rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

المسلمون بين شيعة أوباما وسُنّة بوتين!

560988eac46188752c8b459e

اعتاد الاستراتيجيون الغربيون على الرجوع في أصول سياساتهم تجاه دول العالم الإسلامي، إلى المستشرقين القدامى والجدد لكنهم بعد الثورة الإيرانية، وحروب صدام، وهجمة «القاعدة» على الولايات المتحدة، صاروا يرجعون بالاشتراك إلى مراكز الدراسات الاستراتيجية، وأجهزة الاستخبارات. وكان من نتائج السياسات الجديدة في صنع الرأي والتوجه فيما يتعلق بالإسلام، تكليف استراتيجيين وورش عمل ومحلِّلين استخباراتيين، بتحديد ثلاثة أمور: الأصلي أو الجوهري في الإسلام، وكيف يمكن القبض عليه أو توجيه وإعادة توجيهه – والأمر الثاني: ما هو التوجُّه الذي ينبغي دعمه بداخل الإسلام بحيث يكسب سوادًا وسيطرة، ويكون بشوشًا أو غير مضرٍ تجاه الغرب والمصالح الغربية – والأمر الثالث: مدى فائدة دعم بعض تيارات الإسلام السياسي بحيث تصل للسلطة أو تشارك فيها بفعالية. ومن دون تفصيلٍ كثيرٍ؛ فإنّ الأميركيين اعتبروا أنّ السلفية على اختلاف توجهاتها هي السائدة في أوساط المسلمين السنة، وأنّ التوجه المفيد دعمه بمواجهتها هو التوجه الصوفي. وأنه قد يكون من المفيد استحداث مواجهة بين التشيع والسلفية. فالشيعة أقلية ومن مصلحتهم التحالف مع الأجنبي. ثم إنهم لا يملكون طموحات عالمية مثل «القاعدة»، وبينهم (أي السلفيين) وبين الشيعة أحقاد قديمة. ثم إنه من المفيد إرضاء أو مساعدة الإخوان والتيارات المشابهة في الوصول للسلطة، لأنهم معتدلون، ولهم جمهور، وقد يمكنهم استيعاب المتطرفين.
وما بذل الروس جهودًا مشابهة، باعتبار أنّ رأس حربة الحركات الراديكالية كان موجها للأميركيين والغربيين. ثم اندلعت أعمال العنف في الشيشان وداغستان وبشكيريا (بروسيا الاتحادية)، كما اندلعت النيران في سائر جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة حديثًا عن روسيا، آتية من أفغانستان عبر وادي فرغانة. وهنا سارع الروس وأصدقاؤهم في آسيا الوسطى والقوقاز، إلى القمع المطلق، مثل بشار الأسد. لكنهم بدأوا يفكّرون لأول مرة بما بعد القمع والإبادات. وقد أخذوا عن الأميركيين مسألة التصوف، وهو عريقٌ في سائر البلدان الروسية المستعمرة. بيد أنّ فعالية التصوف ما ظهرت على النحو المرجو. كما أنه ما كان بوسعهم اللجوء إلى حزب التحرير الإسلامي أو إلى الإخوان، لأنّ كلا الفريقين يريد السلطة أيضًا، فلا يمكن للروس وأنصارهم الوصول إلى تسوية معهما بهذا الشأن. لكنْ يمكن العمل مع الحكومات العربية والإسلامية المتضررة من «الإرهاب» الراديكالي والإخواني.
وهكذا ففي حين اتجه الأميركيون لنصرة التصوف والإخوان، وتفضيل التعاون مع الشيعة وإيران إنْ أمكن، اتجه الروس بعد مجيء بوتين إلى خَلْق جماعات سنية موالية لهم، وتفضيل التعاون مع دول عربية وإسلامية متضررة من الإرهابيين، ومن الإسلام السياسي. وقد سمعتُ لأول مرة تعبير «سنة بوتين» و«شيعة أوباما» عام 2010 إبّان احتدام المحادثات على انسحاب الأميركان من العراق، بين الطرف الأميركي من جهة، والطرف الإيراني – العراقي من جهة ثانية. لكنْ كما لم يجرؤ شيعي بارزٌ (ربما باستثناء ولي نصر وفؤاد عجمي) على التنظير الديني والاستراتيجي للعلاقة الشيعية بالولايات المتحدة، كذلك لم يجرؤ أحدٌ في الجانب السني على التنظير للعلاقة مع بوتين، حتى كانت الثورات العربية عام 2011.
