رحلة حزب الله من ساحات الحرب في سورية إلى حقل الألغام السياسي في لبنان

رحلة حزب الله من ساحات الحرب في سورية إلى حقل الألغام السياسي في لبنان

لا يتموضع حزب الله في السياسات اللبنانية بشكل يتلاءم دوماً مع مواقف داعميه السوريين والإيرانيين. ومع ذلك، تكمن المفارقة حيال انخراط حزب الله في حمأة النزاع السوري، في حقيقة أنها دفعت هذا الحزب إلى التركيز أكثر على المشهد السياسي اللبناني. ومثل هذا التحوّل هو رجع صدى لنقاشات سابقة حول ما إذا كان بمقدور حزب الله أن يصبح لاعباً لبنانياً أساسياً يلتزم بالقواعد السياسية الوطنية، أم أن اليد العليا فيه تبقى لأجندته الإقليمية.

والآن، ومع انحسار النزاع السوري، يطفو على السطح السؤال حول ما إذا كان الناخبون اللبنانيون سيفرضون مثل هذا الدور المحلي على حزب الله. لماذا؟ لأنه في الفترة بين دخوله إلى سورية وبين الانتخابات البرلمانية العام 2018، واجه الحزب حالة من السخط والتبرّم في أوساط الطائفة الشيعية، وكذلك لدى الجسم الانتخابي اللبناني ككل، بسبب تدهور الأوضاع الاجتماعية- الاقتصادية. كان الناخبون اللبنانيون يُطالبون حزب الله الاهتمام بهمومهم المعيشية المحلية، والانخراط أكثر في عملية الحوكمة. والحال أن ردة الفعل الطائفية التي أشعل إوارها انغماس الحزب في لجج الحرب السورية قد أجبرت هذه المنظمة على التلحُّف بغطاء سياسي محلي، بأمل أن يُسمح لها بمواصلة تنفيذ أجندتها الإقليمية من دون عرقلة. وفي خضم هذه العملية، أبرم الحزب صفقات مع كلٍ من حلفائه وخصومه كي يتمكّن من الحفاظ على الاستقرار في لبنان.

بيد أن جُل المؤشرات تشي بأن حزب الله سيكتشف أن هذه المرحلة الانتقالية ستكون صعبة ومحفوفة بالمخاطر، لأنه قد يفتقر إلى الوسائل لإعادة التموضع وتنفيذ أجندة محلية. وإذا ما وضعنا بعين الاعتبار واقع ترنّح الاقتصاد وتدهور مستويات توفير الخدمات، سنجد أن الأطراف السياسية المحلية تُخاطر بأن يُلقى على عاتقها مسؤولية أوجه القصور في نظام الحكم اللبناني. علاوة على ذلك، قد يؤدي قيام حزب الله بلعب دور أكثر نشاطاً في الحلبة السياسية المحلية، إلى تغيير طبيعة مصالحه وحتى هيكليته؛ وهي تغييرات قد تتصادم مع أولويات الحزب خارج لبنان. وبالتالي، ستتطلّب هذه الأهداف المتضاربة ممارسة سياسية توازن دقيقة للغاية، خاصة وأن التحدي الرئيس هنا يكمن في احتمال الاشتباك مع الحلفاء الذين كانوا يوفّرون لحزب الله الغطاء لدوره الإقليمي، في مقابل منحهم السيطرة الكاملة على السياسات المحلية.

الانخراط المبكّر لحزب الله في الأزمة السورية
لم يكن نشر قوات حزب الله في سورية هو الأول من نوعه في خارج لبنان، لكنه كان الأكبر. ففي أوائل التسعينيات، اشترك أكثر من 100 مقاتل من حزب الله في الجهود التي قادتها إيران لتدريب المسلمين في البوسنة، وكان بينهم علي فياض، المُكنّى علاء، وهو مقاتل متمرّس في الحملة البوسنية وقُتِلَ حين كان يحارب في سورية في شباط/فبراير 2016. وقبل ذلك بعقد من الزمن، كان حزب الله منغمساً بعمق في العراق غداة الغزو الأميركي لذلك البلد العام 2003، حيث درّب الميليشيات الشيعية العراقية التي نفّذت هجمات ضد قوات الاحتلال الأميركي. وقد توجّهت معظم هذه المجموعات العراقية بعد ذلك إلى سورية للقتال إلى جانب حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

