نظام الأسد سيعيد إعمار سورية بمساعدة الولايات المتحدة أو بدونها

نظام الأسد سيعيد إعمار سورية بمساعدة الولايات المتحدة أو بدونها

ؤشر تراكم الانتصارات العسكرية الأخيرة التي أحرزها النظام السوري وحلفاؤه على بداية نهاية الحرب العنيفة التي اندلعت في العام 2011، والانتقال إلى مرحلة جديدة في الصراع.
الآن، لم تعد القضية المركزية في سورية هي بقاء النظام أو إلحاق الهزيمة العسكرية بخصومه العديدين في نهاية المطاف، وإنما هي إعادة تأكيد قوة وسلطة الدولة، وبدء حملة حكومية لإعادة الإعمار، وما يتصل بها من عملية إعادة إدماج للأشخاص المشردين داخلياً واللاجئين.
حتى الآن، ما يزال البيت الأبيض في واشنطن، الذي لم يجد صعوبة تذكر في إعادة تأهيل صورة شريكه التفاوضي الجديد في بيونغ يانغ، يأنف من فكرة التعامل مع ذلك “الحيوان”، الأسد.
لكن سورية لا تستطيع انتظار واشنطن. وقد شرع نظام الأسد فعلاً في حملة لتعزيز انتصاره عن طريق إصلاح الأضرار في 80 في المائة من أنحاء البلاد حيث عاد حكمه الآن بلا منازع. وفي 22 أيار (مايو)، وافق مجلس الوزراء في سورية على ما وصفته وكالة الأنباء السورية التابعة للدولة (سانا) بأنه “خطة متكاملة لتطوير الخدمات والاقتصاد” في مناطق مستعادة حديثاً إلى سيطرة النظام. ويختار الأشخاص المشردون داخلياً واللاجئون العائدون بازدياد الانتقال إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام بدلاً من المخاطرة بمواصلة التشرد والنزوح في الجزر المتقلصة للأراضي التي تسيطر عليها المعارضة.
الآن، أصبحت محافظة درعا الجنوبية، والمنطقة التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال شرق سورية هي المناطق الوحيدة من البلد حيث لم تتم استعادة سيطرة النظام بعد. ومع ذلك، يبدو أن هناك صفقة قيد التخمر. فحتى في المناطق الكردية التي تتاخم الحدود إلى الشرق من منبج، والتي تشكل ما يقارب 20 في المائة من مساحة البلد، لم تفك دمشق ارتباطها مطلقاً. وحتى هذا اليوم، يدفع السكان المحليون في تلك المناطق الضرائب للحكومة، في حين يهدف الحوار المتنامي الذي يركز على المسائل السياسة والأمنية بين النظام ومعارضيه، والذي تتوسط فيه روسيا، إلى التوصل إلى اتفاق جديد لتقاسم السلطة.
نتيجة لذلك، ولأول مرة منذ بدء الحرب السورية في العام 2011، تسيطر قوات الحكومة على الطرق بين المدن السورية الثلاث الرئيسية، فيما يحقق شرطاً مسبقاً أساسياً لتنفيذ برنامج وطني لإعادة البناء الاقتصادي. ويجري تأمين الطريق الذي يصل بين العاصمة السياسية، دمشق، وعاصمة سورية التجارية، حلب، كجزء من اتفاق بين النظام وتركيا وإيران وروسيا. ويجري التفاوض الآن على استعادة التجارة على طول الطريق من حلب إلى غازي عنتاب في تركيا، عن طريق معبر باب السلام الحدودي.
سوف تكون روسيا، وإيران، والصين، إلى جانب لبنان والأردن وتركيا، من أوائل الدول التي تتطلع إلى تعظيم فائدتها من هذا الجهد.
يشرح تشي تشيانجين، السفير الصيني إلى سورية، بالقول: “أظن أن الوقت قد حان لتركيز كافة الجهود على تطوير وإعادة إعمار سورية، وأعتقد أن الصين سوف تلعب دوراً أكبر في هذه العملية عن طريق تقديم المزيد من المساعدات للشعب السوري والحكومة السورية”.
تتبادل وفود تجارية من دمشق وإيران الزيارات باستمرار وتستكشف آفاق التعاون. وفي الأثناء، ينخرط الأردن في حوار سياسي وأمني وتجاري للقطاع الخاص، والذي يهدف إلى إعادة تأسيس سيطرة النظام في الجنوب وتسهيل استئناف التجارة عبر الحدود المغلقة منذ وقت طويل بين البلدين.
لا يستطيع الأردن أن يتحمل كلفة عدم إعادة الانخراط اقتصادياً مع سورية، بغض النظر عمن يجلس في الكرسي في دمشق. ويُنظر إلى إعادة إعمار سورية على أنه محرك للنمو الاقتصادي الحاسم ومتطلبٌ لعودة محتملة للاجئين إلى سورية على حد سواء. وينطبق الأمر نفسه على لبنان.
ويشرح محمد الرفاعي، نائب رئيس غرفة الصناعة في الأردن، فيقول: “الروابط التجارية بين سورية والأردن مهمة جداً للبلدين، وقد أكدنا في اجتماعنا على الحاجة إلى إعادة فتح المعابر الحدودية لتسهيل التجارة”.
