قلق على مستقبل الديمقراطية

قلق على مستقبل الديمقراطية

الديمقراطية_الاجتماعية

عندما تنبأ صموئيل هنتنغتون بموجات الديمقراطية الثلاث في مطلع التسعينات التي سوف تبدل الأنظمة السياسية في العالم، قوبل بانتقادات متنوعة. البعض أخذ عليه تفاؤله الزائد، والبعض الآخر انتقده لأنه كان يتنبأ بعقلية المفكرين وعلماء السياسة الذين لم يكفوا عن جعل أوروبا مركزاً للعالم Eurocentri.
ولقد انطبقت هذه الملاحظة الأخيرة على تقييمه للعوامل الخمسة التي أثرت وسوف تؤثر على دمقرطة المجتمعات وهي في رأيه: سوء الأداء الاقتصادي للأنظمة الأوتوقراطية في العالم، والتحديث الاقتصادي الذي سوف يزيد من حجم ونفوذ الطبقات المتوسطة في المجتمعات النامية، ودور الكنيسة في نشر الديمقراطية في العالم، والعوامل الخارجية وخاصة دور أوروبا والولايات المتحدة كرافعة للديمقراطية على الصعيد الدولي، أخيراً أثر الدومينو الإقليمي حيث تنتقل عدوى الديمقراطية من بلد إلى آخر بحكم العدوى.
بعد قرابة ربع قرن من هذه التوقعات، نجد أن توقعات عالم السياسة الأمريكي لم تكن بعيدة عن الحقائق عندما كان الأمر يتعلق بتطور الديمقراطية في القارة الأوروبية، وإلى حد بعيد جنوب ووسط القارة الأمريكية.
هل صحت هذه التوقعات بالنسبة إلى كبرى القارات، وقبلة الثروات والحراك الاقتصادي العالمي، والمختبر الإنساني للأفكار والمشاريع العالمية الضخمة؟ هل تنطبق هذه التوقعات على القارة الآسيوية؟ وهل تتحقق هذه التوقعات إذا بقيت منطقة مثل المنطقة العربية على حالها الراهن؟
إذا بدأنا بمراجعة أثر الاقتصاد على السياسة وجدنا أن هنتنغتون لم يخطئ، بل كان على صواب حين شدد، مثل الكثيرين غيره، على العلاقة بين الاثنين.
ولكن هنتنغتون أخطأ حينما تنبأ بإخفاق الأنظمة الأوتوقراطية السياسي والاقتصادي تحت وطأة المطالبات الشعبية والديمقراطية وعجز الأنظمة المطلقة عن تلبية هذه المطالب.
لقد سقطت هذه النظرية في ساحة تينانيمين في العاصمة الصينية بكين حينما قمعت الحركة الإصلاحية ومعها «ثورة التوقعات» كتحد ديمقراطي للنظام المطلق.
وسقطت في أعقاب مواجهة تينانيمين عندما باتت الصين على وشك احتلال المركز الأول بين الدول من حيث حجم اقتصادها.
وبدلاً من أن ينتقص سوء أداء الأنظمة الآسيوية الاقتصادي من شرعيتها السياسية، فإن التقدم الاقتصادي الباهر الذي حققته «النمور الآسيوية» أضفى عليها شرعية مؤكدة.
أما الحداثة فإنها لم تفض إلى نمو دور الطبقة المتوسطة بصورة تلقائية، لا في النمور الآسيوية ولا حتى في الديمقراطيات القديمة حيث تشكو هذه الطبقة من ضغوط مستجدة تعاني منها.
ولقد وجدت هذه الشكوى أصداء حتى لدى العديدين من أصحاب الرأي والقرار المتعاطفين مع النظريات النيوليبرالية أو الليبيرتيرية. مثل تشارلز مور، رئيس التحرير السابق للديلي تلغراف، أوسع الصحف البريطانية انتشاراً.
