حرب الأيام الستة: مظلي إسرائيلي وروائي فلسطيني يستذكران الصراع قبل 50 عاماً

حرب الأيام الستة: مظلي إسرائيلي وروائي فلسطيني يستذكران الصراع قبل 50 عاماً

84

الدكتور إسحق يافات، كان جندياً مظلياً إسرائيلياً في العام 1967، وكان الشخصية المركزية في صورة ديفيد روبينغر الشهيرة لثلاثة جنود إسرائيليين يحتفلون بالاستيلاء على الجدار الغربي في القدس. ويقول يافات:
– كان عمري في ذلك الحين 32 عاماً، وكنتُ برتبة عريف. وعندما قام (الرئيس المصري) جمال عبد الناصر بإغلاق قناة السويس، تم استدعاء الإسرائيليين للخدمة العسكرية. ولم يتم استدعائي في البداية -كنتُ معلماً في ذلك الحين. ولكن يوم 23 أيار (مايو)، كنتُ قد عدت تواً إلى البيت من تل أبيب عندما قرع جرس الباب. فتحته. رأيت صبياً وفتاة، كلاهما جنديان. كان معهما أمر استدعائي، وفي غضون دقائق، كنتُ قد أعددت حقيبتي الظهرية.
* عزام أبو السعود، اقتصادي ورجل أعمال سابق، وروائي لاحقاً. عند اندلاع حرب الأيام الستة، تطوع أبو السعود الذي كان في ذلك الحين طالباً عائداً لقضاء عطلة الصيف في الوطن، بالانضمام إلى القوات الأردنية. ويقول:
– كان لعائلتي منزل في ما كان في ذلك الحين في حي المغربي بجوار الجدار الغربي (دُمر المنزل بعد الاحتلال الإسرائيلي). كان عمري 19 عاماً وكنتُ أعيش مع عائلتي في بيت حنينا (في القدس الشرقية، التي كانت في ذلك الحين تحت السيطرة الأردنية). يوم بدء الحرب، 5 حزيران (يونيو)، كنتُ قد عدتُ من الجامعة في القاهرة لقضاء عطلة الصيف. أعطاني والدي بعض النقود وطلب مني أن أذهب إلى القدس لشراء بعض اللحم والخضراوات التي نحتاجها.
إسحق ييفات
في اليوم الأول من الحرب، كنتُ مع وحدتي في كيبوتز بالقرب من مطار تل نوف. كنا ننتظر ركوب الطائرات للقفز بالمظلات والاستيلاء على العريش (في سيناء المصرية). وجاءت الأخبار بأن الطائرات الأردنية بدأت بقصف القدس وكانت هناك إصابات في المدينة. رأيت قائد الكتيبة غارقاً في التفكير. ثم قال: “سوف نستقل الحافلات إلى القدس”.
في منتصف الليل وصلنا القدس. خرجت النساء والفتيات بصواني القهوة والكعك. بدأت أشعر بألم في الأسنان. ولحسن الحظ، خرجت امرأة من مبنى مجاور لمكان وقوفنا وقالت: “زوجي طبيب أسنان. إذا كان هناك أحد يحتاج إلى مساعدة، فهذا هو الوقت المناسب”.
أعطاني الطبيب مخدراً موضعياً واختفى الألم. ثم شرعنا في الذهاب في اتجاه تل الذخيرة (واحد من المواقع الأردنية). وبحلول ذلك الوقت، كانت الساعات الأولى من يوم الثلاثاء قد حلت.
عزام أبو السعود
كنتُ على متن حافلة إلى القدس عندما بدأنا نسمع عن الحرب. لم يدخل الأردن الحرب حتى الساعة العاشرة، عندما تم الإعلان عن ذلك في مذياع الحافلة. وهكذا، شعر بعض الشباب الآخرين بأن من الجيد التطوع للدفاع عن القدس، ولذلك قررنا أن نذهب عبر بوابة يافا إلى البلدة القديمة. كان هناك سجن في ذلك الحين مقابل برج الملك داود.
كان الجيش الأردني هناك، وقلنا إننا نريد أن نتطوع. أحضروا بعض عربات الجيب وأخذونا إلى رأس العامود (التي كانت في ذلك الوقت قرية تقع مباشرة خارج أسوار المدينة، والتي أصبحت الآن جزءاً من القدس)، ووضعونا في شاحنة. اعتقدنا أننا سنذهب غرباً، لكنهم أخذونا إلى معسكر للتدريب بالقرب من أريحا. وصلنا حوالي الساعة 11 وأعطونا بعض الملابس العسكرية. ثم، حوالي الساعة الثانية ظهراً، قصفت أولى الطائرات الإسرائيلية المعسكر.
كان الجزء الذي قصفوه أولاً هو المرحاض والمطبخ. ثم عند منعطف الساعة السادسة، هاجمت طائرات إسرائيلية أخرى المعسكر وضربت مخزن الأسلحة وواصلت القصف من السادسة حتى شروق شمس اليوم التالي. وخلال ذلك الوقت، كنا نختبئ في بعض الكهوف الصغيرة في المنطقة.
إسحق ييفات
استطعنا أن نسمع صوت القصف الأردني. كانت تلك الساعات الأولى من يوم الثلاثاء الآن. وعندما اقتربنا من تل الذخيرة، اتخذنا مواقع لنا هناك. كانت هناك أسلاك شائكة تحيط بالقاعدة، وقام أحد الجنود بتفجيره، ثم دخلنا.
كانت الخنادق ضيقة جداً وكانت النيران كثيفة جداً. كان أحد أصدقائي بجواري وضربته قذيفة بازوكا ومات. واصلنا الركض ودخلنا في معركة مباشرة وجهاً لوجه. واصلنا التقدم إلى الأمام وقاتل الأردنيون جيداً.
