إيران الولي الفقيه في طبيعتها الأصل

إيران الولي الفقيه في طبيعتها الأصل

إيران ليست دولة. إنها مشروع أيديولوجي. ولأنها كذلك، فإنها لا تحترم قواعد العلاقات مع أيّ دولة، ولا تلتزم معها بأيّ عقود أو عهود، إلا ما يخدم غرضها الأيديولوجي. وكل ما تقوله أو تفعله دون ذلك فهو نفاق أو تقيّة.

ومثلما نجحت سلطة الخميني عام 1979 في هدم الدولة في إيران لأجل إقامة نظام يستجيب للتطلعات الأيديولوجية لنظام طائفي تحرسه الميليشيات، فهي تعتبر أن من واجبها فعل الشيء نفسه في كل مكان آخر. بمعنى أن تهدم الدولة لكي تقيم على أنقاضها نظاما يتبع هوية جديدة. وهذا ما تفعله إيران على أرض الواقع في العراق ولبنان واليمن حيث تسيطر الميليشيات على مقدرات الدولة. أما في سوريا، فإنها تسعى إلى أن تُلحقها بالركب، لاسيما وأن نظامها، كنظام عصابة، مؤهل تلقائيا ليكون كذلك.

نظام “الولي الفقيه” هو نسخة طبق الأصل من نظام الخلافة لدى تنظيم داعش. فهناك “مرشد أعلى” (الخليفة)، يقبض على كل مصادر النفوذ وأدوات الحكم، ويتم اختياره من قبل “مجلس خبراء القيادة” ليحكم مدى الحياة، ويسخّر موارد الدولة وأدواتها لخدمة تطلعاته الأيديولوجية.

المرشد الأعلى هو كل شيء وبيده القرار النهائي في جميع القضايا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية والإعلامية. ومن قبل أن تتشكل أيّ حكومة، بل ومن قبل أن يتم اختيار أي رئيس، فإن كل الترشيحات تمر عبر “مجلس صيانة الدستور”. وهذا المجلس يتألف من 12 عضوا، يعين “المرشد الأعلى” ستة منهم من رجال الدين، بينما يقوم رئيس السلطة القضائية (الذي يعينه المرشد الأعلى) بترشيح ستة آخرين ليتم التصديق عليهم من قبل “مجلس الشورى الإسلامي” (البرلمان). ووظيفة “مجلس صيانة الدستور” الرئيسية هي “المحافظة على النظام الإسلامي”. وهذا المجلس هو الذي يشرف على عمل الحكومة والبرلمان، ويتمتع من الناحية العملية بسلطة أعلى من سلطة الرئيس ومن كل سلطات الحكومة.

هذا يعني أن الجهاز المؤسسي للحكومة (أو ما كان يشكل عمارة الدولة سابقا) أصبح خاضعا للسلطة الدينية التي يمثلها “المرشد الأعلى” و”مجلس صيانة الدستور”.

وينص الدستور في مادته الثالثة والتسعين، على أنه “لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي دون وجود مجلس صيانة الدستور”.

وتقول المادة التاسعة والتسعون إن مجلس صيانة الدستور هو الذي يتولى “الإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي، وعلى الاستفتاء العام”.

وبحسب الدستور، فإن إيران دولة دينية، تعتمد على “ولاية الفقيه العادل”. ويقول إنه “اعتماداً على استمرار ولاية الأمر والإمامة، يقوم الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط والذي يعترف به الناس باعتباره قائداً لهم (مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)، وبذلك يضمن الدستور صيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها الإسلامية الأصيلة”.

ولكي تكتشف أن “الولي الفقيه” هو الحاكم المطلق صراحة، ينص الدستور في مادته السابعة والخمسين على أن “السلطات الحاكمة فـي الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف وليّ الأمر المطلق وإمام الأمة”.

إذا كان هذا الكيان يُجيز لنفسه ألا يحترم سيادة أحد فبأي معنى يجوز احترام سيادته؟ وإذا كان يتصرف كأداة تخريب فكيف يمكن أن تقام معه حدود أو ترسل إليه بعثات دبلوماسية؟

وتشمل صلاحيات “وليّ الأمر المطلق” باعتباره “القائد”، الوظائف والصّلاحيات التالية: تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام. وإصدار الأمر بالاستفتاء العام. والقيادة العامة للقوات المسلحة. وإعلان الحرب والسلام والنفير العام. ونصب وعزل وقبول استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، وأعلى مسؤول فـي السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي. كما يستطيع عزل رئيس الجمهورية “بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية”.

ماذا يُبقي ذلك لرئيس الجمهورية؟ في الواقع فإن الدستور يورد سطرا واحدا في مادته السادسة والعشرين بعد المئة، توجز ما يتعين أن يؤديه وتقول “يتولى رئيس الجمهورية مسؤولية أمور التخطيط والميزانية والأمور الإدارية والتوظيفية للبلاد بشكل مباشر ويمكن أن يوكّل شخصاً آخر لإدارتها”. وبرغم وجود تفاصيل “إدارية” أخرى، فإن الرئيس خاضع في النهاية لسلطة الولي الفقيه.

