معمر فيصل خولي
في هذا الوقت الحرج التي تمر به الشرق الأوسط وتصريحات ترامب المتناقضة تجاه ايران ، اجرى الرئيس بوتين اتصالاً مع بنياهين نتنياهو وبزكيشيان يعرض عليهما الوساطة من اجل تجنب اي مواجهة عسكرية بين اسرائيل وايران . وفي ذات وقت وصل رئيس الموساد الاسرائيلي دافيد برنيع إلى الولايات المتحدة الأمريكية -يوم الجمعة الفائت- ، لاشك أن الزيارة أتت للتأكيد على تماهي الموقف الأمريكي والإسرائيلي فيما يتعلق بالإحتجاجات في إيران، وتنسيق بينهما في حال إقدام الولايات المتحدة الأمريكية في توجيه ضربة عسكرية بشكل منفرد أو ثنائي ضد إيران.
تتسم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إيران بالتناقض، هل هو تناقض مدروس أم أنه متروك للحالة المزاجية والعصبية للرئيس الأمريكي، لا يوجد هناك رئيس أمريكي على امتداد ما يقارب قرنين ونصف من وجودها على مسرح السياسة الدولية يمارس التناقض الذاتي يومي مع نفسه، الشيئ ونقيضه. فهو من جانب يحشد قواته العسكرية في الشرق الأوسط والخليج العربي، ويعلن عن إلغاء جميع الاجتماعات مع القادة الإبرانيين ودعا المحتجون الإيرانيون إلى إسقاط نظامهم السياسي وأن مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في الطريق، يعود من جديد ليدلي بتصريحات تتنافى مع تلك التصريحات وبفترة زمنية قياسية إذ صرح بأنه لن تكون هناك ضربات عسكرية ضد إيران رغم أن قيادته العسكرية كانت مستعدة لتوجيه ضربة عسكرية لإيران.
ربما هذا التغيير في الموقف مرده إلى تقدير استراتيجي عال المستوى مفاده أن الضربات العسكرية قد لا تمهد الطريق إلى إسقاط النظام السياسي في إيران، وحتى لو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التدخل العسكري المباشر فهي تخشى من ردة فعل النظام الايراني إذا تمكن من استيعاب الضربة، فواشنطن تدرك أن إيران اليوم، ليس عراق عام 2003م.
نعم هناك حالة التشابة وخاصة في الجانب الاقتصادي بين عراق ما بعد عام 1991م وحتى عام 2023م، وإيران 2026م، فالدولتان فرضت عليها عقوبات اقتصادية خانقة، لكن الفرق بينهما أن إيران تمكنت من بناء قدرات عسكرية من شأنها أن تحمي النظام السياسي في حال استهدافه عكس العراق الذي لم يستطع من إعادة بناء قدراته العسكرية في أثناء الحصار.
فالولايات المتحدة الأمريكية تخشى أن يقدم النظام السياسي في ايران في حاله إدراكه بأن سقوطه أصبح أمرًا حتميا، أن يذهب إلى خيارات تفجر الشرق الأوسط ومنها استخدام سلاح النفط مما يذكرنا بما حدث في الكويت قبيل تحريرها حينما أقدم العراق على تفجير ما يقارب 900 بئر نفط كويتي. لكن في هذه الحالة قد يقدم صانع القرار السياسي في إيران على تفجير النفط الإيراني واستهداف النفط في الخليج العربي إضافة إلى المصالح الأمريكية المباشرة.
أما الاحتمال الثاني في تأجيل توجيه ضربة عسكرية لغايات اسقاط النظام الإيراني، تدرك إدارة ترامب وكل يطمح أو يسعى إلى اسقاط ذلك النظام ان ايران اليوم كما اشرنا ليس عراق عام 2003، فهي اليوم يبلغ عدد سكانها ما يزيد عن 90 مليون نسمة ومساحتها ما يقارب أربع أضعاف مساحة العراق، كما أن إيران اليوم يملك ترسانة عسكرية عكس العراق في عام 2003م، بالاضافة إلى تنوعها القومي والطائفي، فهل الولايات المتحدة الأمريكية لديها تصور شامل لإيران ما بعد نظام الثورة الإيرانية؟ إم إنها ستعيد تجربتها الفاشلة في مرحلة ما بعد صدام حسين؟ فإذا فقدت السيطرة على مفاصل الدولة الإيرانية بجغرافيتها الواسعة بما فيها من ترسانة عسكرية فحينها ستفتح إيران أبوابها ليس لنظام حكم جديد وإنما فوضي عارمة جديدة لا تقتصر على الجغرافية الإيرانية بل ربما ستشمل المشرق العربي والشرق الأوسط.
في هذا الإطار أشار الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد -المعروف بصلاته الوثيقة بدوائر القرار في واشنطن وتل أبيب-، إلى تلقي الإدارة الأمريكية رسالة تقنية مشفرة عبر مسقط، مفادها أن قدرة إيران على فصل الإنترنت عن المواطنين الإيرانيين نسمة وتأمين جبهتها الداخلية رقميًا خلال 48 ساعة تعكس أيضًا قدرة محتملة على تعطيل رادارات خصومها في الخليج.ويبرز من هذا التحليل أن ما تمثله طهران من ردع تكنولوجي لم يكن مجرد أداة داخلية للسيطرة على الاحتجاجات، بل عنصرًا استراتيجيًا أثر بشكل مباشر على الحسابات الأمريكية، ودفع الإدارة إلى تفضيل خيار التسوية على المغامرة العسكرية.
أم أن الوساطات العربية وخاصة خليجية أثنت ترامب عن القيام بذلك؟ أم أن هناك أسباب أخرى تتعلق بشخصية الرئيس الأمريكي نفسه؟ أم أن ترامب منشغل الآن في القضايا المجاوره لدولته كما حدث في فنزويلا أو ما سوف يحدث في جرينلاند؟ أم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب بالأساس في توجيه ضربة عسكرية لايران وإنما كل هذه الاستعراضات العسكرية والتصربحات الرسمية من أجل تقديم إيران المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات دون اللجوء إلى إلى الخيار العسكري، الخيار الذي قد يفتح إلى تداعيات لا يتوقعها حتى صاحب ذلك الخيار.
خلاصة القول، بعد عقود من التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ربما إدارة ترامب عاقدة العزم على إنهائه يا إما في ايجاد حل جذري القضايا الخلافبة بين الدولتين عبر تسوية سياسية، أم الذهاب إلى الخيار الذي تحبذه اسرائيل وترغب به وهو إسقاط النظام السياسي في إيران، فترامب وإدارته تشكلان فرصة تاريخية لإسرائيل من أجل تحقيق ذلك، فإسرائيل ربما ترى في تأجيل الضربة على إيران ليس لجهة اعطاء الفرصة للدبلوماسية للتوصل إلى تسوياتـ، وإنما اختيار الوقت المناسب والطريقة المناسبة للإطاحة بالنظام الإيراني بأقل الخسائر الممكنة.
