الباحثة شذا خليل
ليست المشكلة الأخطر في المالية العامة العراقية هي ارتفاع رقم الدين وحده، بل الطريقة التي يمكن أن يتكوّن بها هذا الدين، ومن يتحمل كلفته في النهاية. وهنا يطرح نائب محافظ البنك المركزي العراقي الأسبق والخبير المالي الدكتور محمود داغر سؤالاً بالغ الأهمية حول ما يمكن تسميته بـ«الدين العام بالإجبار»: هل يجوز أن تدخل جهة حكومية في التزام مالي من دون وجود تخصيص وتمويل كافيين، ثم تتحول هذه الالتزامات لاحقاً إلى مستحقات تطالب الدولة بسدادها، فتجد وزارة المالية نفسها أمام دين لم يكن ممولاً أصلاً ضمن المسار الطبيعي للموازنة؟ المسألة ليست محاسبية فقط، بل تمس جوهر الانضباط المالي للدولة. فالدين العام لا يساوي ببساطة مجموع المشروعات والنفقات التي كُتبت في الموازنة؛ البنك المركزي العراقي سبق أن أوضح أن العجز المخطط في موازنات 2023–2025 بلغ 191.5 تريليون دينار، بينما بلغ العجز الفعلي الذي جرى تمويله داخلياً بالسندات والحوالات نحو 35 تريليون دينار فقط. وهذا الفرق أساسي لفهم المشكلة: إدراج مشروع في الموازنة لا يعني أن الدولة اقترضت قيمته فعلياً، وإذا لم يتوافر التمويل ولم يتحقق الإنفاق، فلا يفترض أن يتحول الرقم المقدر وحده إلى دين.
لكن الخطر يبدأ عندما تنشأ التزامات خارج هذا التسلسل المالي. داغر يستعيد تجربة مستحقات المقاولين، حين دخلت جهات إنفاق في تعاقدات مع شركات رغم عدم توافر التمويل النقدي الكافي، ثم ظهرت لاحقاً مطالبات لا يمكن تجاهلها ببساطة، لأن المقاول قد يكون أنجز عملاً أو تحمل تكاليف فعلية. وفي النهاية عولج جزء من المشكلة من خلال أدوات مالية من بينها سندات المقاولين. هنا يحدث التحول الخطير: خطأ أو تجاوز في مرحلة التعاقد يتحول لاحقاً إلى التزام على الخزينة، أي أن الموازنة المستقبلية تصبح مطالبة بمعالجة قرار مالي اتُّخذ في الماضي من دون تمويل كافٍ. داغر يحذر من تجدد هذه الظاهرة مع مستحقات المقاولين والفلاحين خلال 2024 و2025 وتصاعدها في 2026. وقانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 وتعديلاته وضع ضوابط لتنفيذ الإنفاق، فيما تشترط الأحكام الخاصة بالمشروعات الاستثمارية المستمرة وجود تخصيصات والتأكد من توافر السيولة النقدية.
اقتصادياً، لماذا يمثل ذلك خطراً؟ لأن الحكومة عندما تواجه نفقات أكبر من إيراداتها ولا تستطيع تأجيلها، تحتاج إلى التمويل. وإذا لم يكن الاقتراض الخارجي متاحاً أو مناسباً، ينتقل الضغط إلى الداخل: المصارف الحكومية، حوالات الخزينة، السندات، وفي النهاية إلى العلاقة بين وزارة المالية والبنك المركزي. وهنا يصبح الدين أكثر من مجرد رقم في دفاتر الدولة. ارتفاع الاقتراض الحكومي من المصارف يعني أن جزءاً أكبر من موارد الجهاز المصرفي يتجه إلى تمويل الحكومة بدلاً من تمويل الشركات والاستثمار الخاص. وإذا ضعفت سيولة المصارف نتيجة استمرار شراء أدوات الدين الحكومي، قد يزداد الضغط باتجاه البنك المركزي لمعالجة نقص السيولة. وهذه بالضبط إحدى نقاط التحذير التي يطرحها داغر. كما يحذر صندوق النقد الدولي من أن العراق يحتاج إلى ضبط مالي لضمان استدامة الدين، مع تحسين إدارة المالية العامة والحد من المخاطر المالية والإنفاق خارج أطر الموازنة.
