rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

انتخابات عبثية… وبريطانيا انتهت من حيث بدأت وتحدي «البريكست» لا يزال قائما… وزعيم العمال كوربن أثبت خطأ أعداءه… عزّز مواقع الحزب وثوّر الناخب الشاب


لندن ـ «القدس العربي»: بالنظر لعناوين الصحف التي صدرت صباح الجمعة في لندن كان القاسم المشترك بينها عبارة «المقامرة التي ارتدت عكساً» في إشارة لقرار رئيسة الوزراء تيريزا «ماي» عقد انتخابات مبكرة من أجل الحصول على تفويض الرأي العام كي يقوي يديها في المفاوضات مع قادة الإتحاد الأوروبي حول شروط الخروج.
ففي حزيران/يونيو 2016 صوتت غالبية صغيرة لصالح الطلاق من أوروبا في استفتاء أطاح برئيس الوزراء في حينه ديفيد كاميرون.
ولكن نتائج الانتخابات لم تكن حسبما تريد «ماي» وحزب المحافظون، فقد خسروا الغالبية التي تمتعوا بها منذ عام 2015 وهي 331 مقعداً وفازوا بـ318 مقعدًا بدرجة لم يعودوا قادرين على تشكيل الحكومة بأنفسهم.
وكانت ليلة الخميس حافلة بالمفاجآت حيث أطيح برؤوس وزعماء أحزاب سابقين فيما عزز جيرمي كوربن، زعيم العمال من حظوظه وزاد مقاعده إلى 262 مقعدا. وحقق العمال نتائج مهمة في لندن وويلز واستطاعوا التوسع على حساب الحزب الوطني الأسكتلندي الذي خسر أكثر من 20 مقعداً.
وتواجه بريطانيا اليوم برلماناً معلقاً خسرت فيه «ماي» سلطتها داخل الحزب والبرلمان وسط دعوات لاستقالتها مع أنها أكدت ستظل في الحكومة وستحاول تشكيل حكومة إئتلافية مع الحزب الديمقراطي الوحدوي في أيرلندا الشمالية وذلك بعد زيارة قصيرة لقصر باكنجعهام أخذت الإذن فيها من الملكة إليزابيث.
ومهما يكن فالثمن الذي دفعته «ماي» كان كبيراً ولا يعني أنها ستظل في منصبها لمدة طويلة نتيجة للاستحقاقات الإنتخابية التي جاءت من فعل يدها، فهي ضعيفة وبطة عرجاء ولن تستطيع الحصول على الصفقة التي بشرت البريطانيين بها من ناحية العلاقة المستقبلية مع أوروبا- التجارة والأمن وحركة المهاجرين.
وبكل المقاييس فقد حفرت «ماي» قبرها بيدها تماماً كما فعل كاميرون عندما قرر طرح فكرة البقاء أو الخروج من أوروبا على استفتاء عام انتهى باستقالته. ولا يمكن فصل مشكلة ماي وكاميرون من قبلها عن مشكلة حزب المحافظين.
ومن هنا اتهمت ماي بأنها قدمت مصلحة الحزب على البلد الذي يعاني من مشاكل اقتصادية وأزمة في القطاع الصحي والإرهاب في الوقت الذي حاولت فيه ماي التأكيد على القيادة وأنها تصلح لإدارة البلاد أحسن من كوربن الذي قالت في أكثر من مناسبة انتخابية سيقود البلاد نحو الهاوية.
وتشي نتيجة انتخابات يوم الخميس بأن مقامرة ماي بشأن القيادة والاستقرار ارتدت عكساً على البلد الذي يعاني من أزمة قيادة حقيقية وبرلمان معلق. ومن هنا تعرضت ماي حتى قبل الانتهاء من إحصاء الأصوات بدءاً من أعضاء حزبها ونواب بانتقاد الطريقة التي قادت فيها رئيسة الوزراء حملتها الإنتخابية فقد وصفت النائبة آنا سوبري في تصريحات تلفزيونية حملة المحافظين بـ «السيئة» وتميزت بالتخبط والفتور وعدم الوضوح في الأهداف خاصة الجدل الذي أثارته خطط المحافظين لتخفيف النفقات على الرعاية الاجتماعية التي ستقتطع من أملاكه، واتهمت ماي بالسيطرة على الحملة واستبعدت النواب والناشطين.
ونبعت المشكلة من «شخصنة» رئيسة الوزراء الحملة مع جيرمي كوربن، زعيم العمال، في الوقت الذي ركز فيه العمال على القضايا المهمة والمانفستو الإنتخابي الذي قدموه وأكد على قضايا اجتماعية حرفت النقاش عن البريكست رغم محاولات ماي في الأيام الأخيرة العودة لموضوع الخروج، ولكن بعد فوات الأوان حيث استطاع العمال تقليل الفجوة التي بدأت بـ 23 نقطة. واقترحت ماي في الشهر الماضي أن خسارة بعض المقاعد ستكون «هزيمة».

