العولمة وعصر الفقر العالمي في الدول المتقدمة والنامية

العولمة وعصر الفقر العالمي في الدول المتقدمة والنامية

 

الباحثة شذى خليل*

شهد الاقتصاد العالمي تحولات كثيرة في ثمانينيات القرن العشرين ، ومن أهم هذه التحولات التركيز الشديد في رأس المال المالي ، واتساع نشاط الشركات عابرة القارات متعددة الجنسيات ، وانهيار جدار برلين ، وسقوط المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينيات ، وتداعي منظومة التحرر القومي ، والانسحال المريع للبنية الأيديولوجية والفكرية للأحزاب الاشتراكية والليبرالية ، والتطور التكنولوجي الاتصالات والثورة الرقمية.
هذه المتغيرات أوجدت واقعاً تاريخياً أخلّ بتوازنات المصالح والقوة التي كانت سائدة طوال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وأدى إلى مرحلة أحادية القطبية أو العولمة ، التي مكّنت الولايات المتحدة من تسيّد المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي العالمي ، على اعتبارها الطرف المنتصر الذي يمتلك الحق في تحديد نمط العلاقات الدولية وفق مفاهيم الليبرالية الجديدة.
فشهد العالم والاقتصاد العالمي موجة تحرر التجارة العالمية بكل جوانبها ، السلعية ، وحقوق الملكية الفكرية ، والاستثمار المتعلق بالتجارة العالمية ، وأصبحت سوقاً واحداً تتسع فيه دائرة ومجال المنافسة بين الفاعلين في هذا السوق ، وهؤلاء أصبحوا ليسوا فقط الدول والحكومات ، بل منظمات اقتصادية عالمية وشركات متعددة الجنسيات ، وتكتلات اقتصادية عملاقة ، لا يمكن حصرها.
وقد عرف بعض خبراء الاقتصاد “العولمة الاقتصادية” بانها التكامل والترابط بين الاقتصادات الوطنية والإقليمية والمحلية ، في جميع أنحاء العالم تقريباً ، من خلال تكثيف الحركة عبر الحدود للسلع والخدمات والتقنيات ورأس المال.

وانها تهيئ الفرص للنمو الاقتصادي على المستويين المحلي والعالمي ، وتزيد حجم التجارة العالمية ، وتنعش الاقتصاد العالمي ، وتقـرب الاتجاهـات العالميـة نحـو تحريـر أسـواق التجـارة ورأس المـال والأموال الضخمة والشركات العملاقة.
وتهدف العولمة الاقتصادية إلى الدمج المتزايد لاقتصاديات العالم ، إذ تحوّلت اقتصادات البلدان من الاقتصاد المبني على التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق ، حيث ساعدت الإصلاحات الداخلية الشركات على التكيّف بسرعة أكبر ، واستغلال الفرص التي أوجدتها التطورات التكنولوجية الكبيرة.
وأعادت الشركات متعددة الجنسيات تنظيم العملية الإنتاجية لديها من أجل الاستفادة من هذه الفرص ، ما أدى إلى هجرات متزايدة للأيدي العاملة ورؤوس الأموال إلى مناطق تتميّز بانخفاض تكاليف العمالة.
ونلاحظ في العقود الأخيرة نتيجة اندماج الاقتصادات المتقدمة مع الاقتصادات الأقل نمواً ، وخفض الحواجز التجارية فيما بينها ، وفرض تعرفة جمركية قليلة ، وكبح الدعم الحكومي للسلع المصنّعة محلياً ، نلاحظ ذلك من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر ، وخفض الحواجز التجارية ، و ترتيبات مسبقة كانت تتم بين الدول في إطار “الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة” (GATT) ، التي شُكلت في عام 1947 ، وتطورت لتصبح ما يُعرف اليوم بـ”منظمة التجارة العالمية” (WTO) ، الوجه الآخر للعولمة ، فهناك من يرى بأن التقدم في تكنولوجيا الاتصالات والنقل إلى جانب إرساء أيديولوجيا السوق الحرة ، قسم العالم الى قطبيين ، شمالي غني وجنوبي رخيص أو فقير ، حيث أعطى حرية غير مسبوقة لتنقل السلع والخدمات ورأس المال عبر الحدود ، فبلدان الشمال الغنية تريد فتح الأسواق العالمية أمام السلع للاستفادة من وفرة اليد العاملة الرخيصة في الجنوب ، ولتحقيق ذلك ، تستخدم الدول الغنية المؤسسات المالية الدولية والاتفاقات التجارية الإقليمية لإرغام الدول الفقيرة على “الاندماج” في السوق العالمية من خلال خفضها للرسوم الجمركية ، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة ، وتخفيف المعايير المرتبطة بالبيئة والعمل ، ما أدى إلى تعظيم أرباحها على حساب العمال وقوتهم ، مسببة بذلك ، ردود فعل قوية من المجتمعات المدنية