لكن الواقع أن حزب الله لم ينحز فوراً إلى الخيار العسكري في سورية، إذ هو حاول في البداية إيجاد حل سياسي بمساعدة حركة حماس الفلسطينية الإسلامية. كانت حماس قد تواسطت في العام 2012 مستفيدةً من علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين، لمحاولة إبرام اتفاقية تقاسم للسلطة، بيد أن هذا الجهد تعثّر حين اشترطت الحكومة السورية أن تضع المعارضة سلاحاً أولا. وكما لاحظ مسؤول في حماس: “حفزنا كلٌ من علاقاتنا مع حكومة دمشق ومع جماعة الإخوان وحرصنا على الوصول إلى حل سلمي للنزاع، على عرض خدماتنا. كانت إيران وحزب الله يثقان بجهودنا، لكن الحكومة السورية وجماعة الإخوان رفضتا ذلك، لأنهما كانتا تشعران أنهما ليستا في حاجة إلى تقديم تنازلات في هذه المرحلة المبكّرة (من الصراع”).1

قام حزب الله بجهوده الأولية لايجاد حل سياسي وهو يضع في الاعتبار موقف إيران، التي كانت تُطل على الأزمة السورية بكونها تحدّياً لمواقعها الإقليمية. وبالتالي، رأى الحزب حاجة إلى التدخل مباشرة أو عبر حلفائه. وقد كُشِفَ النقاب عن دور حزب الله هذا في عملية صنع القرار الإيراني في مذكرات العميد حسين همداني، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني الذي قُتل قرب حلب في تشرين الأول/أكتوبر 2015. فقد أشار همداني إلى أنه في ربيع العام 2012، طلب منه المرشد الأعلى الإيراني أية الله علي خامنئي التشاور مع زعيم الحزب حسن نصر الله الذي قيل أنه كان مسؤولاً عن سياسة محور المقاومة في سورية. كان نصر الله التقى خامنئي في طهران في أواخر 2011 لاتخاذ قرار حول التدخّل، أي بعد تسعة أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية، ثم عاد إلى بيروت لبدء الاستعدادات، بسبب الحاجة إلى تأطير هذا التدخل على نحو ملائم في المشهد السياسي اللبناني الذي كان يعيش أصلاً حالة استقطاب حادة.

كان نصر الله ألمح إلى هذا التصعيد الزاحف في 30 نيسان/أبريل 2013، حين تعهّد بأن أصدقاء سورية لن يتركوها “تسقط في حضن الولايات المتحدة وإسرائيل أو الجماعات الجهادية”. والواقع أن حزب الله بدأ بالفعل يقاتل إلى جانب الجيش السوري في المناطق الريفية حول القصير، وهي مدينة في محافظة حمص قرب الحدود اللبنانية. وفي أيار/مايو 2013، ذُكِرَ أن الحزب أرسل نحو 1700 مقاتل لدعم قوات الحكومة السورية في القصير. ففي 25 أيار/مايو، وفي الذكرى السنوية الـ13 للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، خطا نصر الله خطوة أخرى نحو التصعيد حين أعلن أن سورية هي معركتنا ونحن أهل لها، قبل أن يشدّد على أن الحكومة السورية “كانت ظهر المقاومة، والمقاومة لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي فيما يتعرّض ظهرها إلى خطر القصم”. وحينها، دخل انخراط لبنان في الأزمة السورية في مرحلة جديدة. نصر الله نفسه كان قد توقّع ذلك في خطابه، حين دعا كل الأطراف إلى احترام الاستقرار في لبنان، كما حثّ اللبنانيين على تسوية خلافاتهما في سوريا لتجنيب لبنان مزيداً من العنف الطائفي، قائلا: “طالما أن لدينا مواقف متباينة حيال سورية، فلنتقاتل هناك، وليس هنا”.

حين تدخّل حزب الله في سورية العام 2013، كان هدفه الرئيس الحفاظ على الاستقرار في لبنان، في الوقت نفسه الذي كان يقاتل ضد ما يعتبره حرباً وجودية على مرمى حجر من بلده. وهو اعتبر الحرب في سورية بمثابة تهديد كبير له، لأن الرئيس السوري بشار الأسد كان الحليف الإقليمي الأهم للحزب وإيران. هذا علاوة على أن سورية هي المعبر الأساسي للمساعدات العسكرية الإيرانية لحزب الله، وهي واصلت لعب هذا الدور على رغم الضغوط الإقليمية والدولية عليها. وبالتالي، فإن الخوف من إطاحة حكومة الأسد، بما قد يتضمنه ذلك من قطع المساعدات، كان من شأنه ضعضعة الحزب في لبنان وفي المنطقة الأوسع، وربما على نحو خطير. وهكذا محصلة كانت ستُجبر حزب الله على تبنّي مستقبل من دون أسلحة.

