السياق السياسي لاعتراف إدارة بايدن “بـالإبادة الجماعية للأرمن” وتداعياته على العلاقات الأميركية – التركية

السياق السياسي لاعتراف إدارة بايدن “بـالإبادة الجماعية للأرمن” وتداعياته على العلاقات الأميركية – التركية

أعلن الرئيس الأميركي، جو بايدن، في الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل 2021، اعتراف الولايات المتحدة الأميركية رسميًا بـ “الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني”[1]. وبهذا تكون إدارته قد قطعت مع مقاربة امتدت عقودًا طويلة، كانت خلالها واشنطن تعزف عن تبني السردية الأرمنية التي تصف أحداث عام 1915 بـ “الإبادة”، وذلك خشية المسِّ بعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا. ويقول الأرمن إن أحداث عام 1915 تسببت في ترحيل وقتل قرابة مليون ونصف المليون منهم. في حين تصرّ تركيا على أن هذه الأرقام مبالغ فيها، وأن الملايين من الضحايا من مواطني الدولة العثمانية المسلمين، خصوصًا في مناطق الأناضول والبلقان والقوقاز، إضافة إلى الأرمن، سقطوا أو تمَّ ترحيلهم قسرًا، خلال اضطرابات وغزو أجنبي، وأن العديد من الجمعيات والقوى الأرمنية شكلت “طابورًا خامسًا” في الدولة[2].كان واضحًا أن البيان الذي أصدره البيت الأبيض حاول الموازنة بين توجيه رسالة إلى تركيا مفادها بدء حقبة جديدة من العلاقات بين البلدين، وعدم المبالغة في استفزازها ودفعها إلى ردود فعل متطرفة. وفي هذا السياق، حرص البيان على تجنب ذكر تركيا وتحميلها مسؤولية أحداث عام 1915، بل حددها فيما وصفها بـ “الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني”. كما شدد على أن ذلك يأتي في سياق “تأكيد التاريخ” وليس “لإلقاء اللوم على أحد، وإنما لضمان عدم تكرار ما حدث”[3]. وقد أشار الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إلى أن المسؤولين الأميركيين أبلغوا تركيا أن الإعلان لن يوفر أي أساس قانوني لمطالبات التعويض المحتملة[4]. لكن ذلك لم يخفف من غضب أنقرة التي تدرك تداعيات مثل هذا الإعلان الأميركي؛ من قبيل فتح باب الدعاوى القضائية أمام المحاكم الأميركية لدفع تعويضات، فضلًا عن رمزية الإعلان نفسه. فتركيا تخشى، بصفتها وريثة للدولة العثمانية، أن يؤسس الاعتراف الدولي المتزايد بما يوصف بـ “إبادة الأرمن” للتعامل معها على أنها “دولة منبوذة”[5]. وهي تشدد، في هذا السياق، على أن ثمّة تسييسًا وتلاعبًا في تقديم أحداث عام 1915، ومن ثمَّ فإنها دعت مرارًا إلى فتح الأرشيفين العثماني والأرميني أمام متخصصين في التاريخ للتحقيق في السردية الأرمنية للأحداث، التي أصبحت، من وجهة النظر التركية الرسمية، أداة تعتمدها دول غربية للتحرش بها، آخرها الولايات المتحدة، بسبب خلافات سياسية.