ستيرجن

ولم تكن ماي الخاسرة الوحيدة، فوزيرة اسكتلندا نيكولا ستيرجين تعرضت لهزيمة وانخفض تمثيل الحزب الوطني الأسكتلندي من 56 مقعداً في البرلمان السابق إلى 35 حيث خسر لصالح المحافظين (13 مقعداً) والعمال (7 مقاعد). واعترفت سترجين بأن طرحها لفكرة استفتاء ثان على استقلال اسكتلندا كانت وراء الخسائر التي تكبدها الحزب.
وأنهت الجولة الحالية مسيرة أليكس سالموند، رئيس الوزراء السابق لاسكتلندا. فيما انتهت مسيرة نيك غليغ، زعيم الليبراليين الديمقراطيين السابق عندما خسر مقعده في منطقة شيفيلد هالام لصالح العمال.
ولم يفز حزب «الإستقلال» الذي كان من القوى المحركة لحملة الخروج من الإتحاد الأوروبي بأي مقعد، وأعلن رئيسه بول ناتل استقالته بعد النتائج المخيبة.
واعتبر جورج أوزبورن، وزير الخزانة السابق النتائج كارثة مشيرا إلى أن ماي ستجد صعوبة في تشكيل حكومة. ووصفها بأنها «على حافة السكين».
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن سايمون هيكس، استاذ العلوم السياسية في مدرسة لندن للاقتصاد أن الاستطلاعات الأولية التي أظهرت رفض الرأي الإنفصال الكامل عن أوروبا لكنه قال إن ماي «لم تخسر الانتخابات».
وعلق ستيفن فيلدنغ، أستاذ التاريخ في جامعة نوتينغهام على نتائج الاستطلاع حول توجهات الناخبين بقوله إنه لم يكن قادراً على الكلام وأن ماي «انتهت». وقال «مسألة وقت حتى لو انخفض الغالبية» وأضاف «لقد طلبت تفويضاً وتوقعت مصادقة قوية ولهذا فهناك تساؤلات حول تقديرها».
وأضاف «لقد كانت فظيعة في الحملة الإنتخابية» و «ستكون الشخص المسؤول عن كل هذا». ويرى روبرت ورشستر، مؤسس شركة الإستطلاعات موري/إبسوس «ماي هي سياسية تعرف السياسات وتجيد العمل من المكتب ولكنها فاشلة في الحملات الإنتخابية» و «ارتكبت الخطأ بعد الخطأ بعد الخطأ».
ومن هنا تدخل النتائج والقرار بالضرورة البلاد في مرحلة من اللايقين خاصة أن ماي وعدت بتقديم «خروج قوي» من الإتحاد الأوروبي. والآن ليس لديها أي تفويض يمنحها القدرة على القيام بهذا وحتى تحقيق «خروج لين». ولهذا كتب ريان هيث مراسل مجلة بوليتكو في أوروبا أن الإنتخابات التي دعت لها ماي ستدخل التاريخ «على أنها أكثر انتخابات بريطانية لا داعي لها».
وكما لاحظ تقرير في مجلة «فورين بوليسي» أن الانتخابات كان يقصد منها الخروج من أوروبا ولكن الموضوع لم يظهر في الحملات الانتخابية وتم التركيز على القضايا المحلية وتخللها عملان إرهابيان عرقلا العملية لبعض الوقت.
ونقلت عن جوزيف دوبز «قدمت هذه الإنتخابات على أنها انتخابات البريكست ولكنها لم تجر كما قدر لها ولم يستمع الناخب البريطاني لأي شيء عنه من الحزبين، ما هي خططهما حول الموضوع الأكبر الذي يواجه بريطانيا» ويرى دوبز أن «بريطانيا أنهت الحملة الانتخابية من حيث بدأت بدون أية فكرة عن حول البريكست وما تعنيه وأثره» على البلاد. وعليه تركت البلاد في وضع منقسم وفي وضع أضعف مما كانت عليه.
وأهم من هذا فقد كشفت الإنتخابات عن الطريقة السريعة التي أنهارت فيها ماي مع أنها حافظت على موقعها في استطلاعات الرأي طوال الحملة الإنتخابية وكانت تتوقع انتصاراً مريحاً على خصمها العمالي الذي بدأ الحملة وهو يعاني من تصدعات داخلية وعداء من الإعلام وتخلي معظم نواب حزبه عنه.
ويرى جانان غانيش في «الفايننشال تايمز» إن الحملة الإنتخابية تعبر عن صحوة الناخبين الشباب من الذين رأوا في الخروج من الاتحاد الأوروبي خطراً على مستقبلهم بالإضافة لشعورهم بالتعب من السياسات التقشفية والرغبة بالتغيير.
وأشار الكاتب لمعضلة بريطانيا اليوم فهي بدون حكومة مستقرة ولا خطة للتفاوض بعدما فعلت ماي المادة 50 من الميثاق الأوروبي للخروج من الإتحاد والتي تستمر لمدة عامين. ويعتقد أنه لا المحافظون ولا العمال لديهم القدرة على تشكيل حكومة تستطيع إدارة المفاوضات. وحتى لو استطاع المحافظون تشكيل الحكومة فستكون تحت قيادة جديدة تشعر أنها بدون تفويض مما يفتح الباب أمام عملية انتخابية جديدة في بداية الخريف. مع أن انسداد الأفق أمر جديد في السياسة البريطانية بعد 2010 وانتخابات عام 2015 وحتى عندما فاز توني بلير عام 2005.