ارتفاع وتائر العنف
أثار تدخل حزب الله في سورية زوبعة في لبنان. فمعظم السنّة اللبنانيين دعموا المعارضة السورية، فيما ساند حزب الله حكومة الأسد، وهذا ما فاقم الشرخ الاستقطابي بين السنّة والشيعة. ثم ان العديد من اللبنانيين اعتبروا تدخل حزب الله في سورية خرقاً لـ”إعلان بعبدا” الذي وَقّع في حزيران/يونيو 2012، وتمّت صياغته بعد جلسات الحوار الوطني في قصر الرئاسة اللبناني. كان هدف هذا الإعلان النأي بلبنان عن النزاعات الإقليمية، لكن لم يكن له في الواقع تأثير يُذكر على الأحزاب اللبنانية المُتورطة في سورية. ووفقاً للرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، الذي ترأس جلسات الحوار، “لم يبلغ حزب الله الحكومة مسبقاً عن تدخله في سورية، على رغم الحقيقة بأنه وافق على إعلان بعبدا”.2

أدّت تداعيات العنف في سورية إلى إحياء مشاعر البغضاء في مدينة طرابلس الشمالية اللبنانية، وإلى اندلاع جولات من القتال بين المُتشددين العلويين المؤيدين للأسد في جبل محسن وبين المُتشددين السنّة الداعمين للتمرّد السوري في حي باب التبانة المُجاور. وفي جنوب لبنان، أعلن أحمد الأسير، وهو رجل دين سنّي ناري المزاج ومتعاطف مع الانتفاضة السورية، معارضته لحزب الله والحكومة السورية في دمشق. وهو واجه حزب الله من خلال تنظيم اعتصامات في الطريق الرئيس الذي يربط بيروت بمعاقل حزب الله في جنوب لبنان. حظيت حركة الأسير بالدعم في صفوف السنّة في كل انحاء لبنان. وفي نيسان/أبريل 2013، وفيما انخراط حزب الله في القصير كان يتوالى فصولا، أعلن الأسير ورجل دين من شمال لبنان يُدعى الشيخ سالم الرفاعي أنهما سيرسلان أسلحة ومقاتلين لخوض المعارك في تلك المدينة. وبعدها بأيام، وفي تصعيد جديد، نُشرت صور للأسير وهو يتمنطق السلاح. وفي حزيران/يونيو 2013، اندلعت مجابهات بين أنصار الأسير وبين الجيش اللبناني في عبرا، إحدى ضواحي صيدا، اتُّهِمَ فيها حزب الله بالمشاركة في العملية ضد الأسير. وقد انتهت هذه المعركة بفرار هذا الأخير، ثم اعتقاله لاحقاً حين كان يحاول مغادرة بيروت في آب/أغسطس 2015.

في ذلك الوقت، وقعت سلسلة من التفجيرات الدموية في لبنان. وعلى رغم أن الأهداف وراء هذه الاعتداءت كانت مختلفة للغاية، إلا أنها أكّدت أن الوضع الأمني بدأ يتحلل على جناح السرعة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2012، قُتِلَ وسام الحسن، مدير جهاز فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي ونصير سعد الحريري الذي سيُصبح لاحقاً رئيس حكومة لبنان، بانفجار سيارة ملغومة في شرق بيروت. وفي تموز/يوليو، هزّ انفجار آخر شارعاً مزدحماً في حي بئر العبد، الذي يُعتبر معقلاً لحزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية، كم استهدفت تفجيرات أخرى مدينة طرابلس، وجرى اغتيال وزير سابق هو محمد شطح في وسط بيروت في كانون الأول/ديسمبر 2013.

ما لبثت كل هذه الأحداث أن دخلت منعطفاً جديداً وأكثر سوءاً في آب/أغسطس 2014، حين قام تنظيم الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً وجبهة النصرة بهجوم على مواقع الجيش اللبناني في سهل البقاع، وبالتحديد في بلدة عرسال قرب الحدود السورية. قُتل أو خُطف في هذا الهجوم جنود لبنانيون عدة، ثم أُطلق سراح بعضهم في عملية تبادل أسرى مع جبهة النصرة. ولاحقا، تمّت استعادة جثامين جنود آخرين خطفهم تنظيم الدولة الإسلامية بعد عملية عسكرية في آب/أغسطس 2017، قاتل فيها الجيش اللبناني، ومعه حزب الله ضمنا، جنباً إلى جنب.