اتساع هوة الخلاف بين واشنطن وأنقرة
تمثل الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتركيا، المتعلقة بملف “الإبادة الجماعية للأرمن”، حلقة أخيرة في سلسلة أزمات مستمرة، منذ أيام إدارة الرئيس الأسبق، باراك أوباما. وهي مرتبطة بجملة من القضايا في منطقة الشرق الأوسط، وشرق البحر الأبيض المتوسط، والقوقاز. وتوسعت هوة الخلافات بين البلدين بسبب المواقف من الثورات العربية، السورية خصوصًا، واتهامات واشنطن للرئيس رجب طيب أردوغان بدعم الفصائل الإسلامية المتطرفة في سورية، والتراجع عن الديمقراطية في بلاده وانتهاك حقوق الإنسان، وفي المقابل الغضب التركي من الموقف الأميركي الغامض من المحاولة الانقلابية التي عاشتها تركيا في تموز/ يوليو 2016. وقد وصل انحدار العلاقة بين البلدين، خلال رئاسة دونالد ترامب، إلى فرض واشنطن عقوبات اقتصادية قاسية على تركيا عام 2018 لاحتجازها القس الأميركي، أندرو برانسون، بتهم تتعلق بالتجسس والإرهاب، ودعم واشنطن حزب العمال الكردستاني، فضلًا عن التعاون مع منظمة الداعية التركي، فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة، والذي تتهمه أنقرة بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة، وترفض واشنطن تسليمه، أو طرده من أراضيها.

وتضاعفت حدة الخلافات بين البلدين بسبب ما تعتبره تركيا انحيازًا أميركيًا لصالح اليونان، في الخلاف بين البلدين، حول الحدود البحرية وحقوق الغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط. ثمَّ جاء دعم تركيا لأذربيجان في حربها مع أرمينيا، عام 2020، ليزيد من هوة الخلاف مع واشنطن؛ إذ انتقدت أنقرة موقف مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي تشكلت عام 1992 للتوسط في النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، وتضم روسيا وفرنسا والولايات المتحدة. ولم تنظر هذه المجموعة بعين الرضى إلى الدعم التركي لأذربيجان، والذي مكنها من استعادة مناطق واسعة في إقليم ناغورنو قره باغ من أرمينيا.

أما أهم نقاط الخلاف بين الدولتين حاليًا، إضافةً إلى ملف غولن، فتتمثل بدعم واشنطن للمقاتلين الأكراد في شمال شرق سورية، وإتمام أنقرة صفقة صواريخ “إس-400” الروسية.

في الموضوع الأول؛ لا تخفي أنقرة امتعاضها من دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية، وعمادها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي بمنزلة الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الفرع السوري. وتصنف أنقرة هذا الحزب إرهابيًا على أساس ارتباطه بحزب العمال الكردستاني التركي، في حين تعتبره واشنطن حليفًا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في سورية. وقد شنت تركيا عددًا من العمليات العسكرية ضد تلك القوات؛ ما أثار انتقادات أميركية وتوترًا في العلاقات بين الطرفين.

أما بخصوص الملف الثاني المتعلق بالصفقة التي وقعتها تركيا، عام 2017، مع روسيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي “إس-400″، وتسلمته أنقرة بالفعل في صيف عام 2019، فتقول واشنطن وحلف شمال الأطلسي “الناتو” إن هذا النظام الدفاعي لا يتلاءم مع الأنظمة الدفاعية للحلف، كما أنه يشكل خطرًا استخباراتيًا على طائرات “F-35” الأميركية المقاتلة التي شاركت تركيا في تصنيعها. ورغم عرض أنقرة التعاون في تشغيل أنظمة الصواريخ الروسية بما يعالج المخاوف الأميركية والأطلسية، فإن واشنطن بقيت ترفض ذلك. وقد أوقفت وزارة الدفاع الأميركية تسليم تركيا عددًا من هذه الطائرات المقاتلة، قبل أن تعود إدارة ترامب إلى فرض عقوبات على الصناعات الدفاعية التركية أواخر عام 2020. وقبل يومين فقط من إعلان بايدن اعترافه بـ “الإبادة الجماعية للأرمن”، قامت وزارة الدفاع الأميركية، في الثاني والعشرين من نيسان/ أبريل 2021، بإخراج تركيا رسميًا من مشروع الدول المشاركة في تصنيع مقاتلات “F-35″[6].

