ماذا يخشى الخمينيون؟

ماذا يخشى الخمينيون؟

تزداد مخاوف حكام إيران بذات القدر الذي تزداد فيه عنجهيتهم. يبدو الخمينيون وكأنهم لا يخشون شيئا وهم يضمرون القلق إزاء العديد من القضايا والأحداث التي تحيط بهم اليوم. لم يعد يجدي ذلك الادعاء بأنهم اعتادوا العمل تحت العقوبات والحصار الاقتصادي. ولم يعد مجديا، أيضا، تجاهل حقيقة أن خصوم طهران باتوا أكثر إصرارا على تقليم أظافرها في المنطقة.

على عكس ما يدّعي الخمينيون، فإنهم باتوا يخشون المعارضة في الخارج لأنها نجحت في احتواء الشارع الناقم عليهم. نجحت في مواكبة الغضب الشعبي المتزايد على نظام أثقل كاهل الإيرانيين بحروب خارجية وهمية لا تعنيهم بأي حال كان. أزمة كورونا ساعدت في ذلك لأن النظام يُخفي كثيرا من الأسرار والأرقام في التعامل معها، والمعارضة تفضحها وتكشفها للإيرانيين.

قلق الخمينيين من المعارضة في تعرية أخطائهم في أزمة كورونا، تسمعه علانية عبر أبواقهم الإعلامية والسياسية. وهذا القلق يعبر عن خشية حقيقية من موجة ثانية للاحتجاجات تدنو شيئا فشيئا. ولا يبدو أن تعامل النظام معها بذات القمع الذي اعتاد عليه مضمون النتائج. فالظرف الداخلي يختلف هذه المرة، والتغاضي الخارجي سيكون أقل بكثير مقارنة مع المرات السابقة.

في الظرف الداخلي أيضا ما يستدعي قلق الخمينيين بعيدا عن دعم المعارضة للشارع الإيراني. فتلك التحذيرات المتواصلة لأزلامهم من خطر وسائل التواصل الاجتماعي تدلل بوضوح على التأثير الكبير لها، وعلى اتساع رقعة المزاج العام الناقم الذي تشكل عبر منصاتها. لن يكون سهلا على طهران قطع الإنترنت على الإيرانيين كما فعلت في احتجاجات نوفمبر الماضي. ولن يكون رابحا أيضا الرهان فقط على هذه الخطوة لوأد الاحتجاجات المقبلة إن وقعت فعلا.

الأفضل ألا يتجدد الحراك الشعبي ضد السلطة. لسان حال الخمينيين يقول هذا. ولكن ما السبيل إلى ذلك إن كانت كل الوقائع تحرض عليه. العقوبات الاقتصادية الخانقة، وأزمة كورونا، وتوتر العلاقات مع الغرب، وحتى مكاسب إيران في المنطقة العربية باتت عبئا على نظام طهران. لم يعد هناك من ملاذ أمن يمكن أن يهرب إليه الخمينيون دون أن يتلفتوا حولهم خوفا وقلقا.

ثمة حراك إنساني ضد الخمينيين لا تقوده المعارضة، ولا يمكن تسييسه بحجة المؤامرة على النظام. هذا الحراك تقوده منظمات حقوقية ويشكل رافدا للنقمة الشعبية التي تكبر داخل إيران ككرة الثلج. لم يكن الخمينيون يخشون هذا الحراك سابقا، لكنه بات اليوم عامل ضغط كبير عليهم.

بشهادة منظمة العفو الدولية، فقط، قمعت السلطات الإيرانية حرية التعبير والتجمع ومنعت تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها. واستخدمت قوات الأمن القوة المميتة غير القانونية لسحق الاحتجاجات، فقتلت المئات من المحتجين واعتقلت الآلاف بشكل تعسفي. هذا وتواصل طهران ارتكاب جريمة الإخفاء القسري بحق الآلاف من المعارضين السياسيين الذين أُعدمُوا خارج نطاق القضاء.

ثمة حراك آخر ضد نظام إيران في الدول التي يهيمن عليها الخمينيون في المنطقة العربية. وإن كان وباء كورونا قد هدأ من موجة هذه الاحتجاجات، فهو لم يلغها ولم يقلل من تأثيرها. ما كانت تستطيع فعله طهران بجرة قلم أو باتصال هاتفي في تلك الدول، بات يستدعي كثيرا من المال والجهد والتنازلات. وعندما يبدأ مسلسل التنازلات لا أحد يعرف أين وكيف سينتهي.

خطر العقوبات الأميركية لا يزال يتربص بالخمينيين أيضا. مازالوا يخشون اتساع رقعة هذه العقوبات وتداعياتها أكثر فأكثر. فهي لم ولن تصبح بالنسبة للنظام الإيراني ماضيا يمكن تجاوزه. خاصة وأن عدد أصدقاء نظام الخميني حول العالم يقل بشكل واضح. وتقل معه أبواب الهروب من حصار العقوبات الحالية، وتلك العقوبات التي تعدّ بهدوء شديد في مطابخ السياسة الدولية.

في هذا السياق تخاف طهران تمديد حظر التسليح المفروض عليها من قبل مجلس الأمن الدولي. وتخشى أيضا من عقوبات أوروبية على برامجها النووية والصاروخية. لم يعد في جعبة الصينيين والروس الكثير من الدعم الذي يمكن للخمينيين التفاؤل به. ولا يبدو أن نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المأزوم اقتصاديا يستطيع المساعدة. أما الأصدقاء في المنطقة العربية فلديهم ما يكفيهم من المشاكل.

ليس بالضرورة أن تستهدف العقوبات المتوقعة من الغرب الخمينيين بشكل مباشر، وإنما يمكن أن تطال أذرعهم في المنطقة والعالم. على رأسها طبعا حزب الله الذي يخطو بسرعة نحو قوائم الإرهاب للدول. ولكل ما يطال هذا الحزب تحديدا رمزية خاصة لسببين، الأول هو أن الخمينيين يعتبرونه أفضل منجزاتهم. والثاني هو أن كل ما يطال حزب الله من عقوبات، سيطال بالضرورة لاحقا أذرع طهران الأخرى، لأنها جميعها تعمل بذات الفساد والإجرام والإرهاب.

في ذكر مخاوف طهران أيضا، لا بد من أن نعرج على الاستهداف الإسرائيلي المتواصل لميليشيات إيران ومقراتها في سوريا. هذا الاستهداف يلتهم من هيبة المقاومة أكثر بكثير مما يلتهم من القدرة العسكرية للخمينيين. بات محور المقاومة محط سخرية بصمته الدائم إزاء ما يلحق به من خسائر كل مرة. لا يخجل الخمينيون من ذلك، وبدلا من الرد على استهداف مقراتهم من قبل عدو واضح ومعروف، يسعون لإخفاء ميليشياتهم في الأقبية والأنفاق تحت الأرض.

ثمة الكثير مما يخشاه الخمينيون في الداخل والخارج. وهم يعرفون أكثر من غيرهم أنهم هرموا في مواجهة كل هذه المخاوف، وأن الوقت لم يعد في صالحهم لأن التاريخ لا يعيد نفسه. وكما تراكمت لديهم الخبرة في قمع خصومهم على مدار عقود، تطورت لدى خصومهم حنكة التعامل مع نظام مستبد لم يهنأ يوما بالعيش دون خوف من فقدان السلطة والخضوع للمحاكمة.

 

العرب