أما الولايات المتحدة فقد دعمت التغيير بشكل عام، ومعها الدول الغربية. وأما بوتين (ومعه إيران) فقد وقف أو وقفوا ضد التغيير لصالح الأنظمة القائمة. ولأنّ التغيير آل إلى أن يكونَ لصالح جماعات الإسلام السياسي (والجهادي)؛ فقد كثر خصومه من الأنظمة والحكام، وصاروا أميل إلى وجهة نظر بوتين في مواجهة الإسلاميين والحركات التغييرية معًا. وقد انصرف الأميركيون للدفاع عن الإخوان باسم الديمقراطية، بينما انصرف الروس وأنصارهم وحلفاؤهم للهجوم على السلفيين (لأن منهم الجهاديين) وعلى الإخوان وحزب التحرير (لأنهم يريدون أخذ السلطة من أيدي حلفائهم). وتكأكأت الدول العربية التي اشتعل في عواصمها وأطرافها الاضطراب. ومال أكثرها إلى روسيا بوتين، باعتبار أن أوباما كان مع الإخوان. واتخذت المملكة العربية السعودية موقفًا وسطيًا بين الأنظمة وتيارات التغيير حرصًا على الاستقرار فكسبت عداوة أميركا وروسيا، وشكوك التغييريين من كل الألوان.
إنّ أسباب التدخل في الإسلام هي إذن أسباب سياسية واستراتيجية. بيد أنّ تحلُّل جبهة الولايات المتحدة، وصعود جبهة بوتين، جرَّ الطرفين إلى محاولة الدخول إلى قلب الإسلام، كما ذكرتُ في كتابي: «الصراع على الإسلام» (2004). وبدلاً من الاكتفاء (كما فعلت إدارتا بوش وأوباما بالحديث عن حرب الأفكار وعن إحلال الديمقراطية)؛ فإنّ الروس تجرأوا وقد وجدوا إلى جانبهم مصر والجزائر وسوريا والعراق، على الدخول على «العقيدة السنية» ذاتها، ومكافحة السلفية من طريق الأشعرية العريقة في التقليد السني! وفي ظنهم أنّ التاريخ والاعتقاد يمكن أن يكونا وسيلة فعاّلة في مكافحة الخصوم بالداخل والخارج. وهذا هو معنى مؤتمر غروزني!
ولنعُد إلى الأصل. تستطيع الاستخبارات الأميركية أو الروسية أن تقترح على قيادتها هذه السياسة أو تلك تجاه الإسلام الثائر أو المتفجر. لكنْ ما الذي بوسعنا نحن المسلمين أن نفعله وقد وصل السكين إلى الرقبة ليس في المجتمعات والدول فقط؛ بل وفي الدين والاعتقاد أيضًا!
المؤسسة الدينية الأزهرية معتدلة ووسطية وأشعرية الاعتقاد. وكذلك المؤسسة الدينية المغربية. بيد أن المؤسستين أثبتتا قدرات متوسطة على الفعالية والتأثير. وتُناظرهما في القوة والسواد المؤسسة الدينية السعودية، وهي مؤسسة السلفية التقليدية، التي لا تكفّر ولا تميل للعنف. بيد أنّ المؤسسات الدينية الثلاث الكبرى في العالم العربي، وفيما عدا بيانات الحملة على التطرف والإرهاب، ما أقامت برامج للتعاون فيما بينها. بل إنها تتجنب الدخول في مسائل اعتقادية في جدالاتها مع «القاعدة» و«داعش» والمتطرفين الآخرين. وقد جرَّأ ذلك الخصوم الآيديولوجيين والخصوم السياسيين (والعرب منقسمون سياسيًا) على السير السريع باتجاه التكفير الديني، بعد التكفير السياسي. وقد كان الإيرانيون (قبل الأميركيين والروس) سبّاقين في هذا المجال. فالثورة الإيرانية أخذت على العرب فشلهم في تحرير فلسطين، وساعدت في احتلال غزة من جانب حماس للسبب نفسه. وهذا تكفير سياسي، ما لبث أن اقترن بتكفير ديني عندما أرادت إيران استحثاث الشيعة للقتال في سوريا والعراق واليمن. فالسوريون يهجَّرون لأنهم كفار وتكفيريون، ويتعرضون لمزارات آل البيت! والأميركيون يسكتون عن ذلك، ويخبرنا أوباما (مثل بوش من قبل) أنه لا بد من النضال مع الإسلام المعتدل لاستعادة الدين من الذين خطفوه، وهو يلحظ التغيير نحو التشدد في الإسلام السني من خلال السلفية، ولا يرى تغييرًا سلبيًا في الإسلام الشيعي!
أما بوتين، فيُظهر ذكاءً أكثر اسودادًا؛ إذ يريد أن يضع الإسلام التقليدي في مواجهة السلفية والسلفيين. ومن هناك يأتي تعبير شيعة أوباما، وسنة بوتين!
علينا جميعًا أن ننهض للحيلولة دون مزيد من الصدامات والفرقعات بين التقليد والسلفية والإحياء الصوفي. وإن لم نفعل فنوشك أن نتحرك أو نسكن على وقع صراعات الأميركيين والروس على ديننا وديارنا. ويا للإسلام!

رضوان السيد

صحيفة الشرق الاوسط

Print Friendly