حدود الأكراد و”سوتشي” المقبل

حدود الأكراد و”سوتشي” المقبل

حدودنا حدود الدم، قالها مرة رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، وأشار فيها إلى دولته المتخيلة، على أثر توظيف المليشيا الكردية (البيشمركة) في الحرب الأميركية الإيرانية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد ساهمت فعلاً بدحره، ولكن لم يُجَزْ، كما توهم، حينما ذهب نحو الاستفتاء، رافضاً كل النصائح الدولية، ولا سيما الأميركية والتركية، الاكتفاء بما كان متحققاً قبلالحرب على “داعش”. خسر مسعود كثيراً، بل خسر نفسه، فتم استبعاده عن حكم إقليم شمال العراق في الوقت الراهن، وإن نُقل إلى ابن أخيه!
إذاً لا تغييرات في شرقنا، تشمل تغيير الخرائط كما “ثرثر” كثرٌ. وينطبق الأمر عينه على إفشال محاصرة دولة قطر وتهميشها، بحجة التوافق مع سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الحرب على الإرهاب. وقلص التقارب التركي الروسي كثيراً مشروع رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي (الكردي)، صالح مسلم، فوضعت عفرين تحت الوصاية الروسية، وربما لاحقاً التركية، وكذلك سيطرت تركيا على جرابلس والباب وسواها، وبما ينهي قيام إقليم كردي سوري مُتوهم التقارب التركي الأميركي أخيرا، وأنّ مبرر توريد السلاح الأميركي للأكراد قد انتهى، وكذلك مبرّر وجود الجنود الأميركان أيضاً، وبالتالي هناك إشارة واضحة للكرد أن الممكن الوحيد الانخراط في المشروع السوري، وألّا يحلموا بأكثر مما لبقية المدن السورية، أي بمواطنة لكل السوريين وحقوق ثقافية وتعليمية وإنهاء كل أشكال التمييز القومي، وهو أمر تتفق عليه “المعارضة والموالاة”، وكذلك أصبحت قوى كردية عديدة تأخذ به؛ وجود أطراف كردية تتوهم بأن حقوق الكرد أكثر من ذلك يقع في باب “الهلوسة”، ولا شيء آخر.
يحق للكرد، كما للعرب (الأحواز) الطموح في حق تقرير المصير، لكن هذا الأمر يتطلب

تغييراتٍ كبرى، وكما قلنا لا مجال لها حالياً، بل وليس من إمكانية لتوحيد البلاد العربية ذاتها، ولا “المناطق” الكردية. في ظل هذا الوضع، يصبح الممكن هو البدء بتحقيق الدولة الوطنية، وبما لا ينفي التمايز القومي، بل ويحافظ عليه لجهة الإثراء الوطني، وتصبح كل محاولة للتمايز القومي على حساب الوطني، كما يفعل تيار كردي عريض، والالتحاق بالخارج، كما توهم مسعود البارزاني أن الأميركان سيكافئونه، يصبح مضرّة بمصالح الكرد أولاً، وبالعرب ثانياً.
انتهت الحرب الواسعة في سورية، والآن تُدوّر الزوايا لصالح الحل السياسي، والذي سيكون صفقة متكاملة بين الروس والأميركان، وربما تشمل قضايا إشكالية كثيرة بين الدولتين؛ يدعم فكرتنا ما نُشر أخيرا عن تفكير الروس، وكذلك الأميركان، بتقليص قواتهما في سورية، وبالتالي كل المعارك التي يشنها النظام، ومعه إيران، هي معارك هامشية، كما الحال ضد الغوطة أو درعا أو ريف حلب الغربي وريف حمص الشمالي أو في أرياف حماة، وهي ستستنزف قواتهما، ولكنها لن تحقق شيئاً يذكر، ما دام الروس يعملون حثيثاً من أجل الحل السياسي؛ أقصد أن الروس، عبر مسار أستانة ومؤتمر سوتشي اللاحق، سيعملون من أجل جلب أطراف سورية كثيرة لإخضاعها، وضبط مناطقها، وتمرير الوقت لإعداد الصفقة مع أميركا، وفي الوقت نفسه إفهام الإيرانيين أن لا مكان لهم في سورية. وهذا يتطلب بالضرورة التخلص من الجيوش المحلية، وتشكيل جيش موحد جديد كما تقول وثائق جنيف، ودلالة سحب جنود الدول العظمى، رسالة لجميع السوريين أن عليكم أن تتخلصوا من أوهام المناطقية، والاندماج بمشروع سوري، وبإشراف كل من روسيا وأميركا بشكل خاص.
يتحقق التوافق الروسي الأميركي تدريجياً؛ فهناك تقاسم لمناطق غرب الفرات وشرقه، وهناك مناطق خفض التوتر، وإفشال لجولة جنيف الثامنة، بغية إعداد السوريين من أجل تشكيل حكومة توافقية بين النظام والمعارضة، ونسف فكرة أهداف الثورة، وهو ما تحقق في بيان المعارضة في مؤتمر الرياض 2. مع ذلك، فإن لقاء جنيف يتم تحت القرارات الدولية السابقة، ولا سيما مرجعية بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2118، ونسبياً 2254، وهو يخفّف من الدور الدولي، ويُعلي من شأن الدور السوري، وهذا لا يحقق مصالح الاحتلال الروسي أو الأميركي. ومن هنا، هناك سوتشي جديد سينعقد قريبا، ويخص المعارضة والنظام، مهمته الإقرار بدور الاحتلالات على سورية.
رفضت تركيا تمثيل “الاتحاد الديمقراطي”، بقيادة صالح مسلم، في سوتشي، وفي كل المؤتمرات الخاصة بمستقبل سورية، والآن تهمش أميركا قوات سورية الديمقراطية التابعة له، وتؤكد أن إرساء القواعد الأميركية في الحسكة ودير الزور وسواهما، يتحقق بالتوافق مع