صخب سياسي وسخط شعبي
جاء هذا الوضع الأمني اللبناني المُلتهب في خضم صخب سياسي عارم. ففي آذار/مارس 2013، قدّم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي استقالته غداة خلافات حول عملية تعيين سياسية، وبعدها ولشهور عدة، حكمت لبنان حكومة تصريف أعمال. أختير تمام سلام كمرشح إجماع للحلول مكان ميقاتي في نيسان/أبريل 2013، لكنه لم يستطع تشكيل الحكومة حتى شباط/فبراير 2014. السبب الظاهري لهذا التأخير كان تباين وجهات النظر بين مختلف الأفرقاء حول توزيع المناصب الوزارية، لكن السبب يعود أساساً في الحقيقة إلى الحرب السورية. فحزب الله سعى إلى حكومة لا تتبنى مواقف متناقضة مع موقفه حيال سورية، فيما كان تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري يراهن على أن التدخلات الأجنبية ستؤدي إلى دحرجة رأس بشار الأسد.

في الفترة بين 2013 و2016، عانى لبنان من فراغ سياسي ومن الصراع بين مختلف الأطراف لتحديد الجهة التي يجب أن تملأ هذا الفراغ. وفي أيار/مايو 2014، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تشكيل حكومة سلام، انتهت فترة ولاية الرئيس سليمان من دون وجود اتفاق بين القوى السياسية اللبنانية الرئيسة على الشخصية التي تخلفه. هذا الفراغ الجديد دفع البرلمان إلى التمديد لنفسه للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية العام 1990. كان مرشح حزب الله الوحيد ميشال عون، القائد السابق للجيش الذي يترأس التيار الوطني الحر وتكتل التغيير والإصلاح النيابي. وفي سبيل إيصاله إلى سدة الرئاسة، قاطع حزب الله وحلفاؤه الجلسات البرلمانية التي كانت تعقد لانتخاب الرئيس، ومدّد أمد الفراغ بهدف الضغط على خصومه لقبول ترشيح عون. وقد أنحى الرئيس السابق سليمان باللائمة على عملية انخراط حزب الله في لجج الأزمة السورية قائلا: “أشعل تدخل حزب الله خلافات بين اللبنانيين، ما أسفر عن الوجود الفوضوي للاجئين، وعن تمديد عمر حكومة تصريف الأعمال ومعه الفراغ الرئاسي لمدة سنتين ونصف السنة”.3

على رغم الخلافات حول انخراط حزب الله في سورية، إلا أن الحزب كان قادراً على دفع مساعيه قدماً كي يكون صانع الرؤساء. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، (وبعد 29 شهراً من التأزم) تمّ انتخاب عون، بعد أن دعم الحريري، الذي كان خصماً لعون، ترشيح هذا الأخير، في مقابل تسنّمه هو رئاسة الحكومة. بيد أن خطوات حزب الله هذه أجبرته على إعادة النظر في تموضعه الداخلي في لبنان، حتى حين كان خصومه يغيّرون توجهاتهم ويطالبون بانسحاب حزب الله من سورية، بدل الدعوة إلى نزع سلاحه.

تزامنت هذه المناورات السياسية مع تصاعد الاستياء الشعبي من أداء الحكومة اللبنانية. فحين نزل المواطنون إلى الشارعفي شهر آب/أغسطس 2015 احتجاجاً على فشل الحكومة في حلّ أزمة النفايات في البلاد، كان حزب الله ونوّابه من جملة الذين طالتهم تنديدات المتظاهرين. لكن التظاهرات انتهت من دون حدوث أي تغيير يُذكر، لكن السخط الشعبي تواصل من القوى السياسية الكُبرى في البلاد. وهكذا، فوجئ حزب الله بردّة فعل الناخبين في الانتخابات البلدية التي جرت في أيار/مايو، إذ فازت اللائحة المدعومة من الحزب بفارق بسيط فقط في مدينة بعلبك التي تُعدّ أحد معاقله، فيما حصد خصومهنسبة 46 في المئة من الأصوات. وشكّلت هذه النتيجة الانتخابية مؤشّراً على استياء الناخبين من أداء الحزب في الحكم المحلي.

