ما الجديد في جولة محادثات واشنطن الأخيرة للعراق؟

ما الجديد في جولة محادثات واشنطن الأخيرة للعراق؟

في الظاهر، ترجم لقاء الرئيس الأمريكي «جو بايدن» مع رئيس الوزراء العراقي «مصطفى الكاظمي» عن اتفاق البلدين على مسودة برنامج سحب القوات القتالية الأمريكية من العراق، وتحوله إلى دور استشاري وداعم للقتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات التابعة لإيران. حيث تم وصف هذا اللقاء على أنه إعلان عن انتهاء المهمة القتالية الأمريكية، ولكن في غياب للكثير من التفاصيل عما تم تحديده بالفعل.
أما في الباطن، يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية وباختلاف إداراتها منذ احتلال العراق في 2003 عازمة على الاستمرار في تنفيذ استراتيجيتها التي جاءت من أجلها، من خلال ربط وجودها الاستراتيجي في العراق، مع قواعدها الأخرى في الدول المجاورة وفي منطقة الخليج العربي، والتي يمكن أن تدعم وتعزز النظام السياسي التي جاءت به إذا لزم الأمر.
وعلى الرغم من إصرار الجانبين الأمريكي والعراقي على اظهار الجولة الأخيرة من لقاء واشنطن على أنه تطور مهم وتحول في طبيعة وشكل التواجد الأمريكي في العراق، بيد أن الغالبية من العراقيين لم تلمس بعد تطورا في المشهد السياسي الملتهب الناتج من صراع الآخرين في بلدهم. حيث ترى هذه الأغلبية في ان النتائج المعلنة من هذه الجولة ليست سوى تسويق إعلامي، يدخل ضمن إطار دبلوماسية المصطلحات التي تتطلبها الأوضاع في العراق وإيران، وعلاقة هذه الأخيرة بنجاح أو فشل الاستراتيجية الأمريكية في هذه البقعة المهمة من العالم المهددة من قبل المارد الصيني، هدفها ضمان استمرار مصالح الولايات المتحدة وجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة رئيسية لمصالح الولايات المتحدة، مما يعني بقاء التواجد اللوجستي الناعم والاستمرار في تسهيل السيطرة على عراق ضعيف تهدده المجموعات المسلحة، وينعدم فيه الاستقرار ومن ثم الاكتفاء بسحب القوات القتالية وكما هو الحال في أفغانستان، والتركيز على المحيطين الهندي والهادئ لمجابهة تحدي الصين.
وهذا ما يدفع الكثير بالاعتقاد في أن أهمية هذا اللقاء، تكمن في حرص الإدارة الأمريكية في الحفاظ على استمرار تواجدها الاستراتيجي في العراق، من خلال دعم النظام السياسي الذي يمثله رئيس الوزراء الكاظمي على الجبهة الداخلية في أزمته مع الميليشيات الولائية من جهة، واستمرار اعتماد العراق على الولايات المتحدة في حملة هزيمة داعش، والذي يمثل جوهر العلاقة بين الإدارات الأمريكية المتتابعة والنظام السياسي في بغــداد. وهذا ما يجعل من برنامج سحب القوات القتالية الأمريكية في العراق واستمرار التواجد الأمريكي بشكله الجديد أشبه برسالة تسوية مشتركة لأحزاب إيران المطالبة بضرورة خروج القوات الأمريكية، وللشارع العراقي الرافض للتهديد الإيراني من احتمال تعزيز احتلاله للعراق، إذا ما أخذنا بعين الاهتمام حساسية المناخ الأمني في العراق وارتباطه بدور الأسرة الدولية، التي تعطي شرعية تنظيم تواجد القوات الأمريكية ضمن ما يسمى بقوات التحالف الدولي.