الروس والأتراك. ولا يمكن تهميش تركيا لصالح الأكراد، كما تمّ في العراق وسيتم في سورية؛ وبالتالي في سوتشي المقبل، أو في أي صفقات دولية تخص سورية، سيعود الأكراد إلى ما ذكرنا أعلاه، وسيكون شكل الحكم اللامركزية الإدارية، وبما يعيد للعاصمة قوتها، ولكن ليس وفق ما كان، وليس بالتأكيد وفق مفهوم الفيدرالية؛ فما حصل من دمار في سورية، يتطلب حلولاً على صعيد الدولة السورية بأكملها. وبالتالي، يتطلب إعادة إعمار يُخطط له في العاصمة، وينفذ في كل المدن، ووفقاً للموارد الوطنية، وليس الموارد المحلية لكل مدينة، كما في فكرة الفدرلة. أريد القول: الكرد السوريون معنيون بالانتماء الوطني، وترك الأوهام المتعلقة بفكرة الحكم الذاتي، والتفكير بمصالحهم على حساب بقية السوريين، كما فعل مرة مسعود البارزاني، والانضواء الكامل في إطار مشروع وطني يحقق لهم ذلك. أوضحت أميركا ذلك عبر إيقاف توريد السلاح، وسحب قسم من جنودها، وأوضح الروس أن علاقتهم مع تركيا هي الأساس، ويؤكد الأميركان الفكرة ذاتها. لن يكون النظام والإيرانيون هم المأوى مجدّداً لصالح مسلم، فهم أيضاً يرفضون دعم أي مشروع قومي على حساب الدولة السورية.
الكرد كما العرب، يفترض أن يتخلصوا من مخيلتهم العدائية للآخر، ويتبنوا فكرة بناء الدولة الوطنية؛ وهذا لن يتحقق لهم قبل التخلص من الاعتماد على الدول الخارجية لمحاربة أبناء القومية الأخرى في بلدهم ذاته؛ في “سوتشي” المقبل وغيره ربما، الممكن الوحيد بناء دولة لصالح الجميع، لكنها ستكون دولة تابعة وسيكون شعبها قابلا للاحتراب الداخلي. من يخلق الوطنية السورية وبالضد من مصالح الخارج هو ما ذكرته، فهل يقرأ الكرد الدرس العراقي جيداً، ويستوعبون أن لا تغييرات في الخرائط والحدود السابقة لما قبل 2011؟ نأمل ذلك.

عمار ديوب
صحيفة العربي الجديد
Print Friendly, PDF & Email