العولمة الرأسمالية:
تحررت الرأسمالية العالمية من قيود الانتشار والتوسع بسبب التطور النوعي الضخم في التقنيات وثورة المعلومات ، وبسبب قيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة ، فكان لابد من أن يترافق مع هذه المتغيرات الهامة ، تطوير النظم المعرفية والسياسية والاقتصادية ، التي من شأنها تعزيز سيطرة هذا النظام العالمي الجديد أحادي القطبية.
عالم جديد تفرض فيه قوة وحيدة شروطها ونمطها ورؤيتها على الجميع باسم العولمة ، التي لم يتصدى لها أحد ، خاصة في الدول النامية المنهزمة التابعة ، التي أطاعت التوجه الجديد حفاظاً على مصالحها ، واستجابت للعولمة عبر تحرير التجارة ، وإعادة هيكلة الاقتصاد ، وتبني نظام الخصخصة ، والتكيف مع المتغيرات.
ظهرت العولمة نتيجة ظروف دولية وإقليمية ، وهي بمثابة امتداد تاريخي وسياسي واقتصادي لتطور الرأسمالية التي لم تكف عن النمو منذ كانت جنيناً في القرن الخامس عشر ، ثم ولدت في القرن الثامن عشر ، ثم تحولت الرأسمالية إلى شكلها الامبريالي في نهاية القرن التاسع عشر.
لقد بلغ النظام الرأسمالي العالمي الامبريالي في مرحلة العولمة طوراً يسعى فيه باستخدام القوة ، لإعادة شعوب العالم إلى القواعد التي كانت تحكم الفترة الأولى لنشوء الرأسمالية ، القواعد التدميرية التي كانت قائمة على أساس المنافسة المتوحشة ، التي تضمن سيطرة الدول الاقوى على مقدرات الدول ومصير الشعوب الأضعف ، فالهيمنة هي التي تشكل محور نشاط المراكز الرأسمالية بثوب العولمة في الفترة المعاصرة ، واستمرار السيطرة واتساعها إما عبر استعمال القوة العسكرية ، أو من خلال الأنظمة التابعة والخاضعة لنفوذ الغرب.
هذه طبيعة الرأسمالية في طور ما بعد الامبريالية ، فما تحاول خلقه الامبريالية ليس نظاماً جديداً للكون ، بل إن ما يجري هو امتداد طبيعي وتواصل تاريخي لتطور الرأسمالية التي تقوم بالأساس على التوسع والانتشار ومراكمة رأس المال ، وتستفيد الرأسمالية الامبريالية – الأمريكية بشكل خاص ، والأوروبية بدرجة أقل – من المتغيرات الدولية لتفرض مزيداً من استبدادها على الدول الأخرى ، والضحايا الرئيسيين هنا هم الدول النامية وشعوبها.

