جدل في العراق يكشف اتساع دائرة المناهضين لنفوذ إيران

جدل في العراق يكشف اتساع دائرة المناهضين لنفوذ إيران

صورة المكوّن الشيعي العراقي المساند دون قيد أو شرط لإيران على أساس وحدة الطائفة، والتي حاولت أحزاب عراقية موالية لطهران ترسيخها طيلة الـ15 سنة الماضية، تهتزّ بقوة مع وضوح معالم رأي عام شيعي عراقي ناقم على السياسات الإيرانية في العراق، وهو ما ظهر جليا في المساندة الواسعة من جمهور وسائل التواصل الاجتماعي لموقف حكومة بغداد من مسألة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية على طهران.

بغداد – وضع موقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشأن الالتزام بتنفيذ العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بين أيدي كبار خصومه ومنافسيه ورقة للضغط عليه والتقليل من حظوظه في الفوز بولاية ثانية على رأس الحكومة.

غير أنّ الموقف نفسه لم يخلُ من فرصة للعبادي للظهور بمظهر رجل الدولة الحريص على المصلحة العراقية وإعلان قدر من استقلالية القرار عن دائرة التأثير الإيراني ليجمع حوله جمهور الناقمين على إيران وأذرعها في العراق، وهو جمهور في تزايد ملحوظ، بما في ذلك داخل المكوّن الشيعي الذي لطالما حاولت طهران تصويره على أنّه ظهير لها.

وأثار العبادي حماس ذلك الجمهور عندما أعلن بادئ الأمر وجوب الالتزام بتنفيذ العقوبات الأميركية، قبل أن يتراجع جزئيا تحت ضغوط طبقة سياسية عراقية موالية لإيران لا تزال تمتلك مختلف وسائل القوة السياسية والإعلامية والمالية.

وأعلى العبادي سقف خطابه عندما ربط الضغوط المسلّطة عليه داخليا بشأن موضوع العقوبات بمصالح “العصابات”.

وقال في معرض حديثة عن الموضوع “لا نتراجع عن حقوق شعبنا.. يريدون أن يضغطوا علينا حتى نقدم مصالح عصابات على مصالح الشعب العراقي.. هذا لا يمكن”، مضيفا “نحن نقاتل من أجل مصلحة العراقيين، وفي ذات الوقت لا نريد الإساءة إلى دول الجوار ولا نريد أن نصبح جزءا من حملة ظالمة لا نرضى بها”.

وعكست مواقع التواصل الاجتماعي وجود رأي عام عراقي مساند لمواقف العبادي خصوصا في الأوساط الشبابية التي نشّطت حملة على تلك المواقع مناهضة للنفوذ الإيراني في العراق. وعلى الطرف المقابل عملت وسائل الإعلام العراقية الممولة من إيران، بجدّ ومثابرة على إحراج العبادي بتصويره مواليا للولايات المتحدة وحارسا لمصالحها.

ولم تعكس تلك المنابر الإعلامية مواقف خصوم العبادي فحسب، لكنّها مثّلت أيضا امتدادا للموقف الإيراني من الرجل الذي يعلم جيدا أنّ لطهران دورا قارّا منذ سنة 2003 في اختيار من يقود العراق.

ولم يستطع المراقبون تجاهل اكتفاء العبادي بزيارة تركيا دون إيران. وفي ظل كثرة التخمينات بشأن السبب وراء ذلك، وذهاب البعض إلى القول إنّ طهران رفضت استقبال العبادي بسبب غضبها من موقفه من العقوبات، خرجت الحكومة العراقية، الثلاثاء، عن صمتها لتوضّح أنه لم تكن هناك زيارة مقررة للعبادي إلى إيران.

وحاول العبادي خلال ولايته على رأس الحكومة العراقية، إحداث نوع من التوازن في علاقات العراق ببلدان جواره الإقليمي، وهو الأمر الذي لم يكن يلاقي تشجيع غالبية قادة الأحزاب الشيعية العراقية ذات العلاقة الواسعة بطهران.

