الانقسامات داخل الإخوان في مصر تتزايد مع ضيق مساحات المناورة السياسية

الانقسامات داخل الإخوان في مصر تتزايد مع ضيق مساحات المناورة السياسية

القاهرة- أوحى القرار الذي اتخذه مؤخرًا القائم بأعمال مرشد الإخوان إبراهيم منير بإحالة الأمين العام السابق للجماعة محمود حسين ومعاونيه إلى التحقيق، بأن الجماعة تتوخى التغطية على إخفاقاتها في أكثر من ساحة عبر تضخيم خلافاتها الداخلية.

جاء القرار بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذت ضد حسين ومجموعته في تركيا، حيث سبق وألغى منير منصب الأمين العام للجماعة الذي كان يشغله حسين فضلًا عن تشكيل اللجنة الإدارية العليا للإخوان برئاسته التي باتت الجهة الإدارية الوحيدة للجماعة قبل أن يأمر بحل مكتب الإخوان في تركيا ويلغي انتخاباته التي كانت مقررة الشهر الماضي.

وينطوي الخروج بقرار جديد على رغبة قادة الإخوان في الإيعاز بأن جماعتهم لا تزال حاضرة والتغطية على ما يواجهه تنظيمها الدولي من أزمات وتحديات مصيرية، فهي موجودة ولم تنتهِ وتسعى للسيطرة على انقساماتها وخلافاتها الداخلية للانطلاق مجددًا من مراكز نشاطها الرئيسية.

الانشقاقات تحول دون تمكن قادة الجماعة من إعادة إنتاج أنفسهم في المشهد من خلال جبهة موحدة قادرة على ترضية حلفائهم

ولا يملك قادة الإخوان أدوات وأوراقًا يبرهنون بها على أن تنظيمهم لا يزال يتنفس وتدب فيه الحياة بالتزامن مع الهزائم التي مُني بها في ساحات هي بمثابة مراكز نفوذ تقليدية وتاريخية له في شمال أفريقيا وفي العمق الأوروبي، ولذلك لجأوا إلى تسليط الضوء على خلافاتهم الداخلية والتجاذبات المثارة بين جناحي تركيا وإنجلترا بغرض العودة إلى الأضواء، ومحاولة صرف الأنظار قليلًا عما يلاقيه التنظيم من ضربات موجعة كفيلة بتفكيكه وإضعافه.

ويمرر القائم بأعمال المرشد إبراهيم منير عبر هذه القرارات رسائل إلى القيادة التركية، خاصة وأنه فشل حتى اللحظة في إثبات مقدرته على إنهاء الانقسام الضارب في هيكل قيادة الإخوان، فاللجنة التي شكلها لإدارة الجماعة برئاسته نجح محمود حسين في إعاقة عملها من خلال حشد أعضاء مكتب الإخوان في تركيا وراء رفض القرارات الأخيرة وعدم قبول فكرة تصالح أنقرة مع النظام المصري والتي قد تؤدي إلى التضحية بقادة وعناصر الجماعة المقيمين في تركيا والذين يُعدون بالآلاف.

ويُعد قرار إحالة محمود حسين ومعاونيه إلى التحقيق بعد فشل اللجنة التي شكلها في إدارة شؤون الجماعة وعدم جدوى قرارات الحل التي اتخذها بشأن تكتل الإخوان في تركيا عملية تسكين لغضب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وجه بإنهاء الانقسام وتشكيل جبهة إدارية موحدة تدين بالولاء الكامل لأنقرة ولا مشكلات لها على خلفية ما تقوم به من ضبط لعلاقاتها الإقليمية، أو في الداخل عبر إجراء اتصالات مع أحزاب معارضة تركية.

وأكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية طارق البشبيشي أن جماعة الإخوان ليس أمامها الآن سوى الاستماتة في كسب ود أردوغان وتفادي غضبه.

وذهب خبراء في شؤون الجماعة إلى أن محاولات قادة الإخوان في ظل الأزمة المركبة التي يعاني منها تنظيمهم التي ترمي إلى الإيحاء بأن جماعتهم ديمقراطية عبر إعادة إنتاج خلافاتهم الداخلية بين فترة وأخرى لا تكفي لإعادة تعويمها سياسيًا خاصة مع تراجع كبير لشعبيهم.

ويرجع ذلك إلى المستجدات التي شهدها الشارع العربي خلال السنوات الماضية والمتعلقة بثبوت فشل الإدارات التي شكلها التنظيم في تقديم برامج سياسية واقتصادية مقنعة، فضلًا عن اكتشاف عدم اختلاف الجماعة عن بعض الأنظمة الفاسدة والفاشلة التي ثارت ضدها الشعوب العربية أثناء ثورات ما عُرف بالربيع العربي.

وصارت الجماعة في نظر قطاع عريض داخل المجتمعات العربية من الماضي الذي جرى تجاوزه جنبًا إلى جنب الأنظمة الفاسدة مع تداول أنباء عن الثروات التي كونها بعض قادتها خلال الهيمنة على مقاليد السلطة في بلدانهم، فضلًا عما يتهم به البعض من تورط في اختلاسات مالية ونهب ممتلكات وتبرعات وتمويلات مقدمة للتنظيم وتخصيص استثمارات بأسمائهم وأسماء أبنائهم وأسرهم.

وباتت جماعة الإخوان بالتوازي مع هزائمها وإخفاقاتها على وشك انقسامات سياسية كبيرة نتيجة الصراعات التي تعيشها والتي تشل من حركتها ولا تمكنها من مراجعة أفكارها وضبط أدائها بشكل يقنع الحلفاء.

وكشف الخبير في شؤون الحركات الإرهابية ماهر فرغلي أن العائق الرئيسي أمام توحيد تنظيم الإخوان هو محمود حسين الذي يمثل مركز قوة كبير داخل الجماعة بما يملكه من أوراق وما يمثله من ثقل مالي جعله يصنع تكتلًا حوله منافسًا لإبراهيم منير.

واستبعد فرغلي في تصريح لـ”العرب” أن يتنازل حسين عن موقفه لأنه يرى نفسه الأجدر بخلافة محمود عزت في قيادة الجماعة كونه كان أمينًا عامًا، ولخشيته من تسليمه إلى السلطات المصرية، خاصة وأن جناح محمد كمال وعلي بطيخ في تركيا يرغب في الإطاحة به ويتهمه بالعمالة للأجهزة الأمنية المصرية.

الإخوان يحاولون الإيحاء بأن جماعتهم ديمقراطية عبر إعادة إنتاج خلافاتهم الداخلية وهذا لا يكفي لإعادة تعويمها

وسيطرت مجموعة محمود حسين على مقاليد التنظيم عبر التحكم في الهِبات المالية، حيث حظي المقربون منه بامتيازات مالية كبيرة وتسهيلات تتعلق بالحصول على الإقامة والجنسية التركية فضلًا عن المنح التعليمية، وهو ما دعم موقف حسين وجعله قادرًا على اتخاذ قرار الرفض حِيال قرارات إبراهيم منير المتعاقبة، بداية من رفض حل مكتب الإخوان في تركيًا مرورًا بقرار إلغاء منصب الأمين العام ووصولًا إلى تشكيل لجنة إدارة الجماعة برئاسة منير.

وتحُول هذه الانشقاقات دون تمكن قادة الجماعة من إعادة إنتاج أنفسهم في المشهد من خلال جبهة موحدة قادرة على ترضية حلفائهم وعلى التغطية على هزائم وإخفاقات مشروع الإسلام السياسي بمراكز نفوذه بالمنطقة العربية وبالعديد من الساحات الأوروبية.

العرب