حضور الشباب المغربي في المشاركة السياسية حبيس الخطابات الرسمية

حضور الشباب المغربي في المشاركة السياسية حبيس الخطابات الرسمية

تسود حالة من عدم الثقة لدى الشباب المغربي بالأحزاب السياسية نتيجة تهميشهم لسنوات طويلة وعدم التواصل معهم إلا استجداء لأصواتهم أثناء الحملات الانتخابية التي تسبق الاقتراع بفترة قصيرة، ما أعطى صورة قاتمة لدى الشباب عن المشاركة السياسية واختار غالبيتهم الابتعاد عنها.

الرباط – تتسابق الأحزاب السياسية في المغرب على استمالة الشباب وإقناعهم بالتسجيل في اللوائح الانتخابية للمشاركة في التصويت قبل أشهر قليلة من الانتخابات، في حين أن تهميش هذه الفئة وخروجها من حسابات الأحزاب خارج الفترات الانتخابية أدى إلى عدم اهتمامها بالمشاركة السياسية.

ويواجه خطاب الأحزاب السياسية اتهامات بشأن تسبُّبه في نفور الشباب من المشاركة السياسية عموما، ويقول البعض إن المشكلة هي في وعي النخبة السياسية وطريقة تعاملها مع فئة الشباب. فغالبا ما تستخدمهم لأغراض انتخابية وحتى لوائح ترشيح الشباب في الانتخابات على اختلاف أنواعها، فهي لوائح ريعية بامتياز كونها لا تخضع للمساءلة ويظل دورها هامشيا وتلجأ إلى الشباب كوقود انتخابي محدد الصلاحية.

يرى غالبية الشباب أن الحملات الانتخابية لا تعدو أن تكون سوى حملة ترويجية ودعائية، تطلق وعودا لا تتجاوز المناسبة التي قيلت بها ولا أحد يصدق هذه الوعود بمن فيهم حتى المرشح نفسه. فحضور الشباب في المشاركة السياسية، ظل حبيس الخطابات الرسمية لسنوات عدة ومجرد تكتيك سياسي، بينما هم مهمشون في الواقع.

ويتداول المغاربة أمثلة عن ممارسات داخل بعض الأحزاب مثل الطرق الملتوية التي تُصاغ بها اللائحة الوطنية للشباب حيث تُحْجَز المراتب الأولى لذوي القربى من زعيم الحزب أو من أعضاء المكتب السياسي أو من النافذين داخل التنظيم السياسي، وهو يبعدُ كفاءات وطاقات شابة عن هذه اللائحة والوصول إلى البرلمان.

كما أن البرامج الانتخابية التي يتقدم بها معظم الأحزاب تبتعد كثيرا عن واقع الشباب المغربي، مما يجعلها غير قادرة على الاستقطاب أو نيل ثقة هذه الشريحة.

ولجأ المغرب منذ سنوات إلى “الكوتا” باعتماد لائحة وطنية تمنح ثلاثين مقعدا للشباب الذين تقل سنهم عن أربعين سنة من مقاعد مجلس النواب البالغة 395.

وفي مارس الماضي صوتت لجنة الداخلية في مجلس النواب المغربي على إلغاء هذه لائحة الشباب الانتخابية.

وبحسب التعديل الجديد، تم إلغاء اللائحة الوطنية للشباب عبر إضافة تلك المقاعد المخصَّصة لهم إلى حصّة النساء بهدف دعم تمثيلهنّ داخل البرلمان، إذ تقدر الحصة المخصّصة لهن بتسعين مقعدا عوض ستين المعتمدة حاليا.

ويرى مراقبون للشأن السياسي المغربي أن إلغاء اللائحة المذكورة هو إنهاء لشكل من أشكال الريع السياسي داخل البرلمان كرّسه بعض الأحزاب.

وفي المقابل تطالب الشبيبات الحزبية بإيجاد آليات جديدة تضمن تواجد الشباب ضمن المؤسسات المنتخبة، وتؤكد أن إلغاء اللائحة الوطنية يُغلق الباب نهائيا أمام وصول الشباب إلى المؤسسة البرلمانية، على اعتبار أن الأحزاب ترفض ترشيحهم لاقتناعها مسبقا بعدم تمكنهم من الحصول على مقاعد برلمانية.

وأكد يونس سراج، الكاتب العام لمنظمة الشبيبة الاشتراكية، أن إلغاء اللائحة يقتضي تخصيص 20 في المئة من الدوائر الانتخابية للشباب لتقوية تمثيليتهم ومشاركتهم في الحياة السياسية، مضيفا أن “الأحزاب اليوم تُهرول وتتسابق نحو الأعيان والشخصيات البارزة، وتُريد في الوقت نفسه إقصاء الشباب من اللائحة”.

وأقر سراج بأن اللائحة الوطنية بصيغتها القديمة “لم تنجح في إفراز تمثيلية تراعي العدالة المجالية بين مناطق المغرب، لكنها أعطت نماذج ناجحة خلال الولاية البرلمانية الحالية”.