نهاية ماي

وفي تعليق ساخر من مجلة «إيكونومست» أن حياة ماي السياسية ارتبطت بالحذر ومن هنا فمن القسوة والفرحة لأعدائها أن تنتهي بمقامرة كارثية كبيرة». حيث قالت إن خسارة المحافظين غالبيتهم يعني عدم وجود حكومة مستقرة».. وقالت ماي إنها بحاجة لها. واكدت المجلة إن الحكومة التي ستخرج من ركام المقامرة عليها أن تواجه ثلاث أزمات: الأولى وهي حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها السياسة البريطانية.
وقد أكدت انتخابات هذا الأسبوع أن بريطانيا منقسمة، بين من يريدون العزلة والإنفتاح على العالم وبين الشباب والكبار وبين المدينة والقرية وبين الوحدوديين والقوميين. أما المشكلة الثانية فتتعلق بالإقتصاد الذي يعاني من مشاكل لم يلتفت لها أحد. ففي الوقت الذي تحدى فيه الاقتصاد نتائج استفتاء عام 2016 ونما بسرعة إلا أن الربع الأول من العام الحالي شهد بطئاً. ومع أن البطالة في أدنى مستوياتها إلا أن التضخم في أعلى مستوياته منذ 3 أعوام فيما انخفضت الأجور.
وسيعاني النمو والاستثمار وتراجع مستوى العمالة من ذوي الخبرات. أما الأزمة الثالثة فتتعلق بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، فهذه تعني تفكيك الترتيبات الاقتصادية والسياسية التي تم وضعها قبل نصف قرن وربطت بريطانيا بكتلة ترسل إليها نصف بضائعها والتي تأتي منها نصف العمالة والتي ساهمت في تحقيق السلام بالقارة وأبعد من هذا.
وتقول المجلة إن تعقيد الخروج من الاتحاد الأوروبي معقد بدرجة لا تفهمها الطبقة السياسية. ولم يقدم أي مسؤول فكرة عن كيفية التفاوض أو حتى جواب حول ما يمكن عمله بأثر الخروج على الإقتصاد. فتجارة قليلة ونمو أقل وعدد محدود من المهاجرين يعني ضرائب عالية وخفض في النفقات العامة.
وعلى ما يبدو فقد استسلم الناخبون لوعود تحسين القطاع الصحي. ولم يحضرهم أحدا للمعاناة التي ستتبع الخروج.
وتعلق على مبررات ماي عقد الانتخابات وأنها من أجل بريطانيا قوية لتواجه أوروبا: «بعد هذا التصويت لن يكون هناك تفويض لمدخل كهذا، وسيتجاهل عدو الشعب الإنتخابات ويدفع بهذه النسخة المازوخية من البريكست التي قدمتها ماي للناخبين». وتتساءل الصحيفة «ماذا سيخرج من هذه الفوضى؟» وتجيب ان بريطانيا ليست البلد الوحيد الذي يعاني من صدمة الإنتخابات.
وفي الوقت الذي أدت الحملات الإنتخابية في أوروبا وأمريكا لتغيير بالقيادة، دونالد ترامب في الولايات المتحدة وإيمانويل ماكرون في فرنسا، لكن بريطانيا ليس فيها من يقود.

