مستوطنو الضفة الغربية: أسبوع ترهيب بوتيرة غير مسبوقة

مستوطنو الضفة الغربية: أسبوع ترهيب بوتيرة غير مسبوقة

عاش الفلسطينيون، تحديداً سكان الريف الجنوبي لمحافظة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، أيام رعب حقيقية جرّاء هجمات عنيفة شنّها مستوطنون على منازلهم وممتلكاتهم، خلال الأيام الماضية. وهي هجمات تصبّ في إطار مخطط واضح للتمدّد الاستيطاني. لثلاث ليال متتالية لم يعرف النوم طريقه لعيون أطفال الفلسطيني حامد عودة، القاطن في الشارع الرئيسي لبلدة حوارة جنوبي نابلس. وهو الشارع الذي كان مسرحاً لاعتداءات غير مسبوقة لعشرات المستوطنين، الذين هاجموا المنازل والسيارات والمحلات التجارية، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي. حول ذلك يقول عودة لـ”العربي الجديد”: “نعيش هنا منذ عشر سنوات، حصل فيها الكثير من الأحداث، لكنها لم تصل يوماً لما شاهدناه خلال الأيام القليلة الماضية. أطفالي لم يناموا دقيقة واحدة. التصقوا بي وبأمهم وهم يبكون ويسمعون صياح المستوطنين وعربدتهم”. ويضيف: “أظنّ أنها المرة الأولى التي يخرج فيها المستوطنون بهذا الشكل، وبجرأة لم نعهدها، بعدما كانوا يخافون التواجد ومجرد المرور من هذه الطريق خلال الانتفاضة الثانية (2000 ـ 2005)”. الحادثة التي لن ينساها عودة، هي الليلة التي شارك فيها نحو 200 مستوطن بمسيرة ضخمة مساء 22 ديسمبر/كانون الأول الحالي، داخل قرية حوارة، وهتفوا فيها: “الموت للعرب”.

جال 200 مستوطن حوارة وهتفوا “الموت للعرب”

وفي الليلة التي تلت الاعتداء على حوارة، عاشت قرية جالود جنوبي شرق نابلس، ساعات رعب فاقت ما جرى في حوارة. في جالود، وصل المستوطنون إلى عقر القرية التي يعيش فيها نحو 800 فلسطيني، محاطين بعشر مستوطنات وبؤر استيطانية، كالسوار في المعصم، واعتدوا على المنازل الآمنة. وتعرّضت سيدة لحالة إغماء نُقلت على إثرها للمستشفى، خلال محاولة المستوطنين اقتحام منزل عائلتها. وحطّم المستوطنون زجاج عدد من السيارات المتوقفة. ولم يجد الأهالي هناك سبيلاً لرد الهجوم، إلا بالمناداة عبر مكبرات المساجد والاستنجاد بسكان القرى المجاورة.

ويكشف رئيس مجلس قروي جالود عبدالله الحاج محمد، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، تفاصيل الأحداث، ويشير إلى أنه “لا يكاد يمر يوم من دون أن يعتدي المستوطنون على القرية، وتحديداً على المزارعين ويمنعونهم من الوصول إلى أراضيهم”. ويضيف: “يحرقون الأشجار، ويهجمون في الليل على البيوت الواقعة على أطراف القرية، ويترقبون السيارات خلال دخولها وخروجها للهجوم عليها جماعياً”. ويشير إلى أنه في الهجوم الأخير دخلوا باحة منزل وحطموا مركبتين، ثم انتقلوا إلى منزل مجاور وحاولوا اقتحامه، ولم تستطع صاحبته تخيّل المشهد فأغمي عليها ونقلناها للمستشفى. هذه وقاحة لم نعتد عليها، لقد باتوا يهاجموننا كالوحوش المفترسة التي تنقض على فريستها بشكل جماعي”.

مع العلم أن سكان قرية جالود والقرى القريبة حاولوا تدارك هجوم المستوطنين، بل لاحقوهم حتى انسحابهم تجاه بؤرة استيطانية عشوائية، مقامة على تلة قريبة من القرية. غير أن جيش الاحتلال وصل لاحقاً، مدّعياً أنه جاء لمنع الاعتداء، لكنه عملياً مهّد لهجوم جديد للمستوطنين.

في السياق، يقول صاحب منزل تعرّض للهجوم، محمد عبّاد لـ”العربي الجديد”، إنه “أثناء وجود جنود الاحتلال، عاد المستوطنون لمهاجمة منازلنا مجدداً، من دون أن يحرّك الجيش ساكناً. شعرتُ وكأن الأمر مُتفق عليه بينهم”. ويلفت إلى أن بيته والبيوت المجاورة الواقعة في المنطقة الشرقية للقرية، تتعرّض منذ أكثر من عقدين لهجمات منسقة من المستوطنين بهدف دفعهم لترك المنطقة لتصبح لقمة سائغة بيدهم. لكنه يشدّد على أن “هذا حلم إبليس بالجنة، لن نتركها ولو على جثثنا”.يُذكر أن أول مستوطنة أقيمت على أراضي قرية جالود عام 1975، كانت عسكرية وأطلق عليها أهالي القرية اسم “الرادار”. لكن سرعان ما توسع الاستيطان حتى وصل إلى 10 مستوطنات وبؤرة استيطانية. وآخر تلك البؤر كان إنشاء “بؤرة زراعية” الشهر الماضي على جبل النَجَمة جنوب نابلس، حيث نصب المستوطنون الخيام ووضعوا خزانات المياه.