بقي هذا الاستياء سائداً في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية للعام 2018، بيد أن نصر الله تطرّق إلى هذه المسألة، متعهّداً انتهاج مقاربة مختلفة عَقِب الانتخابات. وهو توجّه تحديداً إلى الناخبين بالقول إن الحزب سيضع مكافحة الفساد في أولوياته، وأنه سيتابع هذا القضية شخصياً. ووفقاً لهذه الحملة العامة، سيطالب حزب الله على الأرجح بدور فعّال أكثر في الحكومة. وتعهّد نصر الله أيضاً بأن يعمل نوّاب الحزب “على تحقيق الإصلاح السياسي والإداري في الدولة”.

سمحت نتائج انتخابات العام 2018 لحزب الله بتعزيز تكتّله، إذ حصد هو وحلفاؤه ما يربو على نصف مقاعد البرلمان. لكن التكليف الذي منحه الناخبون إلى حزب الله استند إلى أجندة الحزب الإقليمية وليس إلى إنجازاته المحلية. وفيما لم يفُز حزب الله سوى بمقعد إضافي واحد، إلا أن مجرّد الحفاظ على جميع مقاعده وحصْد مقعد إضافي اعتُبر نجاحاً نسبياً، نظراً إلى اعتماد نظام التمثيل النسبي في لبنان. وقد أُبلغت القاعدة الشعبية للحزب مراراً بأن خسارة مقاعد إضافية، سيشي على الأرجح بأن المقاومة التي يمثّلها حزب الله تخسر لصالح خصومه. وفي 1 أيار/مايو، ألقى نصر الله خطاباً في بعلبك رسم فيه روابط تحريضية بين خصومه السياسيين والمملكة العربية السعودية، مُدرجاً بذلك المعركة الانتخابية في سياق إقليمي. وخوفاً من أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات منخفضة، ما قد يؤثّر سلباً على الحزب، شدّد نصر الله مراراً على المخاطر المُحدقة بالبيئة المقاومة الحاضنة لحزب الله، في محاولةٍ لحثّ الناخبين غير المتحمّسين على الإدلاء بأصواتهم.

تحديات بلورة أجندة محلية
ماذا قد يحمل المستقبل لحزب الله؟ قد يؤدي الانخراط المتزايد للحزب في شؤون الحوكمة المحلية إلى تحوّل في أهدافه. فبعد عقود من التركيز على المسائل الأمنية – كالتصدّي إلى التهديدات الإسرائيلية وإنقاذ الحكومة السورية من الانهيار، ومساعدة الفصائل العراقية ضد الولايات المتحدة أولاً، ثم ضد تنظيم الدولة الإسلامية ثانياً – سيسعى حزب الله على الأرجح إلى تحسين خدمات الدولة، وتحقيق استقرار المالية العامة للحكومة، وتحفيز النمو في المناطق، وقيادة دفّة الإصلاح الإداري. وسيتعيّن على خطاب الحزب وكوادره التكيّف مع هذه المهام والأولويات الجديدة لتلبية توقّعات الناخبين.

ثمة مسألة مهمة أخرى تتمحور حول مدى قدرة حزب الله على صياغة سياسات اجتماعية واقتصادية، كفيلة بتلبية حاجات قاعدته الشعبية التي تتجاوز أعضاء الحزب وأسرهم. قد تكون هذه المهمة أصعب بكثير من الانخراط في صراعات إقليمية، لأن الغاية من إنشاء حزب الله لم تكن صياغة مثل هذه السياسات، بل هو أُنشِئ على أساس رؤية إيديولوجية لم تتضمّن قط مقاربة محلية لمسائل اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن بلورة رؤية مناسبة لدولة طائفية منقسمة كلبنان، حيث لاتشكّل أي طائفة أغلبية حقيقية.

بيد أن الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها حزب الله، يثير معضلات خطيرة بالنسبة إليه. فمن جهة، سيجد حزب الله صعوبة في صياغة نموذج حكم يلائم مقاييس التعقيدات اللبنانية. ولاتقتصر المسألة على ذلك، فالاندماج الأكبر للحزب داخل نظام الحكم في لبنان، سيعني التبنّي التام للعبة السياسية في البلاد، مع ما يتضمنه ذلك من تسويات انتهازية، أي نوع من أنواع المراوغة والتحايل التي قد تجعل من الصعب الوفاء بوعد القضاء على الفساد. هنا يجد الحزب نفسه أساساً أمام أسئلة تتعلق بالتزامه الأكبر بالقضايا المحلية، من دون أن تتوافر لديه إجابات سهلة. ولمعالجة مثل هذه المسائل، قد يقرّر حزب الله الاستثمار بشكل أكبر في صياغة السياسات، سواء من خلال تأسيس مراكز أبحاث السياسات أو توظيف متخصصين في المجال.