عند نقطة ما نفد مني الرصاص. وقفت جانباً وحاولت أن أغير الخرطوش. رأيت جندياً عربياً يصوب نحوي من مدى قريب. قفزتُ عليه، ضربته ببندقيتي وركلته بين الساقين ثم أطلقت النار عليه. أصبت بجرح خفيف لكن الجندي كان ميتاً. بعد بضع ساعات، في الصباح، كنا قد انتهينا واستولينا على تل الذخيرة (موقع واحدة من أكثر المعارك ضراوة في القدس).
عزام أبو السعود
بعد القصف الليلي على المعسكر، أصبحنا الآن في صباح الأربعاء. جاءنا الأمر بالذهاب شرقاً إلى الأردن، وأرسلوا حافلتين لإخلاء المعسكر. لم تكن الحافلتان تكفيان، ولذلك بقيت في المعسكر. لكن الحافلتين لم تعودا. تم قصفهما على الطريق إلى الأردن بالقرب من نهر الأردن. ثم في السادسة مساء صدرت إلينا الأوامر بالمسير شرقاً إلى الجسر.
كان وضعاً بالغ السوء. على الطريق إلى الأردن رأينا الكثير من المركبات. وجنوداً قتلى، يتدلون من صندوق شاحنة.
وصلنا الجسر قرب منتصف الليل، عطشى وجوعى. أخذتنا شاحنة في الصباح التالي في اتجاه عمان، وقالوا لنا إنهم كانوا يبحثون عمن تبقى منا من أفراد المعسكر 99. ثم ذهبنا إلى الزرقاء إلى المعسكر الرئيسي للجيش وسألنا الجنود عما يمكن أن نفعل الآن. لم يكونوا يعرفون. ولذلك خرجنا إلى الطريق وركبنا في السيارات العابرة. ذهبت إلى المدينة حيث كان لي بعض الأقارب. أصبحتُ آمناً وخلعت الزي العسكري وارتديت الملابس المدنية. بقيت في الأردن فترة ثم عدت في وقت لاحق إلى الجامعة في القاهرة.
إسحق ييفات
بعد القتال من أجل تل الذخيرة أرسلونا إلى مستشفى أوغستا فيكتوريا على جبل سكوبوس (المشارف)، ثم إلى المدينة القديمة. استغرق ذلك كله يوماً واحداً. وقرب منتصف النهار، دخلنا المدينة القديمة من خلال بوابة الأسد (الأسباط).
فقدنا أحد ضباطنا الرئيسيين في القتال في أوغستا فكيتوريا، لكننا لم نخض أي معارك مهمة حتى جبل الهيكل، ولو أننا واجهنا بعض القناصة لدى اقترابنا من جبل الهيكل.
دخلنا منطقة كوتل (الجدار الغربي) عبر بوابة المغربي القديمة. في تلك الأيام كانت هناك منازل على بعد مترين فقط (7 أقدام) من الجدار (كلها هدمت الآن، بما فيها منزل يعود لعائلة عزام أبو السعود). كانت تلك لحظة مثيرة جداً، أن نرى الحجارة الكبيرة بعد 2.000 سنة من الانتظار.
كان ذلك اليوم الثاني من القتال بالنسبة لي. وكان من المثير والعاطفي بشكل لا يصدق لمس حجارة الجدار. لم يكن ديفيد روبينغر (الذي التقط صورة جنود المظليين وهم يحتفلون عند الجدار الغربي) معنا.
ثم فجأة ظهر (روبينغر) بعد الظُّ. كان مستلقياً على الأرض وقال: “توقفوا من فضلكم”، ثم التقط الصورة الشهيرة.
عزام أبو السعود
كانت بقية عائلتي قد ظلت في المنزل في بيت حنينا. وفي صباح يوم الخميس، رأوا عربات الجيش الإسرائيلي وهي تمر على الطريق الرئيسي. وفي صباح السبت، سارت شقيقتاي إلى القدس لرؤية بقية العائلة في القدس القديمة. كان الإسرائيليون في داخل المسجد الأقصى. وكان المدخل إلى بيوتنا الأربعة يمر عبر المسجد من خلال بوابة المغربي. كان الجميع سالمين.
فيما بعد، هدم الإسرائيليون تلك المنطقة حتى يوفروا مساحة كافية لليهود لكي يأتوا إلى حائط المبكى من أجل الصلاة. بدأوا يطلبون من الناس القاطنين هنك إخلاء منازلهم. كان ذلك في أيلول (سبتمبر). وعندما سمع أبي عن ذلك ذهب لمقابلة عمدة المدينة. كان ذلك في أوائل العام 1968. وقال له العمدة “آسف”. وتم هدم المنازل جميعاً.
إسحق ييفات
لم أعرف في ذلك الحين ما ستكون عليه نتيجة الحرب. وأستطيع أن أقول الآن إن نتائج تلك الحرب كانت سيئة. أدركنا أننا غزونا واحتللنا في ذلك الوقت شعباً آخر. شعباً كاملاً. والآن يبدو أننا لا نستطيع أن نحصل على سلام حقيقي، سلام واقعي.
هذه نتيجة لتلك الحرب نفسها. وإذا أردتم الصدق، لا أعرف كيف يمكن تغيير ذلك. في كل يوم لدينا حوادث من هذا النوع.
عزام أبو السعود
في الوقت الحالي، أنا لستُ متفائلاً، لكنني أعتقد أن الاحتلال سوف ينتهي عاجلاً أم آجلاً. في 50 عاماً. في 100 عام. سوف يحاول الفائز أن يحتفظ بما يحصل عليه لأطول فترة يستطيعها.

بيتر بومونت

صحيفة الغد

Print Friendly, PDF & Email