وهو الرأي الذي يؤيده كثيرون بأن اللائحة الوطنية للشباب أثبتت بعد سنوات من اعتمادها عدم فعاليتها في إشراك الشباب في الحياة البرلمانية، إذ تم توزيع المقاعد الثلاثين التي نصت عليها بمنطق الكعكة؛ الأمر الذي جعل مشاركة المنتخبين باسم اللائحة ضعيفا، وغير ذي جدوى.

44.7 في المئة يعتبرون أن أسباب عزوف الشباب عن السياسة يعود إلى عدم ثقتهم في الأحزاب

وأجريت دراسة جديدة حول توجهات الشباب نحو العمل الحزبي والمشاركة السياسية بصفة عامة، وركزت على استهداف فئة الشباب ما بين 18 و40 سنة، وكشفت عن غياب الثقة لدى غالبية الشباب تجاه السياسة والأحزاب والانتخابات، إلى جانب صعوبة تحقيق الانتماء الحزبي والمساهمة في الإصلاح، بسبب سيطرة النزعة الفردية والمصلحة الخاصة داخل المجال.

وأعد الدراسة مصطفى تاج الكاتب العام للشبيبة المدرسية والباحث في الدكتوراه تخصص القانون العام والعلوم السياسية تحت عنوان “اتجاهات الشباب المغربي نحو المشاركة السياسية في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”، اعتمد فيها على فئات عمرية متنوعة من الشباب، وجمع معلومات ميدانية أسفرت عن نتائج متباينة ومختلفة، ليقدم خلاصة حول واقع الشباب المغربي والسياسة.

وخلص تاج بحسب الدراسة إلى أن أسباب العزوف الحزبي للشباب تختلف، حيث أن 44.7 في المئة أرجعوا السبب لعدم ثقتهم في الأحزاب، فيما صرح 21.5 في المئة من المشاركين بأنه ليس لديهم اهتمام أصلا

بالسياسة، بينما برر 21.2 في المئة أنهم لم يجدوا الحزب المناسب، وقال 12.7 في المئة إن عدم انتمائهم الحزبي يرجع إلى انعدام الوقت للقيام بالعمل الحزبي والسياسي.

ودعا غالبية الشباب المشارك في هذه الدراسة إلى القيام بإصلاحات اجتماعية بنسبة 39 في المئة، فيما أكد آخرون على ضرورة الإصلاح الاقتصادي بنسبة 28.4 في المئة، وشدد على ضرورة القيام بالإصلاح السياسي في البلاد ما نسبتهم نسبة 24 في المئة، و8 في المئة أعطوا الأولوية للإصلاح الثقافي.

وأكد غالبية المشاركين الشباب في الدراسة على ضرورة إعطاء الأولوية لقطاع التعليم والصحة والتشغيل لدى الحكومة من أجل تحقيق التنمية في البلاد، لكون هذه القطاعات تظل أساسية ومهمة بالنسبة إلى المواطنين جميعا.

ويعتبر عبدو أوراهو أن هناك مشكلتين تعيق مشاركة الشباب في الحياة السياسية وتتسبب في اعتزالها تماما، الأولى هي انعدام الثقة في الأحزاب السياسية وبعض الشخصيات السلبية التي أعطت صورة قاتمة عن هذه الأحزاب.

وأضاف أوراهو الطالب الجامعي في ‏جامعة الحسن الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية‏، أن السبب الثاني هو أن “الشباب عند انخراطهم في العمل السياسي يتم حرمانهم من بعض الوظائف في الدولة، كيف نريد من شبابنا أن ينخرطوا في العمل السياسي وفي نفس الوقت يتم حرمانهم من بعض الوظائف”.

ويدعو البعض من السياسيين إلى التفكير بمنطق آخر ومواكبة تطلعات الشباب وهمومهم، إذ ينبغي أن يتم التعامل مع ضعف مشاركة الشباب في الحياة السياسية كدافع حقيقي لمراجعة مكانة الأحزاب داخل الفضاء السياسي، وأن تراجع هذه الأحزاب حساباتها في التعاطي مع فئة الشباب وتعديل سياستها بهذا الشأن حتى تتمكن من التفاعل مع الشباب واحتضان تنوُّعهم.

واعتبر جواد الشفدي رئيس المركز المغربي للمشاركة السياسية أن “أسباب انعدام الثقة في الأحزاب السياسية عديدة ومركبة، وإن بدأنا من الأحزاب نفسها، نرى أن عدم تجديد النخب وغياب ديمقراطية داخلية واضحة أمور تجعل الشباب يعزف عن الانتماء الحزبي”.

وأضاف أن الصورة النمطية التي ترسمها بعض الجهات عن العمل الحزبي تجعل الأحزاب عبارة عن تنظيمات فارغة من الإبداع والمبادرة وغير جاذبة للجيل الجديد.

وأشار الشفدي إلى أن الخطاب السياسي عند معظم الأحزاب لا يزال كلاسيكيا ولا يأخذ في الاعتبار التحولات الاجتماعية التي تعرفها البلاد.