العولمة وتأثيرها السلبي على الدول النامية:
لم تحقق الدول النامية أي تحسن ملحوظ من التحرر المالي والتجاري ، حيث تذهب النسبة الأكبر من الاستثمارات الاجنبية الى البلدان المتقدمة.
وكان للعولمة الاقتصادية بالأخص الجوانب المالية منها أثارا اقتصادية سلبية على اقتصاديات الدول النامية ، كالتقلبات الفجائية لرأس المال ، حيث تعاظم انسياب هذه الأموال وبشكل كبير ، وتعرض البنوك للأزمات وسيادة أجواء المضاربات ، وما يتولد عنها من هروب لرؤوس الاموال الوطنية للخارج ، وغسيل الأموال ، والتي شكل نسبة كبيرة على مستوى العالم ، ففي العام 2018 تخطت (8) مليارات دولار ، بينما يتراوح حجم هذا النوع من الجرائم المالية بين (1.5-2) ترليون دولار ، ما يوازي (2-5) بالمئة من الناتج العالمي الإجمالي.
وهي الأموال القذرة التي تتولد من مصادر غير شرعية , والتي تسبب الأزمات المالية ، ومشكلة السيادة الوطنية في مجال السياسية الاقتصادية والنقدية ، وعملية الخداع المستمرة التي تتعرض لها بتوفير رؤوس الأموال لها.
وتتميز الدول النامية بسمات عديدة كضآلة حجم السوق ، وضعف السيولة والتقلبات الشديدة بالأسعار وغيرها.