ويتمحور سؤال شائك آخر في ماتعنيه المحفظة المحلية المتوسعة للحزب بالنسبة إلى دوره الإقليمي. وسيواصل حزب الله مواجهة ضغوط بين أولوياته داخل البلاد وخارجها، طالما أن مشاركته في الصراعات وأنشطته الأخرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط تؤثّر على مستوى معيشة قاعدته الانتخابية الشيعية. وتبقى الإجابة عما إذا كان الحزب يمتلك الحرية للحدّ من تدخّله في الخارج والتركيز على مجتمعه المحلي، بعيدة كل البعد عن أن تكون أكيدة. فالبنية التأسيسية لحزب الله قد لاتسمح له بالتأقلم بنجاح مع مسائل الحوكمة المحلية أو حتى القضايا الطائفية. ونجد من الصعوبة بمكان أن نتخيّل تخلّي الحزب عن دوره الإقليمي، ما قد يؤثر على علاقاته مع الممولين الإيرانيين الرئيسين. وعلى الرغم من هذه التوترات، سيبقى مستقبل الحزب مرهوناً إلى حدّ كبير بقدرته على الموازنة بين مطالب أجندته المحلية والخارجية. ومثل هذا التوازن يجب أن يتضمن تمكين حزب الله من الاحتفاظ بدعم الناخبين الشيعة المحليين، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات استراتيجية مع طهران.

السياسات التوازنية لحزب الله
في الواقع، ليست الخطوات التوازنية لحزب الله بالشيء الجديد تماماً. يكفي أن نقارن كيفية عمل حزب الله في الثمانينيات، حين كان مُستقلاً بشكل كامل عن النظام السياسي اللبناني، بالطريقة التي عمل بها في التسعينيات، عندما قام بترشيح عناصر منه إلى البرلمان. وقد سمح هذا التطوّر تدريجياً لحزب الله باتخاذ قرارات أفضل استناداً إلى المعايير المحلية، وتجلّى ذلك في سعي الحزب إلى التمتّع بشرعية أكبر داخل الدولة اللبنانية، على الرغم من شكوكه المتعلقة بالنظام السياسي للبلاد. ومنذ تسعينيات القرن المنصرم، تسارعت عملية إعادة التوجيه هذه نحو الشؤون المحلية. وبالنظر إلى أن نوّاب حزب الله وحلفائه يحظون حالياً بالأغلبية، سيُولي الحزب على الأرجح أهمية أكبر للمشاغل المحلية اللبنانية، ولن يتخذ في الوقت نفسه أو يسمح بأي إجراءات من شأنها تقويض الاستقرار المحلي.

يدرك حزب الله تمام الإدراك أنه، من دون وجود جبهة محلية قوية، لايمكنه المضي قدماً في أجندته الإقليمية. لذا، يتعيّن على الحزب، إلى حدّ ما، مجابهة التحديات الداخلية الحسّاسة مع الأطراف السياسية اللبنانية الأخرى. ومثل هذه الضرورة قد تطرح مشاكل للحزب لأن شعاراته الدينية والإيديولوجية سيكون لها تأثير محدود إذا مافشل في الحدّ من الفساد أو تورط أعضاؤه في أخطاء حكومية. وستبرز المخاطرة نفسها في حال قرّر نصر الله مكافحة الفساد بأسلوب قد يوتّر تحالفات حزب الله المحلية مع شركاء مثل حركة أمل. كما قد يترتّب على ذلك عواقب وخيمة بالنية إلى مسآلة التزام هؤلاء الحلفاء بأهداف حزب الله؛ هذا في حين أن تراجع الحزب عن المواجهة قد يثير في وجهه مشكلات خطيرة تتعلق بمصداقيته.

لسنوات طوال، تعهّد حزب الله لأنصاره بأنه سيفوز في كل المعارك التي سيخوضها، وآخرها في سورية. لكن في حالة لبنان، لايقتصر اختبار حزب الله على البنادق والصواريخ، بل على مدى قدرته على عبور حقول الألغام السياسية.

علي هاشم

مركز كارنيجي

Print Friendly, PDF & Email