التفسيرات المحلية والعالمية للأحداث العربية

التفسيرات المحلية والعالمية للأحداث العربية

436x328_13518_172499

كتبت فى الأسابيع الأخيرة، فى هذه الجريدة، عدة مقالات عبرت فيها عن خواطرى الشخصية عن التنظيم المسمى «داعش»، وذكرت عدة أسباب تجعلنى أرجح أن هذا التنظيم ليس صناعة محلية «عربية أو إسلامية» بل صناعة أجنبية.

كنت أعرف جيدا أننى أعبر عن مشاعر وأفكار خاصة أكثر مما أقدم تحليلا علميا أو تاريخيا. وكان عذرى فى ذلك أن المعلومات التى تقال لنا، والتى يمكن التعويل عليها، قليلة ومتضاربة، وكثير منها يتعارض مع المنطق والتفكير السليم، ويوحى بأن المقصود منها التضليل أكثر من الإعلام بما يقع بالفعل. لهذا سمحت لنفسى بقدر كبير من «التخمين»، مع تحذير القارئ بأننى أعبر عن «خواطر شخصية جدا».

كان من بين التعليقات التى تلقيتها على هذه المقالات تعليق يذكر صاحبه فيه أن شكوكى فى أن الظاهرة «صناعة أجنبية» صادفت لديه استعدادا لقبولها لأول وهلة، ولكنه عندما راح يستعيد فى ذهنه حقبا من التاريخ العربى القديم وجد بعض الأمثلة الصارخة لجرائم ارتكبها العرب فى حق أنفسهم، من قتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين، إلى اقتتال بين طائفتين من المسلمين لأسباب لا يمكن أن تبرر هذا الاقتتال، أو استخدام قسوة متناهية فى التنكيل بالخصوم.. الخ.

وقد استخلص المعلق الكريم من هذا أننا قادرون على أن نحدث بأنفسنا من الدمار والخراب، مثل ما نراه يحدث الآن فى مختلف الأقطار العربية، دون أن نحتاج إلى تدخل «يد أجنبية». لماذا نصر إذن على أن «داعش» وأمثالها صناعة أجنبية؟

لم أقتنع بهذا المنطق رغم صحة ما جاء فى التعليق من أمثلة تاريخية لتجارب مأساوية عربية لم تكن من صنع الأجنبى. إن هذه الأمثلة لا تدل على أكثر من قدرة العرب على الإضرار بأنفسهم دون معونة من أجنبى، ولكنها لا تنفى بالطبع أن الأجنبى قادر على هذا أيضا، أى على الإضرار بالعرب بمعونة أو بغير معونة من طرف عربى.

ولكن ليس هذا هو هدفى من كتابة هذا المقال، فهو واضح لا يحتاج إلى مزيد من القول، وإنما هدفى محاولة إقناع القارئ بأننا نعيش اليوم فى عالم مختلف تماما عن عالم الخلفاء الراشدين أو عالم العصور الوسطى. نحن نعيش فى عصر يوصف بأنه «عصو العولمة»، وللعولمة آثار كثيرة مهمة من بينها أن التفسيرات المحلية للأحداث كثيرا ما تكون قاصرة جدا بل ومضللة، وأن من واجب من يحاول أن يفهم أو أن يفسر للآخرين ما يحدث، أن يتجاوز ما يتردد فى وسائل الإعلام عن مسئولية هذا الطرف أو ذاك، عن هذه الجريمة أو تلك، وأن يحاول بدلا من ذلك أن يناقش احتمالات أخرى لا يأتى ذكرها عادة فى الأخبار أو التعليقات الرسمية.

إن علينا أولا أن نسلم بأنه لم يعد هناك بلد أو منطقة فى العالم لا تثير اهتمام دول أكبر وأقوى منها، لأسباب اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، مهما كان بُعد هذه المنطقة جغرافيا عن الدول الكبرى. هذا هو منطق العولمة. الدول والأمم أصبحت متشابكة ويعتمد بعضها على بعض بدرجة لم يعرفها التاريخ من قبل، ولا حتى عصر الاستعمار فى القرنين التاسع عشر والعشرين. العالم كله أصبح سوقا محتملة للسلع، ومصادر محتملة للمواد الأولية الضرورية، ومجالا محتملا لاستثمار رءوس الأموال، وقواعد محتملة لشن هجوم عسكرى على دولة أو منطقة يراد احتلالها أو التأثير فيها. وفى ظل ثورة الاتصالات، أصبح العالم كله ميدانا مفتوحا للحصول على معلومات مفيدة لتحقيق هذا كله، ولنشر أفكار يسهل نشرها تحقيق هذه الأهداف.