وفي منتصف الشهر الحالي، صادق الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون شرعنة البؤر الاستيطانية، الذي تقدم به أعضاء “لوبي إسرائيل” في الكنيست المشكّل من أعضاء أحزاب مختلفة. ودعا اللوبي إلى “العمل بسرعة لتمرير القانون بالقراءات الثلاث التي تسمح بأن يصبح سارياً”. ويهدف مشروع القانون إلى تنظيم وشرعنة نحو 70 بؤرة استيطانية منتشرة في الضفة الغربية، خمس منها مقامة على أراضي قرية جالود.

وحسب مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس، فإن الهجمات الأخيرة على جنوب نابلس “تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك الخطورة التي باتت تشكلها مجموعات المستوطنين الإرهابية، التي تعمل بتنسيق عالٍ في ما بينها، وترتّب لهجماتٍ في وقت واحد في مختلف أنحاء الضفة الغربية”. ويشير في حديثٍ لـ”العربي الجديد” إلى أنه “في الوقت الذي وقعت فيه الهجمات في نابلس، كانت مجموعة إرهابية أخرى من المستوطنين تعتدي على المواطنين وممتلكاتهم في قريتي المغير وكفر مالك شرقي رام الله، وعلى الطريق السريع جنوب بيت لحم وفي الخليل. وتزامن ذلك مع إنشاء بؤرة استيطانية جديدة في قرية دير جرير شرقي رام الله، ومنطقة الراس في سلفيت”. ويسأل: “هل يتم هذا الأمر بشكل فردي؟ قطعاً لا، هذا عمل يجري بالتنسيق مع أعلى المستويات وبدعم مطلق من حكومة الاحتلال”.

تتعرّض جالود لاعتداءات يومية بغية تهجير أهلها

ويتابع دغلس: “لولا يقظة المواطنين ونشرنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لأماكن تواجد قطعان المستوطنين لكنا فقدنا أرواحاً غالية علينا، كثر نجوا من الموت بأعجوبة. وحسب الأرقام التي وثقناها، فقد تعرضت 87 مركبة للتكسير في شمال الضفة الغربية، ما أدى لإصابة 16 مواطناً بجروح مختلفة”. ويرجّح تعاظم تلك الهجمات بدعم كامل وغطاء سياسي وعسكري يقوده رئيس وأعضاء حكومة الاحتلال، الذين سيسعون لكسب أصوات المستوطنين وأحزابهم، مع الإعلان عن حلّ الكنيست وتحديد 23 مارس/آذار المقبل موعداً للانتخابات الجديدة. ويلفت دغلس إلى أن المستوطنين يحظون برعاية المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، ويتمتعون بإعفاءات ضريبية وتشجيع وتحفيز في السكن والزراعة والصناعة وغيرها.

في سياق متصل، ذكر تقرير الاستيطان الأسبوعي لـ”المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان” التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن محافظات الضفة الغربية شهدت عربدة غير مسبوقة واعتداءات واسعة من المستوطنين في الفترة الأخيرة، في ظلّ نيّة الاحتلال زيادة أعدادهم إلى مليون مستوطن. وكشف التقرير أن الاعتداءات شملت إغلاق مفارق الطرق بين المدن والمحافظات، وتنفيذ اعتداءات جسدية وتخريب ممتلكات، ورشق مركبات الفلسطينيين بالحجارة. كما هاجمت مجموعات من المستوطنين المتطرفين و”شبيبة التلال” في محافظة نابلس المواطنين على الطرق الالتفافية القريبة من مستوطنة “يتسهار”، معقل المنظمات الإسرائيلية المتطرفة، إلى جانب اعتداءاتهم على ممتلكات وأراضي المواطنين في محافظات سلفيت والأغوار.

وحمّلت الحكومة الفلسطينية في بيان حكومة الاحتلال كامل المسؤولية عن تلك الاعتداءات، التي تجري بغطاء منها، محذّرة من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على تكرار مثل تلك الاعتداءات. كما دانت إرهاب المستوطنين المنظم ضد المواطنين في مختلف المناطق والذي نجم عنه إصابة العديد منهم، وتخريب ممتلكاتهم، وتحطيم السيارات في العديد من القرى والبلدات في الضفة الغربية. وجدّدت الحكومة الفلسطينية التأكيد على أن الاستيطان بكل أشكاله غير شرعي، داعية المجتمع الدولي لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، والاضطلاع بمسؤولياته لإدانة التمدد الاستيطاني باعتباره يشكل جريمة حرب. واعتبرت أن استمرار الاستيطان وشرعنته، من شأنهما تقويض الجهود المبذولة لتطبيق قرارات الشرعية، بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ولا سيما القرار الدولي رقم 2334، الذي يدين الاستيطان ويدعو إلى وقفه.

سامر خويرة

العربي الجديد