جنبلاط يخرج عن صمته الطويل.. حزب الله خرّب لبنان

جنبلاط يخرج عن صمته الطويل.. حزب الله خرّب لبنان

في الوقت الذي يكافح فيه اللبنانيون من أجل توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية يواصل حزب الله التصعيد السياسي ضد السعودية، أحد أكبر الداعمين الماليين للبنان على مرّ عقود، ويزيد من تعقيد الأزمة مع دول الخليج.

بيروت – يقود تحكم حزب الله بسياسات لبنان الداخلية والخارجية البلد المنكوب اقتصاديا نحو عزلة عربية تفاقم أزماته المتراكمة، فيما يواصل الحزب الموالي لإيران إجهاض مساعي تطويق الأزمة مع السعودية عبر دعمه لوزير الإعلام جورج قرداحي الرافض للاستقالة التي أكد مبعوث جامعة الدول العربية إلى لبنان حسام زكي أنها خطوة أولى لطي الخلاف والسماح بوساطات.

وقال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في حديث تلفزيوني الاثنين، إن “المخرج الآني للأزمة الخليجية يبدأ بإقالة وزير الإعلام جورج قرداحي ثمّ الاعتذار من الخليج وليس العكس كما يريد البعض”. وأضاف جنبلاط “حزب الله خرب بيوت اللبنانيين في الخليج”.

وتأتي تصريحات جنبلاط في وقت قالت فيه مصادر لبنانية إن بيروت تلقت تلميحات سعودية ببدء ترحيل جزئي للبنانيين من أراضيها إذا فشلت مهمة زكي.

ورغم أن السعودية أكدت في بيان لها سابقا أنها حريصة على ضمان سلامة اللبنانيين العاملين في المملكة وعدم التوجه إلى طلب المغادرة منهم، إلا أن الخطوة ليست مستبعدة في ظل تصعيد حزب الله ومهاجمته الرياض نيابة عن إيران.

واتخذت الرياض خطوات تصعيدية ضد بيروت بدأت بطلب مغادرة سفير لبنان للمملكة واستدعاء سفيرها، إضافة إلى وقف الواردات كافة القادمة من لبنان، لكن القيادة السعودية لم تلمح إلى الخطوات المقبلة التي يمكن أن تتخذها ردّا على الإساءة لها.

وتُعد السعودية من أكثر الدول في العالم التي تستورد منتوجات زراعيّة من لبنان، خاصّة الخضروات والفواكه كالعنب والحمضيات والموز وغيرها، ما يعتبر ضربة موجعة للاقتصاد اللبناني المأزوم.

ويؤكد مراقبون أن أي خطوة من الخطوات السعودية المرتقبة ضد لبنان ستدعمها بقية دول الخليج وتنسج على منوالها، ما يتجه بلبنان إلى عزلة خليجية وعربية لا تخدم اللبنانيين الذين يكافحون من أجل توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية. والاثنين التقى موفد الجامعة العربية بعدد من الساسة اللبنانيين، وأشارت مصادر إلى أنه أجرى اتصالات أيضا بقيادات في حزب الله، في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة مع السعودية تفتح الباب أمام توسّط الجامعة لطي الخلاف ورأب الصدع بين بيروت والرياض.

ولفتت المصادر إلى أن زكي تقدم بطلب إقالة قرداحي كمدخل للحل مع السعودية، وطرح أيضا فكرة أن يصوت الوزراء المحسوبون على حزب الله وحركة أمل ضد إقالة قرداحي، وأن يعود الوزراء المقربون من حزب الله وأمل إلى اجتماعات الحكومة، لكن حزب الله رفض هذا الطرح.

والأحد شن نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم هجوما على السعودية مطالبا إياها بالاعتذار وقال “السعودية تمارس عدواناً غير مبرر على لبنان وعليها أن تعتذر عن ذلك”.

وأجهضت تصريحات قاسم التي استبقت زيارة مبعوث الجامعة العربية إلى لبنان المساعي العربية لحلحلة الأزمة قبل أن تبدأ.

ولا يزال قرداحي على موقفه لجهة رفض الاستقالة. وأشارت مصادر إلى أن حزب الله لن يقبل بالتضحية بوزير الإعلام ولن يُلزمه بأيّ خطوة يتخذها، إلا إذا بادر هو من تلقاء نفسه إلى الاستقالة.

ويطالب قرداحي بضمانات سعودية لجهة انتهاء الأزمة مقابل استقالته، وهو شرط تصعيدي يعرف قرداحي مسبقا أنه غير مقبول وأن استقالته لا تهم الرياض وإنما هي شأن داخلي لبناني صرف.

ويعكس تعنّت قرداحي وتصعيد حزب الله من خلفه ضد السعودية عجز رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي عن رسم السياسات الخارجية للبنان والدفاع عن مصالح اللبنانيين في دول الخليج، ما يعزز صدقية القول بأن الحكومة اللبنانية أسيرة أجندات حزب الله ومن خلفها إيران.

وفشلت دعوات ميقاتي المتكررة إلى استقالة قرداحي و”تغليب المصلحة الوطنية”، فيما قيدته التوازنات الحكومية الداخلية في اتخاذ قرار لإقالته، وفتح قنوات الوساطات أمام عدد من الدول التي أبدت استعدادها للتوسط لدى الرياض من أجل طي الخلاف الدبلوماسي مع بيروت.

ويحذّر مراقبون من ترك حزب الله يقود مسالك هذه الأزمة، راسما خطوطا حمراء أمام إقالة قرداحي أو استقالته، ورافعا سقف المواجهة مع السعودية.

واعتبرت أوساط خليجية أن استغراق لبنان الرسمي في قياس منسوب التوافق المطلوب حيال أي خطوة بحق وزير الإعلام، عوض بدء تدارك الموقف وإدارة الأزمة بما يتلاءم مع جوهرها المتصل بإحكام حزب الله سيطرته على مفاصل القرار، لن يؤدي إلا إلى المزيد من تعقيد هذه الأزمة التي تسير بلبنان إلى العزلة.

وأتت الأزمة في وقت كانت فيه حكومة ميقاتي تعمل على إعادة ترتيب علاقاتها السياسية مع دول الخليج، خصوصا السعودية، وتعوّل على دعم مالي منها في المرحلة المقبلة للمساهمة في إخراج البلاد من أسوأ أزماتها الاقتصادية.

وتشهد العلاقة بين البلدين فتورا منذ سنوات، على خلفية تزايد دور حزب الله الذي تعتبره الرياض منظمة إرهابية تنفذ سياسة إيران، خصمها الإقليمي الأبرز.

وأنفقت السعودية ودول الخليج العربية الأخرى في ما مضى المليارات من الدولارات مساعدات للبنان، ومازالت تقدم فرص عمل وملاذا للكثير من المغتربين اللبنانيين وعددهم ضخم. لكن هذه الصداقة شابها توتر منذ سنوات نتيجة تنامي نفوذ جماعة حزب الله.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه بأيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياسات الرياض الجديدة.

العرب