هل هي مقاربة جديدة؟
رغم الخلاف المتصاعد بين الدولتين، فإن ما أقدم عليه بايدن من اعتراف بـ “الإبادة الجماعية للأرمن” لم يُقدم عليه رئيس أميركي من قبل. ولم يتعد الرئيس الأسبق، رونالد ريغان، مثلًا، الإشارة إلى “الإبادة الجماعية للأرمن”، وذلك في خطابه بمناسبة إحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست عام 1981[7]. ومع أن الرئيسين جورج بوش الابن وأوباما تعهدا لناخبيهما، بوصفهما مرشحين، بالاعتراف بـ “الإبادة الجماعية للأرمن”، فإنهما اضطرا إلى التراجع عن تعهدهما هذا مراعاةً لاعتبارات التحالف مع تركيا[8]. وحتى حينما اعترف الكونغرس، بمجلسَيه النواب والشيوخ، بـ “الإبادة الجماعية للأرمن”، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، فقد نأت إدارة ترامب بنفسها عن الأمر. فما الذي دفع بايدن إلى تغيير هذا التوجه؟

يبدو من الواضح أولًا غياب أي ود في العلاقة الشخصية على مستوى قيادة البلدين؛ وهو ما أكده تسجيل مسرب في آب/ أغسطس 2020 للقاء مع بايدن، حين كان مرشحًا للرئاسة، أجرته صحيفة نيويورك تايمز في كانون الأول/ ديسمبر 2019. فقد أكد بايدن أنه سيتبنى “نهجًا مختلفًا” في التعامل مع الرئيس أردوغان في حال فوزه في انتخابات الرئاسة يقوم على “دعم وتشجيع المعارضة” لمواجهته “وهزيمته، ليس عن طريق انقلاب، ولكن من خلال العملية الانتخابية”. وقد اشتكى من التعاون العسكري المتنامي بين أنقرة وموسكو، ومن تعامل تركيا مع الأكراد، فضلًا عن السياسات التركية في المنطقة، وخصوصًا في شرق البحر الأبيض المتوسط، وقال إن على أنقرة أن “تفهم بأننا لن نستمر في اللعب معهم كما في السابق”[9]. وفي مؤشر واضح على أن الأمر لم يكن مجرد تصريحات غير مدروسة لمرشح رئاسي، كان أردوغان آخر حليف يتصل به بايدن بعد ثلاثة أشهر من تنصيبه رئيسًا، وكان ذلك في الثالث والعشرين من نيسان/ أبريل 2021، وليبلغه في اليوم التالي بأنه سيعترف بـ “الإبادة الجماعية للأرمن”[10].

ويذهب بعض المحللين إلى اعتبار هذا التوجه دليلًا على تراجع مكانة تركيا في المقاربة الأميركية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، وتعبيرًا عن تحول مؤسساتي أميركي نحوها[11]. ففي السابق، كانت الوعود الانتخابية للرؤساء بشأن الاعتراف بـ “الإبادة الجماعية للأرمن” تواجه اعتراضًا من وزارتَي الدفاع والخارجية والوكالات الأمنية، أما الآن فلم تبذل هذه المؤسسات أي جهد لمنع ذلك؛ بل هي تعبّر عن قلق واضح من التقارب التركي – الروسي، ومن اعتراض تركيا على بعض السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، خصوصًا بشأن “قسد” في سورية، فضلًا عن القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والتراجع عن المكاسب الديمقراطية[12]. بل إن بعض أركان إدارة بايدن باتوا يعتبرون أن أنقرة بمقاربتها الحالية صارت تمثل “تهديدًا لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”[13].

