اياد العناز
أتى حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 أيلول 2026 بخصوص إيران، عندما وضع أولويات ميدانية في مواجهتها تتضمن أما ضربة عسكرية موجعة أو خنق اقتصادي كامل أو تفاوض سياسي وحوار دبلوماسي، وأمام هذه الخيارات الثلاث تبدو استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في مواجهة الأوضاع القائمة في منطقة الخليج العربي وفق مصالحها وادواتها وحماية شركائها وحلفائها واعتماد التعاون الإقليمي والدولي في الحد من الأفعال الإيرانية في مضيق هرمز وتفعيل الحصار البحري للضغط عليها دوليًا في مسعى للاستفادة من اللقاءات الرسمية التي ستجرى على هامش اجتماعات منظمة الأمم المتحدة في نيويورك.
أن ما قاله ترامب يفتح مرحلة مختلفة ويرسم ملامح خطوات ميدانية مختلفة عن مجرد التهديد السياسي، بعد أن وضعت واشنطن مسارين متوازيين لإيران، أما العودة لاتفاق سياسي بشروط أمريكية أو تصعيد عسكري واقتصادي، وكان الرد الإيراني حاضرًا عبر المقابلة الحوارية التي أراها امين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (محسن رضائي) ووضع فيها شروطًا إيرانية للعودة للحوار والتفاوض مع واشنطن، منها وقف القتال على جميع الجبهات (وهو شرط سبق وان تم طرحه سابقًا) يتعلق بالاوضاع الجارية في الجنوب اللبناني والمواجهة المستمرة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، وما تلاه من أحداث في السواحل الغربية اليمنية والقتال الجاري بين القوات العسكرية اليمنية الشرعية وجماعة الحوثيين، ثم حدد مبدأ ثاني يتمثل بإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية والإفراج عنها، والعمل على أنهاء الحصار البحري الأمريكي على السفن والناقلات البحرية الإيرانية في مضيق هرمز.
يمكن تحديد أهم الفواعل الرئيسية التي من الممكن حدوثها إذا ما انتقلت الولايات المتحده الامريكيه للمسار العسكري تجاه إيران وستكون هناك عدة جبهات وأماكن ستتاثر بشكل وآخر بنتائج المواجهة العسكرية القادمة، منها ما يتعلق بالجبهة الداخلية الإيرانية وما تحيط بها من أزمات اقتصادية واجتماعية وما يعانيه المواطنين الإيرانيين من ضيق في المعيشية بارتفاع الأسعار وزيادة التضخم وانهيار العملة المحلية وظاهرة البطالة، وهي ستكون الجبهة الأكثر تأثيراً بأي مواجهة بين واشنطن وطهران، والتي من الممكن أن يكون من أهم تبعياتها تهديد بقاء النظام الإيراني واستمراره في الحكم، ثم زيادة الضغط الاقتصادي والاجتماعي والمطالبة بايجاد الحلول اللازمة واعادة النظر بالسلوك الخارجي لسياسة النظام وتحديد مسارات جديدة في كيفية العمل على مواجهة الأخطار والتحديات التي تواجهها إيران ويتحمل اعبائها المواطن الإيراني.
وهنا ستبرز حالة مفادها هل بالإمكان المحافظة من قبل قيادات الحرس الثوري على تمويل المؤسسات والوزارات الحكومية، أم أنها ستعمل على استخدام ما يرد لها من أموال وورادات عبر وسائل وطرق مختلفة لدعم المؤسسات والأجهزة الأمنية وزيادة فعاليتها في الوقوف أمام أي محاولات داخلية لتظاهرات شعبية وأفعال ميدانية تهدد مستقبل النظام وتضعف دوره، وأين سيكون الدور الخدمي في مساعدة دوائر الكهرباء والمياه والصحة للقيام بواجباتها في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار البحري والضربات العسكرية؟
ستعمل إيران على اعتماد سياسة (إدارة البقاء) كاستراتيجية ثابتة لبقاء النظام والدفاع عنه.
وعندما تتوسع العمليات العسكرية فإنها ستدفع إيران إلى إعادة أدواتها في أنشطتها النووية باعتبارها أداة للبقاء والردع المماثل وتبتعد عن استخدامها كورقة للتفاوض، بعد أن توضحت الاهداف الأمريكية التي تحدث بها نائب الرئيس الأمريكي ( جي دي فانس) في 21 أيلول 2026 بأن إيران لن تتمكن من صنع سلاح نووي في المدى القريب أو خلال الأشهر والسنوات المقبلة،
مشيرًا إلى أن القوات الأمريكية دمرت ثلاث منشآت نووية إيرانية في ضربة تكتيكية، وأن الهدف الحالي هو ضمان عدم امتلاك طهران للموارد والبنية التحتية لإعادة بناء برنامجها النووي على المدى الطويل، وهنا تكمن خطورة الرد الإيراني بإعادة بناء القدرة النووية بصورة أكثر سرية وبتخفظ شديد، وتعطي الدلالات في حالة نشوب مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران أن لاحل عسكري بخصوص البرنامج النووي الإيراني إلا بالتفاوض وإيجاد قواسم مشتركة ترضي جميع الأطراف.
