الأسد “عدو” يمكن أن يلجأ إليه أردوغان

الأسد “عدو” يمكن أن يلجأ إليه أردوغان

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرسل إشارات متناقضة بشأن العلاقة الحالية والمستقبلية مع النظام السوري، وهذا يعكس حجم التخبّط الذي يعانيه جراء الصد الذي يلاقيه من الأصدقاء والحلفاء في تنفيذ مشاريعه في سوريا.

دمشق – ترك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الباب مواربا أمام إمكانية إعادة العلاقات مع نظيره السوري بشار الأسد، في ما بدا أنه يريد الإبقاء على حظوظ جميع الخيارات في التعاطي مع هذا الملف، وسط هاجس متعاظم من أن يجد نفسه وحيدا في معارضته للأسد على ضوء الانفتاح العربي المتدرج على دمشق، وإبداء بعض القوى تسليمها بفكرة بقاء الرئيس السوري، مع مواصلتها الضغط لتسوية تغير من طبيعة النظام القائم.

وتقول أوساط سياسية إن أردوغان يواجه تحديّات كبيرة في محاولته الحفاظ على المكاسب التي راكمها طيلة السنوات الثماني من عمر الصراع السوري، ولمَ لا تعظيمها عبر السعي إلى إقناع الولايات المتحدة بدعمه في إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري بعد الفيتو الروسي، حيث طالبت موسكو بالاستعاضة عن فكرة المنطقة الآمنة بتفعيل اتفاقية أضنة، وما يعنيه ذلك من عودة سيطرة الحكومة السورية على كامل حدودها الشمالية.

وبعيدا عن التصريحات الدبلوماسية لمسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشير المحللون إلى أن أردوغان غير واثق من إمكانية إقناع هذه الإدارة بدعمه لإنشاء تلك المنطقة الآمنة التي سبق وطرحها ترامب كحلّ وسط بين تركيا والأكراد عقب قراره بسحب القوات الأميركية من هذا البلد.

رغم الاختلافات الجوهرية بين الغرب وروسيا بيد أن هناك توافقا لجهة عدم السماح لتركيا بتوسيع مساحة نفوذها في سوريا

وقال أردوغان الأحد إنه لا يمكن لقوات التحالف الغربية إقامتها دون تركيا، في إشارة إلى دعوة الأكراد إلى نشر قوات دولية في المنطقة المعنية. وأضاف الرئيس التركي “بوسعنا توفير الأمن في المنطقة. يمكننا إدارة المنطقة معكم. لا توجد مشكلة هناك. لكن لا يمكن أن نترك المنطقة للتحالف الدولي”. وكان الرئيس الأميركي أعلن في 19 ديسمبر عن قرار بسحب قوات بلاده وقوامها نحو ألفي جندي من سوريا، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة وحالة استياء في صفوف حلفائه الأوروبيين وفي المنطقة، في ظل عدم انتفاء العوامل التي أدت إلى إرسال هذه القوات وبينها القضاء نهائيا على تنظيم داعش، والضغط على إيران للانسحاب، إلى جانب عدم التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة.

ويخشى حلفاء واشنطن من أن يفتح هذا الانسحاب الباب أمام تركيا لاجتياح مناطق قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردي، وما سيعنيه من مجازر فظيعة بحق مكوّن رئيسي من مكوّنات الشعب السوري وهو الأكراد، فضلا عن فتح الباب أمام المزيد من توغل أنقرة.

ويرى دبلوماسيون أنه رغم الاختلافات الكثيرة والجوهرية بين القوى الغربية وروسيا بشأن الملف السوري بيد أن هناك توافقا لجهة عدم السماح لتركيا بتوسيع مساحة نفوذها في سوريا، وضرب الأكراد.

ويقول الدبلوماسيون إن روسيا اليوم تتحرك خلف الكواليس لتقليص الهوّة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية بشأن الملف السوري، بالتوازي مع سعيها إلى استمرار التعاون مع تركيا ضمن محور أستانة الذي يضم أيضا إيران الحليفة الرئيسية للرئيس بشار الأسد.

وقد حققت موسكو نسبيا بعض الاختراقات بيد أن المشوار ما يزال طويلا وهناك عراقيل عدة تحُول دون رغبتها في إعادة تعويم الأسد. وأعلنت مفوضة الأمن والسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، خلال اجتماع عربي أوروبي الاثنين، في بروكسل أن “التوصل إلى حل سياسي في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة من الشروط المسبقة لتطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد”.

جاء ذلك عقب إعادة بعض الدول على غرار البحرين والإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، واتساع قاعدة الدول المنادية باستثمار قمة تونس المقررة الشهر المقبل لإنهاء تجميد سوريا في جامعة الدول العربية.

وفي ما بدا محاولة استباقية، ترسل تركيا إشارات متناقضة بشأن العلاقة مع الأسد، حتى لا تجد نفسها مستقبلا خارج مدار اللعبة السورية.

وقال الرئيس رجب طيب أردوغان الأحد إن بلاده تواصل الاتصال مع الحكومة السورية. وأوضح في مقابلة مع محطة (تي.أر.تي) إن “السياسة الخارجية مع سوريا مستمرة على مستوى منخفض”. وأضاف أن أجهزة المخابرات تعمل بشكل مختلف عن الزعماء السياسيين. وتابع أن “الزعماء قد لا يتواصلون. ولكن أجهزة المخابرات يمكنها التواصل لمصلحتها. مشددا “حتى إذا كان لديك عدو فعليك عدم قطع العلاقات. فربما تحتاجه في ما بعد”.

ولطالما وصف أردوغان الأسد بالقاتل، ودعا مرارا إلى وجوب تنحيه عن السلطة، ولكن بدعم من روسيا استطاع الأخير استعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية، فيما لجأت قوى المعارضة والجهادية إلى الشمال السوري حيث النفوذ التركي.

وفي ما بدا تغيّرا قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في ديسمبر إن تركيا ودولا أخرى ستفكر في العمل مع الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية، وقال الشهر الماضي إن أنقرة على اتصال غير مباشر مع دمشق عن طريق روسيا وإيران.

وجاء تصريح وزير الخارجية التركي آنذاك عقب اللقاء المتوتر الذي جرى بين الرئيس التركي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، والذي شدد خلاله الأخير على أن بلاده ترفض إقامة المنطقة الآمنة داعيا الحكومة السورية إلى الإسراع في عقد مفاوضات مع الجانب الكردي.

ويرى كثيرون أن تصريحات أردوغان بشأن الأسد، تعكس البراغماتية التي لطالما طبعت مسيرته في الحكم، وأن طرحه يندرج في سياق المناورة، حيث ان طموحه في سوريا يتعارض واستمرار الأسد في السلطة.

ومن المقرر أن يلتقي أردوغان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني في منتجع سوتشي الروسي في 14 فبراير لإجراء محادثات بشأن سوريا.

العرب

Print Friendly, PDF & Email