قصة كوربن

ولكن قصة انهيار ماي لا تكتمل بدون قصة جيرمي كوربن الذي أعطته الإنتخابات 262 مقعداً في إضافة جديدة إلى نجاحاته السياسية منذ توليه قيادة الحزب 2015 حيث خاض أكثر من حملة انتخابية داخل الحزب وفاز بها وأهمها تلك التي تحدت قيادته العام الماضي. ولهذا يعتبر التقدم الجديد إنجازا له وجاء رغم الحملات الإتهامية له من الإعلام، حيث اتهم بالتعاطف مع حركة حماس وحزبا الله ومع الجيش الآيرلندي الحر فيما سحب معظم نواب الحزب الثقة منه.
وواجه العمال اتهامات بانتشار معاداة السامية في صفوفهم وأجبروا على فتح تحقيق في الاتهامات. ووسط كل هذه الإضطرابات استطاع الحزب إدارة حملة انتخابية مهمة بدرجة أعجبت من خالفوا كوربن الذين وصف بالخطورة فيما ركزت ماي حملتها الإنتخابية على شخصية كوربن وعدم صلاحيته للقيادة.
ولهذا قالت صحيفة «الغارديان» في عنوانها الرئيسي «كوربن يصدم المحافظين». ولم يكن النجاح الذي حققه ممكناً بدون الطاقة والتحشيد والتعبئة التي قام بها ناشطو الحزب في كل أنحاء البلاد.
وبلغت نسبة المشاركين في الانتخابات أكثر من 70% وكما قال توم واتسون، نائب زعيم الحزب إنه «فخور بالطاقة» التي أظهرها الناشطون من القاعدة للأعلى «وقدم كل عضو في الحزب ما لديه من طاقة من الزعيم الذي لا يكل حتى القاعدة».
فخلال سبعة أسابيع حضر كوربن وألقى 100 خطاب حيث أنهى حملته الإنتخابية يوم الأربعاء في لندن. ومن هنا تظهر الانتخابات الانقسام الذي ظهر في انتخابات أوروبا والولايات المتحدة بين الشباب والمؤسسة وبين الكبار والصغار.
وكما ذكرت صحيفة «إندبندنت» فهناك زيادة بنسبة 20% بين الناخبين من الفئة العمرية 18 – 24 عاماً عن انتخابات عام 2015.
ووصلت نسبة المشاركة في انتخابات الخميس بين هذه الفئة 66.4%. وكل هذا يعود إلى كوربن الذي قدم نفسه على أنه مرشح الشباب. وعليه ارتبط نجاحه بالقدرة على التحاور معهم واقتراح سياسات شعبية مثل إلغاء الرسوم الجامعية. وساعد كوربن بتوسيع قاعدة الدعم الشعبي من خلال مشاركته في المناظرة التلفزيونية حيث أظهر هدوءاً وفهماً للمشاكل التي يدعو إليها.
ومع نهاية الحملة استطاع الحصول على الناخبين الذين خسرهم الحزب في عام 2015 وكذا بعض ناخبي الليبراليين الديمقراطيين بالإضافة لأربعة ملايين مؤيد لحزب الاستقلال بعد تراجع شعبيته عقب التصويت على البريكست. وسر نجاح كوربن نابع من قدرته على التحرك والتعبئة، فقد قضى حياته، قبل انتخابه زعيماً ناشطاً في القضايا التي تهم اليسار وحقوق الإنسان. ومن هنا يتعامل مع العمل السياسي كنوع من الاحتجاج والحركة.
وهناك تشابه بين الحركة التي قادها المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز والتي قادها كوربن بشكل صعب كل محاولات الإطاحة به لأن القاعدة الداعمة له واسعة، فهو مرتبط مع عناصر الحزب أكثر من النخبة التي تتحرك في أروقة البرلمان البريطاني.
وفي ظل تردد النواب بل ومحاولتهم التحضير لما بعد كوربن كانت خطة ماي دفن الحزب كله في خطوة وصفها أوين سميث في صحيفة «الغارديان» بأنها «انتهازية وقحة ومحاولة للتحكم بالسلطة».
ويعلق قائلاً «بدلاً من ذلك فقد دمرت نفسها وتحولت لنخب». وأضاف أن ماي ورثت السلطة عن ديفيد كاميرون «أسوأ رئيس وزراء» وكان لدليها رصيد سياسي كبير من تقدم في الاستطلاعات وإعلام بريطاني وراءها وأقوى آلة انتخابية على وجه الأرض.
وصور حلفاؤها كوربن بالنكتة الذي يمكن سحقه بسهولة ويمنح المحافظين 180 مقعداً. وأضاف أنها لم تحقق هذا «وستترك 10 داونينغ ستريت والعار يلاحقها وتدخل كتب التاريخ كمغرورة».

القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email