خيارات تركيا تجاه واشنطن
رغم تهديد المسؤولين الأتراك بأن بلادهم سترد على الاعتراف الأميركي بـ “الإبادة الجماعية للأرمن”، فإنه بدا لافتًا تريث أنقرة في اتخاذ إجراءات انتقامية، مفضلةً انتظار لقاء رئيسَي البلدين خلال قمة الناتو في بروكسل في حزيران/ يونيو 2021. ويبدو أن إدارة بايدن تراهن على امتناع تركيا عن التصعيد؛ بسبب أوضاعها الاقتصادية الصعبة التي فاقمتها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وانخفاض قيمة صرف الليرة مقابل الدولار[14]. ومن المستبعد أن تلجأ تركيا إلى ردود فعلية على إعلان أميركي رمزي في طبيعته لا يفهم إلا من خلال تباعد بين البلدين، ويتوقف عند تطبيق لفظي لوعد قطعه مرشح الرئاسة بايدن لناخبيه. لكن، في حال قررت تركيا الرد – وهو ما قد يفاقم الأجواء التي جرى فيها الإعلان الأميركي – فإن أمامها جملة من الخيارات منها:

تجميد اتفاقية التعاون الاقتصادي والدفاعي لعام 1980، والتي تتيح التعاون الاستخباراتي بين البلدين، والقيام بتدريبات مشتركة، فضلًا عن تسهيل الوصول العسكري الأميركي إلى القواعد الجوية التركية، وهو الأمر الذي استفادت منه الولايات المتحدة في تدخلها في كل من العراق وسورية[15].
منع الولايات المتحدة من الوصول إلى قاعدة رادار كوريسيك للإنذار المبكر، جنوب تركيا. وتعد هذه القاعدة جزءًا مهمًا من قدرات الناتو الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية[16].
تقييد قدرة الولايات المتحدة على استخدام قاعدة إنجرليك الجوية في مدينة أضنة، وهو ما سيؤثر في قدرات الولايات المتحدة في العراق وسورية[17].
تقليص الجهود الدبلوماسية لدعم محادثات السلام الأفغانية[18].
تحقيق مزيد من التقارب مع الصين وروسيا وإيران؛ وهو مثلث القوى الذي تسعى واشنطن إلى احتوائه على الصعيدين الإقليمي والدولي.
والمرجّح أن تتخذ تركيا توجهًا واقعيًا، لا يرد على إعلان ذي طبيعة رمزية بخطوات سياسية، أو ذات طبيعة جيوسياسية. والمفضل هو التحاور بصراحة حول الخلافات بين البلدين.

خاتمة
من الواضح أن العلاقات التركية – الأميركية تمر بأزمة عميقة، تتجاوز القضايا الشخصية بين البلدين وتتركز أساسًا في افتراق الرؤية الاستراتيجية وطبيعة المصالح بينهما؛ إذ تسعى الولايات المتحدة في عهد بايدن على ما يبدو إلى احتواء النفوذ التركي الصاعد ومحاصرته داخل شريط ساحلي ضيق في شرق البحر الأبيض المتوسط، وعبر دعم طموحات الأكراد على حدود تركيا الجنوبية. ومع ذلك، لا يبدو تخلي تركيا عن عضويتها في الناتو أمرًا واردًا، كما لا يبدو تخلي واشنطن نهائيًا عن تحالفها مع تركيا، التي تملك ثاني أكبر جيش في الناتو، أمرًا واردًا؛ لأن ذلك سوف يدفعها إلى الاقتراب أكثر من روسيا والصين وإيران التي تصنفها واشنطن “مثلث” التحديات الاستراتيجية الذي تواجهه. أما اقتصاديًا، فمن المستبعد بالنسبة إلى أنقرة أن تفك ارتباطها الوثيق بالاقتصادات الغربية أو التخلي عن إجراء معاملاتها التجارية بالدولار، رغم الحديث عن استخدام العملات الوطنية في العلاقات التجارية البينية مع روسيا والصين. فهذا يعني أن البلدين سيتجهان نحو محاولة إدارة خلافاتهما خلال المرحلة المقبلة، وتجنب الانزلاق نحو مزيد من التصعيد يتسبب بأضرار كبيرة لكليهما.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات