زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن: إعادة هندسة المسار الأمريكي–الإيراني

زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن: إعادة هندسة المسار الأمريكي–الإيراني

اياد العناز 

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى العاصمة الأمريكية (واشنطن) في زيارة رسمية بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ابتدات في اليوم 23 من آيلول 2026 واستمرت يومين، وقبل وصوله لواشنطن صرح الرئيس (جين بينغ) بأن ( بلاده والولايات المتحدة ينبغي أن تكونا شريكتين لا خصمين، والنهضة العظيمة للأمة الصينية وهدف جعل أمريكا عظيمة مجددًا، يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب تمامًا).
تأتي الزيارة في خضم تحولات سياسية ونزاعات إقليمية وصراعات دولية، يناقش فيها الرئيسان سبل المنافسة التجارية والتكنولوجيا الصناعية، والتعريفات الكمركية والاستثمارات المالية والإنتاج الزراعي، والتي هي جزء من منافسة أوسع تشمل المعادن الحرجة والطاقة وسلاسل الإمداد، والأحداث السياسية في تايوان والاوضاع بكل عناوينها في القرن الافريقي وطرق التجارة العالمية والطاقة الدولية.
إيران كانت من الملفات الرئيسية التي تم مناقشتها واحتلت صدارة المباحثات بين الرئيسين، في وقت لا زالت بكين محافظة على علاقات وثيقة مع طهران،
وتسعى واشنطن لحث بكين على استخدام علاقتها الاستراتيجية للتأثير على النظام الإيراني .
هناك عديد من الملفات التي أعطت أهميتها في الحوار المشترك ( الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والزراعة والغذاء) والملفات السياسية في ( إيران واوكرانيا وتايوان وبحر الصين).
يلعب الاقتصاد دورًا هامًا في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين، ويبقى في دائرة الاهتمام المشترك، فالولايات المتحدة الأمريكية تواجه تحدي في الحفاظ على قاعدتها الصناعية في مواجهة المنافسة الصينية، ولا تزال الصين في حاجة للأسواق الأمريكية، إذ حققت بكين فائضًا تجارياً في السلع بنحو 91.2 مليار دولار منذ بداية عام 2026 وحتى شهر تموز من العام نفسه، في وقت بلغت الواردات الأمريكية من الصين (156،4) مليار دولار، مقابل صادرات أميركية إلى الصين بقيمة 65.2 مليار دولار، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.
وجاءت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية والتي تسببت بإغلاق مضيق هرمز باحداث ضغوط قاسية وجديدة على التجارة العالمية والطاقة الدولية وارتفاع أسعار الشحن والنقل والاسعار، مما أدى إلى حدوث اضطراب ومشاكل عديدة في حركة الملاحة الدولية وارتفاع في أسواق الطاقة العالمية، وارتفعت نسبة التضخم العالمي حسب إصدارات البنك الدولي إلى 4٪ لعام 2026 مع إمكانية استمرار حالة الاضطرابات في أسواق الطاقة وضغوط مالية قد تؤدي إلى انخفاض بالنمو العالمي بنسبة 1،3٪، في حين ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين من نحو 1،22تريليون دولار في عام 2000 إلى 19،63 تريليون دولار في عام 2025، وفق بيانات ( ستاتيستا) في واحدة من أسرع عمليات التوسع الاقتصادي التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال 25 عامًا.
أمام القمة الأمريكية الصينية مسؤولية عالمية استثنائية تجاه استقرار الاقتصاد العالمي، إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة والصين مجتمعين نحو (53) تريليون دولار في 2026، أي ما يقارب (42)٪ من الناتج العالمي، فاستمرار التصعيد التجاري أو عودة القيود على تصدير المعادن النادرة واتساع القيود المتبادلة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق، لن تبقى محصورة في العلاقة الثنائية، بل يمكن أن يمتد أثرها إلى سلاسل الإمداد والأسعار والاستثمار في بقية العالم.
وأمام هذه التحديات الواقعية والمعطيات الميدانية، جاء حديث الناطق الرسمي باسم وزرارة الخارجية الصينية (قوه جياكون) الذي أكد دعوة القيادة الصينية إلى خفض التوتر وادارة الخلافات ذات أهمية بالنسبة إلى مسار العلاقات الأميركية-الصينية، وبناء علاقة بناءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي وتعزيز الحوار والتعاون وإدارة الخلافات بصورة صحيحة.
وكان لتصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في 23 آيلول 2026، بأن الولايات المتحدة والصين اتفقنا على تمديد الهدنة التجارية بينهما شهرين، من موعد انتهائها في 10 تشرين الثاني إلى 10 كانون الثاني 2027، وأكد الاتفاق الرئيس الصيني شي جين بينغ في حديثه الذي ادلى به أثناء المحادثات التي تمت مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض.