الولايات المتحدة الأمريكية وباختلاف إداراتها منذ احتلال العراق في 2003 عازمة على الاستمرار في تنفيذ استراتيجيتها التي جاءت من أجلها

وهذا ما قد يعطي لبرنامج سحب القوات القتالية الأمريكية في العراق نهجا أكثر حساسية واعتدالًا، يرضي في نفس الوقت أحزاب إيران والشارع العراقي المنتفض ضد وجودها، ويذهب في صالح «مصطفى الكاظمي» الذي سيرضى به ويدعمه في النهاية كلا الطرفين، من خلال قدرته على الموازنة بين المصالح الأمريكية والإيرانية التي يتمناها على حد سواء كل من واشنطن وطهران.
وبمعنى آخر دفع مصطفى الكاظمي إلى موقع متقدم في الانتخابات القادمة ودعمه للخروج من المنصب الانتقالي المؤقت الذي أتاح له الفرصة في ملء الفراغ الحاصل من استقالة عادل عبد المهدي، نتيجة لاستمرار انتفاضة الهوية الوطنية التي طالبت بحقوق العراقيين في الإصلاحات ووضع حد للفساد. وفي نفس الوقت إرضاء زعماء الأحزاب والميليشيات التي هددت «بقطع أذن الكاظمي» إذا لم يتم طرد القوات الأمريكية على الفور من البلاد نتيجة لدوره في انسحاب القوات القتالية الأمريكية من العراق، ما قد يُقنع إيران وميليشياتها، للبدء بوقف الهجمات الصاروخية على المواقع العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، وهذا ما سيتضح خلال الأيام والأسابيع القادمة، ما قد يجعل من رئيس الوزراء الكاظمي مشروع حل وسط لعلاقة أمريكية ـ إيرانية جديدة تنسجم مع ما يجري في محادثات الملف النووي لإيران.
لا شك أن وصول «مصطفى الكاظمي» لمنصب رئيس الوزراء، وبدعم أمريكي لم يأت اعتباطا من قبل «البيت الأبيض» نتيجة للاختلاف الواضح في رؤيته السياسية للعلاقة المستقبلية مع كل من الولايات المتحدة وجيران العراق، وهذا قد يكون أحد العوامل المهمة في تصميم إدارة «جو بايدن» للاعتماد عليه وتسويقه، على انه «زعيم عراقي غير عادي وناشط سابق في مجال حقوق الإنسان، يحاول توحيد بلد تمزقه الطائفية والفساد والتدخل الإيراني، قادر على بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد» في قلب الشرق بما في ذلك «التدريب والمساعدة الاستخباراتية والتعاون في الاقتصاد.
من هنا كشف برنامج سحب القوات القتالية الأمريكية في العراق عن عزم الإدارة الأمريكية في مواصلة تهدئة الأجواء مع أحزاب إيران في العراق والتنازل عن وجودها العسكري ولكن بدون التنازل عن وجودها السياسي وإناطة هذه المهمة «لمصطفى الكاظمي» بصفته المرشح المفضل القادم لمنصب رئاسة الوزراء لدى إدارة «جو بايدن» للقيام بهذه المهمة.
يبدو أن الجديد من الجولة الأخيرة من الحوار الإستراتيجي الأميركي العراقي، الذي خرج من لقاء الرئيس الأمريكي مع رئيس الوزراء العراقي، يُمكن فهمها في تصريحات رئيس الوزراء العراقي، ورده في الصحافة الأمريكية حين سأل عما إذا سيرشح لولاية ثانية بعد الانتخابات فأجاب: انه سيقبل بولاية ثانية بعد الانتخابات، وعن رأيه عما إذا كانت الولايات المتحدة قد طلبت منه أن يرد على الميليشيات عسكريًا، أو أن يكون بمثابة منطقة عازلة ضد الوجود الإيراني. فكان جوابه «لن أقبل، ولم يطلبوا مني هذا». وهذا ما يعزز الإرادة الأمريكية والإيرانية في استمرار تواجدهما في العراق انسجاما مع مصالحهما وأجندتهما حتى وإن التزم الأمر التنكر بوجوه عراقية.

القدس العربي