فى هذا العالم لم تعد التفسيرات المحلية كافية على الإطلاق فى كثيرمن الأحوال، بل لابد أن تثور الشكوك باستمرار فى أن «ما خفى كان أعظم»، وأن هذا الذى يخفى عنا وقد يؤثر فينا قد يكون فى ركن بعيد جدا من الأرض.

ولكن علينا أن نسلم ثانيا بأن الرغبة فى «إخفاء ما هو أعظم»، هى الآن أقوى أيضا مما كانت فى أى وقت من الأوقات.

نعم، لابد من الاعتراف بأن السياسة والحرب كانتا، فى مختلف عصور التاريخ، مدفوعة عادة بأغراض غير أخلاقية، كضم أرض مملوكة للغير، أو السيطرة على موارد اقتصادية مملوكة لدولة أو قبيلة أخرى، أو مجرد إشباع الرغبة فى السيطرة.. الخ. ولكننا نعيش اليوم، فيما أظن، فى عالم تحكمه الأهداف الاقتصادية أكثر مما كان عليه الحال فى الماضى. إننا عندما نقارن بين الزعماء السياسيين فى الدول الكبرى فى القرن التاسع عشر مثلا، وبين نظرائهم الآن، نجد الفرق شاسعا فى مستوى الثقافة والحكمة، وحتى فى المستوى الأخلاقى. والحكام الآن، فى هذه البلاد، تتحكم فيهم الشركات الكبرى أكثر مما كان عليه الحال مع الحكام فى القرون السابقة، حين كانت الدول أكثر قوة والشركات أكثر ضعفا. إن قرار تونى بلير مثلا، حين كان رئيسا لوزراء بريطانيا فى مطلع هذا القرن، بالانضمام إلى الولايات المتحدة فى غزو العراق فى ٢٠٠٣، كان فى رأيى ورأى كثيرين، مدفوعا بمصالح شركات بريطانيا فى ميدان البترول وغيره، منه بأهداف سياسية، ناهيك عن الأهداف الأخلاقية المزعومة، كتخليص العالم والمنطقة من حاكم مستبد، أو من أسلحة الدمارالشامل.. الخ. وفى عالم يحكمه الاقتصاد يصعب تصديق ما يقال فى تبرير التدخل فى شئون بلاد أخرى، من الزعم بوجود دوافع أخلاقية.

ولكن المؤسف أيضا أننا نعيش كذلك فى عالم أصبح الناس فيه أكثر استعدادا، مما كانوا فى أى وقت مضى، لقبول التبريرات الكاذبة التى تقدم لأعمال التدخل فى شئون البلاد الأخرى.

أقول هذا رغم الإقرار بأن مستوى التعليم فى العالم كله أصبح أعلى بكثير مما كان، مما قد يجعلنا نتوقع قدرة أكبر لدى الناس على فهم الدوافع الحقيقية لما يجرى. ولكن الحقيقة للأسف ليست كذلك. فمهارة وسائل الإعلام فى اللعب بعقول وعواطف الناس أحرزت تقدما فاق ما أحرزه مستوى التعليم والفهم. ومن ثم أصبح من الممكن الآن تسويق أى فكرة، وترويج أى أكذوبة، فيما يقدم من تفسيرات لما يحدث فى العالم.

***
من قصص جحا المشهورة، أن جحا سقطت من جيبه بعض الدنانير فى مكان مظلم فى الشارع. ثم رؤى جحا وهو يقوم بالبحث عما فقده تحت أحد أعمدة الشارع المضيئة. فلما سئل عما إذا كانت النقود قد سقطت فى هذا المكان قال «لا، ولكن النور هنا أقوى، والرؤية أسهل». نحن نفعل بالضبط مثل جحا، عندما نقوم بالبحث عن تفسيرات محلية لأحداث لا يمكن أن يقبل العقل ألا يكون وراءها عوامل أخرى غير محلية. نستسهل الأمر، كما استسهله جحا، فنختار تفسيرا من التفسيرات الشائعة، التى يكثر فيها الكلام كما تكثر بحوث المتخصصين فى العلوم السياسية. فإذا رأينا شخصا يصر على البحث فى المكان الذى سقطت فيه النقود، حتى لو كانت الرؤية فيه أكثر صعوبة، اتهمناه بالتخريف، أو باعتناق «نظرية المؤامرة».

عندما تصعب الرؤية لابد من التخمين، ولابد لنا من الصبر والتسامح مع كل من كان صاحب نية سليمة، ورغبة صادقة فى الوصول إلى الحقيقة، وألا نصر على الحصول على درجة من اليقين لا يمكن الحصول عليها فى هذا العالم الذى أصبح شديد التشابك وبالغ التعقيد.

جلال أمين

صحيفة الشروق المصرية