وأكد أنه “لا يمكن انتهاج قنوات كلاسيكية باتجاه مواطنين رقميين ينهلون معرفتهم السياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن السمعة والحضور الرقميين أصبحا عاملين مرجحين للأحزاب السياسية لضمان تواصل فعال مع المغاربة”.

وأفرز التطور السياسي في المغرب فضاءات أخرى أصبحت تستقطب الشباب بشكل كبير، منها الملاعب الرياضية حيث ينادي الشباب بالشعارات السياسية إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تشكّل الساحة الأكثر استقطابا للشباب.

وتشكل وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات هامة لتواصل الشباب مع الأحزاب دون الحاجة إلى التنقل، إلا أن تفاعل الشباب مع الأنشطة الحزبية الافتراضية لا يزال ضعيفا، لأن نوعية الخطاب المقدم لا تتناول خصوصيات شباب اليوم بالشكل المطلوب.

ويرى عبدالحفيظ أدمينو أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن مسألة ثقة المواطنين وخاصة الشباب في الأحزاب السياسية ترتبط بمدى قدرة هذه الأحزاب على إدماج الشباب في منظومتها التنظيمية.

وأوضح أدمينو أن الدستور المغربي وضع القواعد والمبادئ المتعلقة بانخراط الشباب في الحياة العامة، كما تضمن القانون التنظيمي للأحزاب السياسية بنودا تتعلق بتمكين الشباب من الوصول إلى المسؤوليات القيادية داخل الأحزاب السياسية، لكن لم يتم بعد تطبيق هذه البنود بشكل يضمن الانخراط السهل والمرن للشباب في العملية الحزبية.

وربط المحلل السياسي عدم الثقة في الأحزاب السياسية بطريقة تسييرها للسياسات العمومية واستمرار البطالة والتهميش في صفوف فئة عريضة من الشباب المغاربة، “ما يعيق انخراطهم في محيطهم الاقتصادي والاجتماعي، وتفقد بذلك الأحزاب السياسة مصداقيتها”.

ومن بين أبرز الأسباب المؤدية إلى نفور الشباب من الأحزاب صعوبة التواصل السياسي عند بعض الأحزاب، مبرزا أن هذا الأمر يختلف من حزب إلى آخر “إذ مازالت بعض الأحزاب تواجه صعوبة في التواصل مع الشباب رغم توفرها على صفحات رسمية في منصات التواصل الاجتماعي”.

ونتيجة لذلك زاد عزوف الشباب عن المشاركة في العملية الانتخابية، ويرون أن الأُطُر وقيادات الأحزاب لا تتواصل معهم إلا استجداء لأصواتهم في الحملات الانتخابية التي تسبق الاقتراع بفترة قصيرة، بالإضافة إلى اللجوء إلى الوعود المتكررة في التعامل مع الناخبين وعدم تحقيقها.

ولا يمكن إقناع الشباب بالمشاركة السياسية دون أحزاب قوية بديمقراطيتها الداخلية وباستقلالية قراراتها وتفعيل دورها في تأطير المواطنين وتكوين كادر من الشباب من أجل تأهيلِ خلفٍ يسمح باستمرارية العمل الحزبي وتحسين الصورة النمطية السيئة التي يراها الشباب العازفون عن العملية الانتخابية.

لكن هذا الهدف لا يزال بعيدا عن الانتخابات التي ستجرى في شهر سبتمبر المقبل، إذ تشير كل الدلائل الحالية إلى ضعف تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية، لأنهم لا يعلقون أي أمل على هذه الانتخابات من أجل التغيير وتبديل واقعهم نحو الأفضل في مجالات الصحة والتعليم والشغل وفي تكافؤ الفرص.

ويتركز التفاعل بشكل حثيث مع اقتراب موعد الانتخابات على وسائل التواصل الاجتماعي. وفيما يزيد اتساع الهوة بين الأحزاب والشباب المغربي، إلا أن أغلب الأحزاب تتسابق للإعلان عن أسماء وكلائها على رأس قوائم الانتخابات في كبريات المدن والمناطق المغربية.

وكما هو الحال مع كل استحقاق انتخابي تنطلق دعوات منظمة لمقاطعة التصويت وعدم المشاركة في الانتخابات. وبعد أن كانت دعوات المقاطعة تأتي في السابق من الأحزاب اليسارية الراديكالية مثل “حزب النهج الديمقراطي” الماركسي، فقد أصبحت الدعوة إلى المقاطعة تطلق من شخصيات مؤثرة في مواقع التواصل الاجتماعي ومن جمعيات حقوقية وفعاليات مدنية مختلفة.

ويمكن اختصار شعارات “المقاطعة” الموجهة إلى المواطنين في عبارة مليئة باليأس وبالإحباط “أبشروا.. لا أمل”. لا شيء يشجع على الأمل بالانخراط في الاستحقاقات الانتخابية. فنحن أمام نفس الكائنات الانتخابية.

العرب