لدى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية التزام طويل الأمد بالازدهار الاقتصادي للأردن. وعلى الرغم من الحظر المفروض على سورية، فإنها تدعم حالياً الجهود المبذولية لإنشاء مطار لوجستي ومركز رئيسي في منطقة المفرق التنموية لوضع الشركات الأردنية في وضع يمكنها من الاستفادة من إعادة الإعمار في العراق وسورية.
مع ذلك، سوف تواجه واشنطن صعوبة في تربيع الدائرة –تعزيز النمو الاقتصادي والتحديث في البلدان الحليفة، بينما تقوم بتقويض واحد من شركائها التجاريين الأساسيين، سورية التي يسيطر عليها النظام.
تتمثل السياسة التي تتبناها واشنطن الآن في حجب مساعدات إعادة الإعمار عن النظام السوري ومعارضة حتى العودة الطوعية للاجئين إلى أن يتحسن الوضع السياسي، مع دعم يعتد به –ولو أنه يتراجع- من “أصدقاء سورية” الآخرين.
وتبدو هذه السياسة الأميركية تجاه سورية تنويعاً آخر من صيغة غزة التي استخدمها المجتمع الدولي منذ صعود حماس إلى السلطة هناك في حزيران (يونيو) 2007. وبعد أن فشلت في الجهد العسكري للإطاحة بنظام الأسد، سوف تعمل واشنطن الآن على إبقاء سورية والسوريين في حالة “حمية” في مرحلة ما بعد الحرب عن طريق إدامة العقوبات الاقتصادية ومعارضة مساعدات إعادة الإعمار والتنمية.
يمكن أن تعمل هذه السياسة على إحباط وإعاقة عمليات إعادة الإعمار وأن تساعد على إدامة بؤس الشعب السوري، لكنها سوف تفشل، كما فعلت سابقتها القائمة على الخيار العسكري، في إسقاط النظام.
في سورية، لا تلعب إدارة ترامب الشطرنج مع نفسها. وتتطلع إيران وسورية، وكذلك حلفاء للولايات المتحدة، مثل الأردن وتركيا، إلى الاستفادة من النعمة الاقتصادية التي ستوفرها إعادة الإعمار في سورية.
تهدف جهود واشنطن المحدودة إلى إدامة مستوى غير متناسب بوضوح من المساعدة الإنسانية، والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية في المناطق تحت السيطرة الكردية، لتعمل كنموذج جذاب لحقبة ما بعد الأسد كما يبدو. ويهدف هذا النموذج البديل في الشمال الشرقي من البلاد إلى توفير المياه النظيفة وإعادة بناء المدارس، وإن لم يكن إعادة البناء الاقتصادي وإعادة تأهيل الاقتصاد الزراعي الحيوي والضروري هناك. وطالما ظل الأسد أو النظام في الحكم، فإن سورية والسوريين لن ينالوا تخفيفاً للعقوبات أو مساعدات لإعادة البناء من واشنطن وشركائها في التحالف.
ولكن، مَن يريد أن يُحسَب في رُكن واشنطن بينما تصمت البنادق في روسيا نسبياً؟ سوف يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إغلاق صفحات الكتب حول “عرض الرعب” الذي تشكله سورية جملة وتفصيلاً.
في الآونة الأخيرة، قام ترامب بتجميد 200 مليون دولار من المساعدات المخصصة لجهود تحقيق الاستقرار في المنطقة الشمالية الشرقية التي يسيطر عليها الأكراد في سورية، على أمل إشراك مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة في جهد خارق وشاق لإدخال قواتها إلى البلد بينما تخرج واشنطن.
في هذا الإطار، وافق مجلس النواب الأميركي مؤخراً، بدعم من الحزبين، على مشروع قانون لإقرار عدم تقديم المساعدة للأسد (القانون رقم 4681)، من أجل “إبقاء دولارات دافعي الضرائب الأميركيين بعيدة عن أيدي نظام الأسد القاتل ووكلائه”. وفي حديثه المؤيد لمشروع القانون، لاحظ رئيس المجلس، إد رويس، أنه “…سيكون من غير المعقول أن يتم استخدام أموال الحكومة الأميركية لتحقيق الاستقرار أو إعادة الإعمار في مناطق تخضع لسيطرة نظام الأسد غير الشرعي ووكلائه. إننا لن ندعم بناء البنية التحتية التي سيستفيد منها حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، أو الميليشيات الأجنبية التي جندها ويدفع لها النظام الإيراني”.
في المقابل، يسعى النظام، مدعوماً بعدد متزايد من البلدان -وليس كلها جزء من “محور المقاومة”- إلى استخدام استراتيجية مختلفة وأكثر منطقية. وليس نموذجه غزة، التي يحذر البنك الدولي من أنها ستصبح غير قابلة للسكن إذا استمرت الإجراءات الوحشية الرامية إلى تغيير النظام هناك، وإنما بذل جهد لما بعد الحرب من أجل بدء عمليات إعادة الإعمار للجيل القادم. ومع أن واشنطن تمتلك القدرة على إعاقة وتأخير وزيادة كلفة هذا الجهد، لكنها لا تستطيع إيقافه.

جيفري أرونسون

الغد