ويلقي مور ضوءاً على معاناة الطبقة المتوسطة في الديمقراطيات القديمة إذ يلاحظ أن جيل الشباب المنتمي إلى هذه الطبقة كان هو الذي يتولى إعالة جيل الآباء والأمهات، بينما يتولى هذا الجيل الأخير اليوم تقديم العون والدعم المالي إلى الشباب لأن الأوضاع الاقتصادية التي يعيشون فيها لا توفر لهم المداخيل الكافية لتلبية حاجاتهم الأساسية. ويعزو مور هذا الواقع إلى فشل أخلاقي واقتصادي تقع فيه الديمقراطيات القديمة.
وتبدو معالم هذا الانحدار في الامتيازات المالية والإدارية التي يحظى بها أولئك المسيطرون على الشركات الكبرى.
وتبلغ هذه الامتيازات حجماً لا يقبله العقل وتسلب الطبقة المتوسطة الكثير مما تستحقه.
وتستطيع الكنيسة الكاثوليكية الاضطلاع بدور خارج أوروبا والعالم الأطلسي بفضل تأثيرها على الولايات المتحدة ودور الاتحاد الأوروبي.
إلا أن هذا الدور لا يقارن بالدور الذي يمكن للإسلام وللكونفوشية والبوذية الاضطلاع به خارج الدول الأطلسية.
وتمر هذه الأديان والمعتقدات بتجارب عميقة وتحديات تاريخية جديرة بأن تسمح لها باحتضان الديمقراطية، وبأن تلقي بثقلها الكبير إلى جانب الحريات العامة والفردية. ولكن هذا المنحى يقتضي التجدد من الداخل حتى يؤتي ثماره، وهذا لم يحصل حتى الآن.
وبالطبع تستطيع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي القيام بدور مهم في نشر مبادئ الديمقراطية بفضل الإمكانات الكبيرة التي يحوزانها.
ولكن هذا الدور وظف في خدمة قوى معادية للديمقراطية تمثلت في محور بوش-بلير الذي قاد حرب العراق فدمره بدلاً من أن يحوله إلى «قاعدة لنشر الديمقراطية في الشرق»، كما ادعى قادة البلدين. وكان من نتائج هذه الحرب انطلاق آلية الدومينو من بغداد إلى دول عربية أخرى.
وتوسعت تداعيات حرب العراق عبر المهاجرين السوريين والعراقيين الذين تركوا بلادهم إلى أوروبا هروباً من الحروب والقتل السياسي. في أوروبا اليوم وخارجها قلق على مستقبل النظام القاري الذي شيده الأوروبيون بعد الحرب العالمية الثانية.
فهذا النظام هو الأقرب إلى اليوتوبيا الواقعية الديمقراطية التي اقترحها ودعا إليها مثل جون رولز في الولايات المتحدة وإدوارد هالت كار في بريطانيا. وهو التجلي الأهم لنظرية ايمانويل كانت في السلم الديمقراطي الدائم.
ولكن موجات الدمقرطة التي انطلقت من أوروبا الغربية ثم انتشرت في ما يقارب الستين دولة في العالم ابتداء من منتصف السبعينات لم تحدث بصورة عفوية أو تلقائية، بل نتيجة جهود كبيرة قام بها الفيدراليون الأوروبيون.
ويحتاج المعنيون بمستقبل الديمقراطية في العالم اليوم إلى بذل مثل هذه الجهود من أجل نشر الديمقراطية في الدول التي لا تزال خاضعة للحزب الواحد أو الحزب المهيمن أو المؤسسات الأمنية. وبعضها لا يزال يتمتع بنفوذ واسع ومواقع قوية في المنطقة العربية.
من دون تعزيز مشاريع الإصلاح في البلاد العربية سوف تبقى الديمقراطية مهددة بالانتكاس حتى في أعرق الدول تعلقاً بالحرية والمساواة.

 رغيد صلح

صحيفة الخليج