أما الحكومة فإن الهدف من إقامتها هو، “هداية الإنسان للسير نحو النظام الإلهي”. ولكل إنسان أن يسأل: أهي حكومة أم معبد؟

وهناك مجلس يدعى “مجمع تشخيص مصلحة النظام” يقوم “القائد” بتعيين أعضائه “لتشخيص المصلحة فـي الحالات التي يرى مجلس صيانة الدستور أن قرار مجلس الشورى الإسلامي يخالف موازين الشريعة أو الدستور”، وهو ما يعني أنه سلطة دينية أخرى فوق سلطة البرلمان.

ولكي تفهم لماذا أن الخراب الاقتصادي جزء من طبيعة النظام الدينية، فإن الدستور يعتبر الاقتصاد وسيلة لا هدفا. أي أنه وسيلة لتحقيق غايات دينية، وليس هدفا لتحقيق التنمية الاجتماعية وزيادة الثروة. يقول بالنص “إن الأصل فـي مجال ترسيخ الأسس الاقتصادية هو سد حاجات الإنسان فـي مسيرة تكامله ورقيّه، لا كما فـي سائر النظم الاقتصادية التي ترمي إلى تجميع الثروة وزيادة الربح. إذ أن الاقتصاد فـي المذاهب المادية هدف بنفسه ولهذا السبب يعتبر اقتصادا فـي مراحل النمو وعامل تخريب وفساد وانحطاط (فـي هذه المذاهب) بينما الاقتصاد فـي الاسم مجرد وسيلة، والوسيلة لا يطلب منها إلا العلم بأفضل صورة ممكنة فـي سبيل الوصول إلى الهدف”. أما الهدف فهو هدف ديني لا تنموي. (يعني، بطريقة أوضح: أن تلطم على الحسين خير لك من أن تشق طريقا أو تفتح مدرسة). وهذه فكرة غبية تماما، لأن الاقتصاد الذي تشرف الدولة على قيادته، حتى وإن أدى إلى “زيادة الربح”، فمن أجل توظيفها لخدمة المجتمع. أما القول بأن “الاقتصاد وسيلة لا يُطلب منها إلا العلم…” فإنها من غباء السفسطة بما لا يستحق حتى التعليق عليه.

و”الثورة الإسلامية” في إيران، بحسب الدستور، بلا حدود وتشمل العالم بأسره، فيقول في ديباجته “ومع الالتفات لمحتوى الثورة الإسلامية فـي إيران – التي كانت حركة تستهدف النصر لجميع المستضعفين على المستكبرين – فإن الدستور يعدّ الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة إلى توسيع العلاقات الدولية مع سائر الحكومات الإسلامية والشعبية حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة فـي العالم، ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة فـي جميع أنحاء العالم”.

وبموجب هذه الوصاية العالمية، فإن الدستور لم يتضمن أيّ ينص يُلزم الولي الفقيه أو حكومته باحترام القوانين والمواثيق الدولية، كما لا يتضمن أيّ إشارة إلى الأمم المتحدة ولا القبول بمعاهداتها وميثاقها، ولا يتعهد بما تتعهد به كل دولة أخرى بالتزام قواعد حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها.

وتلزمني الأخلاق بأن أعتذر عن حاجتي إلى أن اقتطف من برميل القمامة هذا كل هذه الفقرات. ولكن غايتي هي طرح هذه الأسئلة: كيف يمكن لأيّ أحد أن يعقد اتفاقا مع كيان مثل هذا؟ وكيف يجوز التعامل بحسن جوار مع مَنْ لا يُلزم نفسه بشيء مماثل؟ وإذا كان هذا الكيان يُجيز لنفسه، تحت دواعٍ دينية – مذهبية، ألا يحترم سيادة أحد، فبأي معنى يجوز احترام سيادته؟ وإذا كان يتصرف كأداة تخريب، وتدخلات، فكيف يمكن أن تقام معه حدود أو ترسل إليه بعثات دبلوماسية هو لا يلزم بقواعدها ومواثيقها؟ وإذا كان هو نفسه لا يعتبر نفسه “دولة – أمة”، بين حشد من الدول التي تمثل شعوبها، فكيف يجوز بقاؤه عضوا في منظمة أمم متحدة هو لا يلزم بمواثيقها؟ والتجارة معه، ماذا تخدم؟ ومنحه القدرة على تمويل نفسه، الى أين يؤدي؟ (دع عنك ما يعرفه الجميع عن دعمه لميليشيات وتنظيمات إرهاب).

ولاية الولي الفقيه لا تقتصر على إيران، لأنها تبحث عن “استمرارية الثورة داخل إيران وخارجها”، أما “العلاقات الدولية” فإنها تقصد “الحكومات الإسلامية والشعبية” التي تسعى إلى “بناء الأمة الواحدة في العالم”، وذلك برغم أن القرآن الكريم يقول “وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود 118). سوى أن مشيئة الولي السفيه أعلى من مشيئة رب العالمين.

هذه القمامة لا ينفع معها إلا ما يفعل البشر الأسوياء مع أيّ قمامة أخرى: الدفن أو الحرق، لا توقيع العقود.

العرب