الباحثة شذا خليل*
غالباً ما يُساء تفسير موقف الصين من الأزمات الدولية على أنه قائم على “التحالفات الأيديولوجية”، في حين أن الواقع أكثر براغماتية.بمعنى
-
قد تبدو المواقف سياسية أو أيديولوجية في الخطاب
-
لكن التصرف الفعلي يكون مبنياً على المصلحة، الحسابات العملية، والكلفة والعائد فاختلاف موقف بكين بين إيران وفنزويلا لا يعود إلى تفضيل سياسي بقدر ما يرتبط بحسابات الطاقة، والجغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالعقوبات، وموازين القوة مع الولايات المتحدة.
أولاً: الموقع الجيوسياسي والأهمية الاستراتيجية
تتمتع إيران بموقع جغرافي بالغ الأهمية في قلب الشرق الأوسط، بالقرب من ممرات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز. بالنسبة للصين، يمثل الشرق الأوسط ركناً أساسياً في أمنها الطاقوي طويل الأمد وفي توسعها الدبلوماسي. كما أن العلاقة الصينية–الإيرانية تعززت عبر أطر تعاون طويلة الأجل، ما يمنحها بعداً استراتيجياً يتجاوز المصالح الآنية.
في المقابل، تقع فنزويلا في نصف الكرة الغربي، ضمن مجال نفوذ تاريخي مباشر للولايات المتحدة. وهذا يجعل أي دعم صيني واسع لفنزويلا أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً، ويعرّض بكين لمواجهة مباشرة مع واشنطن في منطقة تتمتع فيها الأخيرة بأدوات ضغط أقوى.
ثانياً: الفوارق الاقتصادية وقطاع النفط
تُعد إيران اقتصاداً أكبر وأكثر تنوعاً نسبياً من فنزويلا، رغم العقوبات. وتمثل صادرات النفط الإيراني للصين فرصة اقتصادية مهمة، إذ تحصل بكين على نفط مخفّض السعر يصعب على طهران تصريفه في الأسواق العالمية. هذا العامل يجعل العلاقة “مفيدة للطرفين”، حتى في ظل القيود الدولية.
أما فنزويلا، فرغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، فإن قطاعها النفطي يعاني من تدهور هيكلي حاد نتيجة ضعف الاستثمار، وتراجع البنية التحتية، ونقص التكنولوجيا. كما أن تجربة الصين السابقة مع القروض المضمونة بالنفط في فنزويلا جعلتها أكثر حذراً، إذ تحوّلت العلاقة من شراكة استراتيجية إلى إدارة مخاطر واسترداد ديون.
ثالثاً: حسابات العقوبات والمخاطر
في حالة إيران، تعتمد الصين سياسة “الدعم المحسوب”، إذ تعارض العقوبات الأحادية من حيث المبدأ، لكنها تحصر تعاونها في مجالات عملية وتجنّب الالتزامات التي قد تعرّض شركاتها الكبرى لعقوبات مباشرة.
أما في فنزويلا، فبيئة العقوبات أكثر تقلباً، إذ تعتمد الولايات المتحدة على نظام تراخيص متغيّر يسمح أحياناً بالتصدير ثم يعيد تقييده وفقاً للظروف السياسية. هذا الغموض يجعل الاستثمارات الصينية طويلة الأجل أكثر مخاطرة وأقل جاذبية.
رابعاً: تباين مصالح الولايات المتحدة والصين
الولايات المتحدة تجاه إيران: تركّز على منع التصعيد النووي والحد من النفوذ الإقليمي لطهران، مستخدمة العقوبات لتقليص الموارد المالية.
الولايات المتحدة تجاه فنزويلا: تهدف إلى إدارة الاستقرار الإقليمي والهجرة، وتستخدم العقوبات كأداة ضغط سياسية، مع مراعاة تأثير النفط على الأسواق العالمية.
في المقابل:
الصين تجاه إيران: ترى في إيران شريكاً مهماً لأمن الطاقة ولإظهار أن النفوذ الأميركي ليس مطلقاً في الشرق الأوسط.
الصين تجاه فنزويلا: تفضّل الحفاظ على حد أدنى من العلاقات وحماية مصالحها السابقة دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع واشنطن في منطقة حساسة.
الخلاصة
إن دعم الصين لإيران أكثر وضوحاً من دعمها لفنزويلا ليس مسألة أيديولوجية، بل نتيجة حسابات استراتيجية واقتصادية دقيقة. فإيران توفر للصين قيمة أعلى من حيث الطاقة والموقع الجيوسياسي مع مخاطر يمكن احتواؤها، بينما تمثل فنزويلا حالة عالية المخاطر بعوائد أقل وفي بيئة تخضع لهيمنة أميركية مباشرة.
بالتالي، تتحرك الصين ببراغماتية: دعم محسوب حيث تكون الفائدة أعلى والكلفة أقل، وحذر شديد حيث تتفوق أدوات الضغط الأميركية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