ستعود إيران أكثر حضورًا على استخدام الجغرافية السياسية في مضيق هرمز لتعويض جزء من الفارق في القوة العسكرية، فاغلاق المضيق وتعطيل حركة السفن ينقل المواجهة إلى إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، وستكون الغلبة لمن يتمكن من إدارة قواعد الحركة وفرض ارادته ومن يمتلك الجزء الأهم في تحديد شروط التفاوض السياسي.
ولا يمكن الابتعاد عن آثار المواجهة العسكرية على الأمن الوطني والقوى لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، فأي ضربة أمريكية من قواعد أو منشآت من داخل أراضيها، تجعل إيران تنظر إليها باعتبارها جزء من منظومة العمليات العسكرية الأمريكية ضدها، وهنا ستكون اقطار الخليج العربي أمام معادلة دقيقة بين سياسة التحالف الأمني مع واشنطن وتجنب تحويل أراضيها لساحة مباشرة للمواجهة مع إيران، وستكون المهمة صعبة وجسيمة في تحديد طبيعة المشاركة وحماية المجال الجوي الوطني وإدارة حالة التصعيد الميداني.
والحدث الذي أصبح حديث الأوساط السياسية الدولية والإقليمية الخاص بالتطورات الميدانية في باب المندب سيكون لأي مواجهة عسكرية قادمة الخليج العربي أهميتها وخطورتها على الأوضاع الجارية في اليمن، بل أنها ستكون الأخطر حضورًا، فالتزامن بين الضغط على إيران عسكريًا واقتصاديًا وتصعيد تحركات واعمال الحوثيين في البحر الأحمر، يجعل من مضيق هرمز وباب المندب جبهة استراتيجية واحدة من منظور أمن الطاقة الدولية والملاحة البحرية، في وقت تزداد عمليات الاستهداف الحوثي العاصمة السعودية (الرياض) وباقي مدن الجنوب السعودي بل امتدت حيث مدن الشرق، في وقت تزداد فيه المخاوف والتوترات من تهديد فعلي وأمني للممرات البحرية في باب المندب وخليج عدن.
وسيكون للعراق أهمية بالغة إذا ما توسعت مساحة المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وستكون الحكومة العراقية أمام امتحان وموقف عسير في إمكانية منع استخدام الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة في عملية توسيع دائرة الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيرة نحو أراضي بعض من اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، لأن أي توسع في الجبهة العراقية سيضع البلاد أمام معادلة شديدة الصعوبة تتعلق بالسيادة الوطنية والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وما يتعلق بمنظومة الأمن الخليجي العربي.
ولا يمكن الابتعاد عن دور الحلفاء الدوليين الاستراتيجين لإيران ( روسيا والصين)، فأي مواجهة قادمة سترفع أهمية الصين كونها شريك اقتصادي رئيسي لإيران ومستور مهم للنفط الإيراني وشريك تجاري رئيسي للاقطار الخليجية العربية، ولها المصلحة العليا في الحفاظ على سياستها ومنافعها في استمرار تدفق الطاقة عبر الخليج العربي، فالصين سوف لا تكون مضطرة لاختبار الوقوف مباشرة مع طهران أو مع واشنطن، بل تعتبر ما يحدث جزءًا من المعادلة التي يمكن استخدام الاداة الاقتصادية والدبلوماسية لحماية مصالحها وفق مفهوم المقايضة الأمريكية الصينية والتي تناولناها في مقالات سابقة.
أما ما يتعلق بالموقف الروسي، فإن موسكو رغم شراكتها الاستراتيجية مع طهران، لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل دفاعًا عن إيران، ولكنها ستدعم إيران سياسيًا واستراتيجيًا، وفي بداية أيلول 2026 أشار الرئيس، بوتين إلى التواصل في مساعدة إيران والوقوف معها في الظروف الصعبة، وأكد استمرار التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، وترى موسكو أن استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران،
يخدم موسكو أكثر من تسوية شاملة بين واشنطن وطهران لأن ارتفاع أسعار النفط يمنح روسيا إيرادات إضافية، بينما يؤدي انشغال الولايات المتحدة بإيران إلى تخفيف التركيز على أوكرانيا.
أن المواجهة العسكرية القادمة بين واشنطن وطهران أن حدثت، لا يمكن اعتبارها مجرد ضربة عسكرية جديدة لإيران، بل يمكن أن تكون محاولة لإعادة تشكيل قواعد النظام الإقليمي بعد الحرب، فأي ضربات أمريكية إن لم تنجح في إنتاج تسوية شاملة، سنكون أمام إيران أضعف عسكريًا لكنها ستكون أكثر اعتمادًا على استخدام الجغرافية السياسية لمضيق هرمز بصورة أكثر فعالية وتكون بحالة ردع غير مباشر، وستصبح اقطار الخليج العربي أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة الأمريكية عسكريًا، ولكنها ستكون أكثر إدراكًا بضرورة انتاج منظمومة أمنية متكاملة وبناء قدرة من التفاهم والتعاون المشترك بين اقطارها، وستعيد واشنطن التفكير الميداني في مدى فعالية سياستها في الانتشار الخليجي