ولا تزال القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة إحدى أهم أوراق الضغط في العلاقة التجارية، فالصين تسيطر على 70٪ من تعدين العناصر الأرضية النادرة وأكثر من 85٪ من تكريرها وإنتاج المعادن منها، مما يشكل مصدر خطر على قطاعات التكنولوجيا والدفاع الأمريكية، في حالة استمرار الصين بتشديد القيود أو تأخير اصدار تراخيص التصدير.
وتبرز أهمية العلاقة بين الصين وإيران، بقدرة بكين على إعادة بناء القوة الصاروخية والدفاعية لإيران، وتوجد مؤشرات ومعلومات دقيقة على دور صيني ولكن ليس بصيغة تسليم منظومة صاروخية استراتيجية كاملة، ولكن وجود الحاجة الإيرانية التي تطالب الصين بتوفيرها لها وهي حصولها على 300 – 400 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف من نوع QW-12 و FN-16 بقيمة تتراوح بين 60-70 مليون دولار، وهي التي تستخدم لمواجهة الطائرات المنخفضة والمسيرات والمروحيات، ولكنها ليست بديلًا عن منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى.
وسبق وأن تمت مفاوضات ثنائية بين بكين وطهران للحصول على صواريخ مضادة للسفن فرط صوت لدعم مشروع هرمز الخاص بمنظومات الدفاع المحمولة، كما أن بإمكان الصين تزويد إيران بمكونات التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام والمواد اللازمة للوقود الصاروخي، وتم توثيق هذه التوجهات عبر جهات أمريكية وأبحاث متخصصة.
القيادة الصينية من الممكن أن يكون لها دور في إيقاف الاستنزاف الإيراني بارسالها لأجهزة تتعلق بعمل منظومة من الدفاعات الجوية والصواريخ المحمولة والرادارات والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية مع تنويع أدواتها الخاصة باجهزة الانذار والاستشعار المبكر، وهذه المنظومة تجعل المجال الجوي أكثر خطورة على الطيران المعادي، لكنها لا تمنح إيران تفوقًا جويًا.
واشنطن تدرس مع بكين الاجراءات الإيرانية التي قامت بها بإنشاء آلية مقايضة وتسوية تسمح بتحويل عائدات النفط إلى ائتمانات لشراء سلع صينية وبقيمة 2،5 مليار دولار باستخدام جهة تجارية صينية وآليات خارج النظام المصرفي التقليدي، وأشعرت الجهات الأمريكية المسؤولين الصينين بمعرفتها بهذه الخطوات والكيانات التي تتعامل معها، إلا أنها تجنبت فرض العقوبات الاقتصادية عنها لمنع أي حالة من التصادم المباشر معهم.
ولكن الصين حذرت من أن أي شركة صينية أو وسيطًا صينيًا يحول النفط الإيراني إلى سلع أو أموال يستفيد منها الحرس الثوري أو المؤسسة العسكرية الإيرانية، فستصبح العقوبات الثانوية أداة طبيعية، وواشنطن تدرك أن أي توسع بالعقوبات على الصين فسوف لا تكون أداة ضد إيران فقط، بل تتحول إلى أداة في الصراع الأمريكي الصيني، وهنا ستقول الجهات الأمريكية التي تتابع تنفيذ العقوبات الاقتصادية للصينين بإمكانكم شراء النفط الإيراني ولكن لا يمكنكم تمويل إعادة بناء القدرة العسكرية الإيرانية وتوفير قنوات تساعد الحرس الثوري على إعادة إنتاج قدراته.
والرئيس ترامب سيكون أمام حالة من الاستفسار الذي يرغب به في سؤال عن أي مدى ستسمح الصين لإيران باستخدام عائدات النفط لبناء قدرتها على الصمود الاقتصادي والعسكري في مواجهة إجراءات الإدارة الأمريكية؟
لأن واشنطن تمتلك ثلاث أدوات مهمة هي تفعيل العقوبات الثانوية تجاه الشركات والوسطاء الصينيين المشاركين في شبكة النفط الإيراني، والتفاوض مع بكين في ربط تخفيف بعض الضغوط التجارية والتكنولوجية الأمريكية بالتزام صيني أكثر تشددًا تجاه إيران، مع استخدام الحصار البحري في مضيق هرمز والضغط على حركة النفط الإيراني كورقة تمنع المقايضة من التحول لشريان كامل للحياة الإيرانية.
القيادة الصينية سوف لا تذهب بعيدًا بقبول كامل للمطالب الأمريكية ولا المواجهة المباشرة مع واشنطن، بل ستعمل على إعادة ضبط الآلية بابقاء التجارة مع إيران، ولكن عبر قنوات أكثر غموضًا وأقل تعرضًا للعقوبات مع محاولة فصل السلع العسكرية عن التجارة المدنية.