وتلك الأثار الاقتصادية على الدول النامية يمكن ايجازها كالتالي:
• اتساع تفاوت الدخول وتزايد الثروة بين الدول وبين السكان في داخل الدولة الواحدة ، افقار الفقراء وإثراء الأغنياء ، وهو ما حذر منه الكاتبان المعروفان هانس مارتن وهير الدشومان في كتابهما المعنون “فخ العولمة” ذلك ان المكاسب المتوقعة من تعميق العولمة لا يتم تقاسمها بالتساوي بين الأمم والشعوب.
• عولمة الفقر وهو ان يصبح الفقر عاما في العالم .
• زيادة معدلات الفقر على مستوى العالم بسبب التطور الحادث في العلاقات الانسانية والناجم عن ظاهرة العولمة ، والانفتاح الاقتصادي ، والتحرر المالي والاقتصادي والتجاري ، وأصبح الفقر ظاهرة عالمية ، ومن أبرز الظواهر الكونية كالتلوث وغيرها ، ويطلق بعض الاقتصاديين مصطلح عصر الفقر العالمي مع ظهور المجاعات والفقر وسوء التغذية على نطاق واسع ، حيث يعم الدول المتقدمة والنامية على حد السواء ، ويشكل نسبة كبيرة تزيد عن (20%) من اجمالي السكان البالغ عددهم نحو (7) مليارات نسمة ، ويعيش منهم نحو (1.3) مليار نسمة تحت خط الفقر.
• العولمة أدت إلى ازدياد حدة الفقر على المستوى العالمي ، وكأن هدفها عولمة الفقر ، وإلى ازدياد الآثار السلبية للفقر من قلة تغذية وأمراض وعدم القدرة على تطوير القدرات البشرية ، وتدني قدرات الموارد البشرية ، وصعوبة تأهيلها وتدريبها ، وهذا يتضح من خلال الزيادة المستمرة لمعدلات الفقر وفشل المنظمات الدولية في خططها لكبح الفقر .
• تفشي ظاهرة البطالة التي ضربت الكثير من الاقتصاديات والمجتمعات وخصوصا مع اندلاع الأزمات الاقتصادية ، حيث ارتفعت معدلات البطالة في المراكز الرأسمالية المتقدمة ، وشكلت أرقاما قياسية فاقت الـ(25%) في دول كاليونان واسبانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي ، وعلى الرغم من ان الاقتصاديين الرأسماليين قد اعتبروا سابقا في افتراضاتهم ان نسبة بطالة في الاقتصاد تقدر بـ(5%) هي نسبة طبيعية ، ولكن ارتفاعها فوق هذا المعدل يعني انها أزمة حقيقية وهيكلية تمس أسس وأسلوب الانتاج الرأسمالي ذلك إلى التقدم التكنولوجي والعلمي الذي أدى إلى التوفير في الكثير من عناصر الإنتاج.
• العمالة الرخيصة وجه آخر من أوجه أزمة الإفقار العالمية هذه ، حيث أن العمالة الرخيصة في الدول الكثيفة السكان ، مثل الصين وبنغلاديش ، التي يحصل عمالها على رواتب وأجور أقل من غيرهم ، دفعت الشركات متعددة الجنسيات الأوروبية والأميركية إلى توجيه استثماراتها وصناعاتها إليها ، وهو ما ترتب عليه تفاقم مشكلة البطالة والفقر ، في ظل تراجع مستوى الاستثمارات في الكثير من الدول الأخرى.
• تسببت العولمة المالية في زيادة الفقر بالعالم وتعميقها حتى أصبح الفقر عاما بسبب تنامي الشركات المتعددة الجنسيات.
• أدوات العولمة عديدة ، منها صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية ، والشركات المتعددة الجنسية ، كذلك ساعدت ثورة الاتصالات والمعلوماتية على انتشار هذه الظاهرة في الوقت الحالي .
• هناك اتساع كبير في الفجوات التكنولوجية والاقتصادية بين الدول المتقدمة والنامية على حد السواء.
• أدت عمليات تحرير الخدمات المالية وإلغاء الحظر على المعاملات المالية الى تعرض الأجهزة المصرفية للأزمات المالية والمضاربات وتدفق الأموال السوداء وغسيل الأموال وهروب رؤوس الأموال المحلية .
• التحرر المالي وانتشار العولمة أثبت ان الدول النامية ومنها العربية تعاني من وضع غير متكافئ لها مع الدول المتقدمة ، وهذا يؤكد على الاختلال الهيكلي في بنيان الاقتصاد .
• ارتفاع معدلات البطالة بمعدلات تزيد عن (5%) وزيادة عدد الفقراء بمقدار (150) مليون نسمة بعد الأزمة ، يؤكد ضعف النظام الموجود وعدم قدرته على حل المشكلات القائمة .
• إن ظاهرة العولمة قد حدثت في فترات سابقة ، ولكنها في الوقت الحالي تتميز بقوة انتشارها ومجال تأثيرها.
• إن تفرد الولايات المتحدة الأميركية على المستوى العالمي وتسخيرها القوة من أجل فرض سياساتها المختلفة ، جعل البعض يطلقون على ظاهرة العولمة اسم الأمركة .
• للعولمة مجالات مختلفة ، من أهمها المجال الاقتصادي ، بالإضافة إلى المجال المالي والسياسي والثقافي .
• إن ظاهرة العولمة أدت إلى تزايد حجم ظاهرة الفقر على المستوى العالمي ككل ، وحتى الدول التي ترعى هذه الظاهرة قد ازدادت بها هذه الظاهرة ، مما أدى الى ازدياد حجم البطالة في كل دول العالم ، بما فيها البلدان الراعية لهذه الظاهرة ، وذلك باعتمادها على تقليص تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية عن طريق عملية الخصخصة ، وساعدت على انتشار الفساد المنظم والجريمة وتجارة المخدرات والأسلحة ، وانهيار الكثير من الاقتصاديات في دول العالم عن طريق المضاربات المالية.
• تعمل العولمة على تهميش الهوية الوطنية والثقافية كتمهيد من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية .
• للعولمة تأثيرات كبيرة على الموارد البشرية عن طريق التأثير على تنشئة وتنمية هذه الموارد ، من خلال تقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالصحة والتعليم ، وكذلك من خلال تخفيض الأجور ، بالإضافة إلى إضعاف النقابات العمالية المدافعة عن حقوق هذه الموارد ، كذلك تؤدي العولمة إلى ضرورة الاهتمام بتأهيل الموارد البشرية بما يتناسب مع ثورة المعرفة والاتصالات ، بحيث تصبح أغلب المهارات والمعارف التي تمتلكها الموارد البشرية لا تتناسب مع متطلبات العولمة .

وجدة الدراسات الاقتصادية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email