ومنذ إعلان العبادي التزام حكومته بتطبيق العقوبات الأميركية على العراق، انطلقت ضده حملة إعلامية واسعة، شاركت فيها محطات فضائية عراقية ممولة من إيران، تحاول تذكير شيعة العراق بما تسمّيه “الأفضال” الإيرانية على البلد، متهمة رئيس الوزراء بمحاباة الولايات المتحدة على حساب المصالح العراقية.

وتستضيف هذه المحطات متحدثين من الأحزاب العراقية الموالية لطهران، ليوجهوا انتقادات لاذعة لحكومة العبادي، وعتبا شديدا لبغداد التي “تتنكر للفضل الإيراني”.

رئيس الوزراء يربط الضغوط المسلطة عليه بشأن موقفه من العقوبات بمصالح العصابات ويتعهد بعدم الرضوخ لها

والجمعة الماضية، نقلت هذه المحطات خطبة لرجل الدين الشيعي المتشدد، جلال الدين الصغير، وهو قيادي بارز في المجلس الأعلى الإسلامي القريب من طهران، عبّر فيها عن استغرابه من “تحريض العبادي الإيرانيين على فتح ملف تعويضات الحرب مع العراق، الذي غضت طهران الطرف عنه لسنوات”. ويشير الصغير إلى تصريحات صدرت عن مسؤولين إيرانيين، تذكّر العراق بتغاضيهم عن المطالبة بالتعويضات، التي يقولون إنها تفوق التريليون دولار.

ودفعت هذه التصريحات قانونيين عراقيين إلى مراجعة الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة، بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، ليكتشفوا أنها لم تتضمن أي إشارة إلى إدانة العراق أو إلزامه بدفع أي تعويضات لإيران.

وشغلت خطبة الصغير ومواقف محلية مشابهة لها، حيزا واسعا في تغطيات وسائل الإعلام العراقية الممولة من إيران. لكن هذه الموجة لم تجد صداها في الشارع إذ سرعان ما انبرى عشرات النشطاء الشيعة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب إلى الرد على ادّعاءات حلفاء إيران مستغربين انخراطهم في الدفاع عن شؤون بلد آخر على حساب مصالح بلدهم.

وضجت الحسابات والصفحات العراقية في وسائل التواصل الاجتماعي بمئات المنشورات المساندة للعبادي بشأن التزام العراق بتنفيذ ما يخصّه من العقوبات الأميركية على إيران، قبل أن يعدّل العبادي من موقفه بشأن العقوبات ليسبب خيبة أمل لهؤلاء النشطاء المتحمّسين.

ولم تجد تصريحات العبادي، التي فسر بها موقفه الأول، اهتماما يذكر في وسائل الإعلام العراقية الممولة من إيران، إذ واصلت هجومها عليه.

ويقول مراقبون إن رئيس الوزراء العراقي كاد يستعيد شيئا من شعبيته التي أهدرها في مواقف سياسية مرتبكة، أبرزها سعيه خلال المفاوضات التي تلت انتخابات مايو الماضي إلى التحالف مع الأطراف السياسية المدعومة من إيران.

وبالرغم من تراجع العبادي عن موقفه الذي وصف بـ“القوي” إزاء إيران، إلا أن الحملة الشبابية المناهضة للنفوذ الإيراني في العراق، مازالت نشطة في مواقع التواصل الاجتماعي. ويرى المراقبون أن هذا النشاط يعكس نفورا عراقيا واسعا، ولا سيما في صفوف الشبان، من النفوذ الإيراني المستحكم في العراق وتفضيل العديد من الساسة العراقيين مصالح طهران على مصالح بلادهم.

وأحصى النشطاء صدور نحو ثلاثين بيانا من قوى عراقية، سياسية ومسلحة، تندد بموقف العبادي الذي أعلن من خلاله التزام العراق بتنفيذ العقوبات الأميركية على طهران.

ويقول المراقبون إن العراق ربما يشهد ملامح المواجهة العلنية الأولى بين الأحزاب الحليفة لإيران التي تدعي تمثيل الشيعة والدفاع عن حقوقهم، وبين الجمهور الشيعي العراقي الذي سئم فشل هذه الأحزاب في الإيفاء بأي من وعودها.

العرب