المسألة لم تعد مجرد أن تطلب واشنطن من بكين الضغط على طهران، فالمعطيات الحالية تشير إلى أن بكين تريد أن تكون جزءاً من صياغة مسار العودة الى التفاوض نفسه، وأن القمة الثنائية بين الرئيسين الأمريكي والصيني فرصة كبيرة لبحث الضغط الصيني على إيران، بينما تؤكد بكين رسمياً استعدادها للمساعدة في إعادة بناء آلية التفاوض.
المعلومات تشير إلى تحرك صيني فاعل بالتوازي مع نشاط دبلوماسي إقليمي عربي ( باكستاني وقطري وعُماني)، وأن القيادة الصينية وبوجودها في واشنطن داعمة لهذا المسار في الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي.
ويمكن النظر الى الأبعاد الحقيقية التي انطلقت منها الزيارة الرئاسية الصينية من عدة محاور، أهمها النفط الإيراني باعتباره الأداة الاقتصادية الأهم للصين، فهي المشتري الأوسع له وأن 80٪ من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحرًا تتجه إلى الصين، وهو ما يسمح لواشنطن التفاوض حول حجم شراء الصين للنفط الإيراني وآليات الدفع والنقل، بينما تستطيع بكين استخدام استمرار أو تقليص هذه المشتريات كورقة تجاه واشنطن وطهران، وهناك العقوبات الثانوية والتي تمتلكها واشنطن بصورة مختلفة في معاقبة الشركات الصينية التي تساعد إيران على تجاوز العقوبات، ولكن لهذه ورقة تكلفة مقابلة، فالتوسع في العقوبات على المؤسسات المالية الصينية الكبرى يمكن أن يفتح مواجهة اقتصادية أمريكية صينية أوسع، وهنا تصبح العقوبات أداة مساومة.
والولايات المتحدة الأمريكية ترى في قيام الصين بالتاثير على إيران لفتح مضيق هرمز ورقة مشتركة، بكين تحتاج إلى استقرار تدفق النفط، وواشنطن تريد حرية الملاحة، وهناك المواد والأدوات مزدوجة الاستخدام والتي أصبحت الورقة المهمة الرئيسية في التفاوض الأمريكي الصيني، وفيها تضغط واشنطن بشأن تدفق مكونات وتقنيات ذات استخدام مزدوج إلى إيران، بينما تنفي الصين تقديم دعم عسكري مباشر، ولكن هناك معلومات ميدانية تشير إلى استمرار وصول مكونات يمكن أن تدخل في برامج الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية.
وهنا تبرز أهمية المطالب الأمريكية، في ضبط التكنلوجيا ذات الاستخدام المزدوج ومنع وصولها للحرس الثوري الإيراني، وماذا سيكون المكسب الاقتصادي والضمانات السياسية الذي ستحصل عليها ايران إذا ما تجاوبت مع الوساطة الصينية وعادت للتفاوض؟
وهنا هل يمكن للصين ان تقدم ضمانة سياسية خالصة لإيران عبر قناة تفاوضية مستقرة ودورًا ايجابيًا في تنفيذ
أي اتفاق قادم يرضى جميع الأطراف، وضمانات اقتصادية برفع العقوبات الأميركية وإطلاق الأموال المجمدة.
من الممكن أن يتقدم النقاش في الملف الإيراني ليكون أكثر شمولية ويتحدد بأدوات تفاوضية تشمل ( الرسوم الكمركية والمعادن النادرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي و الاستثمارات المالية والتجارية)، وسيكون التفاوض حول إيران لا يمثل جزءًا من دائرة التفاوض الكبرى بل جزءًا منها.
عودة إيران للتفاوض من أهم أدوات النشاط السياسي الصيني، وهي النتيجة التي يمكن أن تجمع جميع الآراء والتوجيهات التي تعمل عليها واشنطن في إمكانية تحقيق تغيير في السلوك الإيراني، بينما تسعى طهران لأن يكون لها دور في صياغة المسار السياسي لا أن تكون منفذ للضغط الأمريكي.
إذا تمكنت الصين من إقناع واشنطن وطهران بالعودة للحوار والتفاوض، فسيكون مضيق هرمز قضية تفاوض دولي وليس ورقة إيرانية وظهور الصين طرف مهم في تحقيق الأمن الخليجي، لا مجرد شريك اقتصادي، وهي نقطة استراتيجية مهمة بعد أن أصبحت بكين أكبر مشتري للنفط الإيراني وشريكًا تجاريًا لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي وقناة اتصال سياسي مع إيران وطرفًا مهتمًا بأمن الملاحة الدولية وامدادات الطاقة العالمية.
والدور الذي سيكون أكثر حضورًا إذا ما تمكنت الصين من فتح باب حوار خليجي عربي إيراني والذي تدفع بكل امكانياتها لتحقيقه في إطار احترام مبادئ السيادة والأمن القومي المتبادل وتحقيق مفهوم واضح ودقيق للأمن الخليجي العربي يتحدد في تأمين طرق الملاحة وأمن الطاقة وحماية المنشآت النفطية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية