قرابة 27 مليون كردي على أربع دول إقليمية، لكن أغلبية الأكراد يعيشون في تركيا، الحليف المهم للولايات المتحدة، والعضو في حلف شمال الأطلسي. ولأن الأكراد على علاقة متينة بالولايات المتحدة والغرب، فإنهم يتأرجحون في ميزان الصراع الإقليمي، بحسب أولويات واشنطن السياسية. لا تريد أميركا أن تغضب تركيا، وفي الوقت نفسه، لا تجد قيام دولة كردية في خاصرة ثلاث أمم، إلا أمراً حميداً، يجعل من المناطق الكردية صالحةً للاستعمال، قاعدة لتهديد الأمن القومي لهذه الدول، كما أن الولايات المتحدة أسّست، عبر تاريخ طويل، قاعدةً من المصالح المشتركة مع الأكراد، فبحسب الباحث ريناد منصور، في مقالة نُشرت على موقع معهد كارينغي للسلام، فإن أميركا تُقيم الأكراد كالتالي: “إقليم مستقر وجدير بالثقة يحمل إيديولوجية علمانية ديمقراطية، وينظر للغرب بإيجابية، وله موقع استراتيجي متاخم لإيران وسورية والعراق وتركيا”.

من هذا المنطلق، نجد الولايات المتحدة تتعامل بحذر مع أكراد سورية، فهي تحتاج الأكراد حالياً في عدة أمور، أهمها، المساهمة في محاربة داعش. لذا، هي تدعمهم عسكرياً، لكن مع موازنة ثقلهم السياسي، فقد سبق للأكراد أن طالبوا بتوفير دعمٍ مادي للمؤسسات التي طردوا منها موظفي النظام السوري، لكن هذه المطالب رفضتها بريطانيا وأميركا لكي يتجنبا غضب الأتراك. إذا صدق الحديث عن تفاهم تركي إيراني روسي سهل عملية دخول الأتراك الأراضي السورية، فإن الأمور تبدو جلية؛ منع قيام كيان كردي مستقل في سورية، يمكنه ربط الأقاليم الكردية ببعضها. خصوصاً، وأن وحدات حماية الشعب الكردي مرتبطة عضوياً مع حزب العمال الكردي، الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية، وخاضت ضده صراعاً دموياً سقط فيه أكثر من 40 ألف ضحية في الثلاثة عقود الماضية.
في المجمل، لا تبدو الأزمة السورية في طريقها إلى الحل، وهي تحولت وحولت أرضاً رخوة وسائلة، تتجاذبها الصراعات الدولية، ويشكل الأكراد فيها ورقةً مهمةً للتفاوض بين الروس والأميركان، كل بحسب مصالحه. إذن، تمر المنطقة بمرحلة إعادة تشكّل. ولا يكف اللاعبون الكبار عن البوح بما يريدونه للوطن العربي، في حين يبدو أن العرب هم الغائب الأكبر عن الحلبة. وعندما يظهرون، أو يتم تناولهم هامشياً في مراكز رسم السياسات، لا يظهرون إلا على شكل طوائف متناحرة. على عكس هذه النظرة تماماً، نجد الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية، تتعامل مع الأكراد باعتبارهم أمة، حُرمت من بناء دولتها وتقدير مصالحها، وتجري الإشارة إلى الأكراد في الأدبيات الأميركية ومراكز الأبحاث كأكبر أقلية عرقية، لم تعط فرصة بناء دولة مستقلة.
ولتأكيد هذه السردية المقيتة، في الوعي الغربي، نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية، عام 2006 مقالاً لرالف بيترز، عنوانه مستفز (حدود الدم)، تناول قضية عدم عدالة الحدود وهشاشتها في أفريقيا والشرق الأوسط، وركّز على الأقلية الكردية والأقلية الشيعية نموذجين على الظلم الذي لحق بهم جرّاء عدم عدالة الحدود الحالية. وقد اقترح الكاتب، ضمن ما اقترح، تقسيم العراق والسعودية لكي يكونا أكثر عدالة، لمصلحة أقلية عرقية في بلد، وأقلية مذهبية في بلد آخر.
يستفيض رالف بشرح نظريته للحدود العربية؛ “بأن الظلم الأكثر وضوحاً في الأراضي الظالمة المعروف بين الجبال هو غياب الدولة الكردية المستقلة”، لأن الأكراد، بحسبه، أكبر مجموعة عرقية في العالم بدون دولة خاصة بهم. في حين أن العرب، وهم بكل تأكيد أضعاف الأمة الكردية، لم يفكر أحد في حاجتهم لدولة مستقلة، بل لا يتم النظر إليهم إلا طوائف دينية ومذهبية، تتقاتل من أجل الفكاك عن بعضها. في حين أن تاريخ المنطقة الحديث لا يدع مجالاً لمجرد نقاش هذه التفاهة، فقد ارتكزت القومية العربية في بداية ولادتها، وما زالت، على شبابٍ من مختلف الطوائف الدينية والمذهبية، جمعهم شعورهم بوحدة المصير، وقد وحّدهم، في تلك المرحلة، هدف مقاومة المستعمر وإقامة الدولة العربية.
يبدو أن جميع خصوم العرب يتعلمون من إسرائيل سياسة قضم الأراضي، ومراكمة التوسّع البطيء، على حساب الجغرافيا العربية التي تظهر ممزقةً ومنهكةً في ظل ارتفاع منسوب شراسة الهجمة الاستعمارية عليها.

محمد الصادق

صحيفة العربي الجديد

Print Friendly