الأرقام نفسها تكشف سرعة تراكم الضغط. فقد أظهرت بيانات منشورة استناداً إلى أرقام البنك المركزي أن الدين الداخلي بلغ نحو 95.68 تريليون دينار بنهاية نيسان 2026، بعد أن كان نحو 90.52 تريليوناً في نهاية 2025. وتفيد بيانات أحدث منشورة في أيلول بأن الدين الداخلي وصل إلى نحو 109.5 تريليون دينار بنهاية تموز، منها نحو 72.5 تريليون دينار مطالبات لوزارة المالية لصالح البنك المركزي، إضافة إلى حوالات خزينة وقروض وسندات. أما رقم 107 تريليونات دينار حتى آب الذي أورده داغر، فينبغي فهمه ضمن مشكلة أوسع أشار إليها بنفسه، وهي تعدد أرقام الدين واختلاف طريقة احتساب بعض الالتزامات. وزارة المالية بدورها نشرت في أيلول تقارير وبيانات للدين العام حتى النصف الأول من 2026، وهو ما يؤكد أهمية بناء رقم موحد وشفاف يمكن تتبعه بوضوح.
والخطر الأكبر يظهر عندما نربط الدين بالنفط. العراق يستطيع إدارة مستويات معينة من الاقتراض عندما تكون الإيرادات النفطية قوية والتصدير مستقراً، لكن الدين يصبح أكثر ثقلاً عندما تتراجع الإيرادات أو تتعطل الصادرات أو ترتفع الالتزامات الجارية. عندها لا تتنافس المشروعات الجديدة فقط على أموال الموازنة؛ بل تدخل معها فوائد وأقساط الديون والمستحقات القديمة والرواتب والنفقات التشغيلية. النتيجة المحتملة هي تضييق المساحة المتاحة للاستثمار العام: طريق لا يُنجز، مدرسة تتأخر، مستشفى لا يحصل على التمويل الكافي، أو مشروع بنية تحتية يؤجل لأن أموال السنوات المقبلة أصبحت مرتبطة بقرارات السنوات السابقة. ولهذا يحذر صندوق النقد من ضرورة تحقيق استقرار الدين مع حماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الأساسي.
المشكلة إذن ليست أن كل دين عام سيئ، فالاقتراض يمكن أن يكون أداة اقتصادية طبيعية إذا موّل استثماراً منتجاً وكانت للدولة قدرة واضحة على السداد. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاقتراض وسيلة لمعالجة اختلالات متكررة، أو عندما تتحول التزامات لم تكن ممولة بصورة سليمة إلى مطالبات تفرض نفسها على الموازنات اللاحقة. عندها لا يعود السؤال: كم يبلغ الدين العراقي؟ بل يصبح: كيف نشأ هذا الدين، ماذا موّل، ومن وافق على الالتزام، ومن أين ستأتي أموال سداده؟
وهنا تكمن خطورة مفهوم «الدين بالإجبار». فإذا استطاعت جهة إنفاق أن تتجاوز الانضباط المالي اليوم وهي تتوقع أن الخزينة ستجد غداً طريقة لتسوية الالتزام، فإن المشكلة لن تبقى في عقد واحد أو مستحقات مجموعة من المقاولين. إنها تخلق حافزاً لتكرار السلوك نفسه. لذلك فإن حماية الاقتصاد العراقي لا تبدأ فقط بوضع سقف للدين، وإنما بمنع نشوء الالتزام غير الممول من الأصل، وتوحيد أرقام الدين والمستحقات، والكشف عن الالتزامات القائمة بشفافية، وربط أي مشروع بتمويل حقيقي وقدرة واضحة على السداد. لأن أخطر دين على الدولة ليس بالضرورة الدين الذي تعرف حجمه، بل الدين الذي يظهر بعد أن يصبح الالتزام أمراً واقعاً ولا يعود أمام الخزينة سوى الدفع.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
